بيان صحفي لرئيس جامعة UIN جاكرتا: العام الهجري الجديد 1448 هـ منطلق لهجرة وطنية نحو النزاهة والعدل وتنمية الموارد البشرية

بيان صحفي لرئيس جامعة UIN جاكرتا: العام الهجري الجديد 1448 هـ منطلق لهجرة وطنية نحو النزاهة والعدل وتنمية الموارد البشرية

جاكرتا، أخبار جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية عبر الإنترنت (Berita UIN Online) — إن زخم رأس السنة الهجرية الجديدة 1448 هـ ينبغي ألا يُفهم على أنه مجرد تغيير في التقويم الديني فحسب، بل إن هذا العام الهجري الجديد يمثل في جوهره مساحة للتأمل الجماعي لإجراء تقييم دقيق لمسيرة الأمة، وفي الوقت نفسه تعزيز الالتزام الراسخ ببناء مستقبل لإندونيسيا يكون أكثر نزاهة وعدالة وتقدماً. وتعد حادثة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة أحد المعالم البارزة والمهمة في تاريخ الحضارة الإنسانية؛ إذ لم تكن الهجرة تعني مجرد انتقال من حيز جغرافي إلى آخر، بل كانت تحولاً اجتماعياً عميقاً نجح في تكوين مجتمع أكثر عدلاً، وشمولية، وإنتاجية، وتوجهاً نحو المصلحة العامة المشتركة. وفي السياق المعاصر، يجب فهم الهجرة على أنها عملية مستمرة من التغيير نحو وضع أفضل، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة ككل.

تواجه إندونيسيا في الوقت الحالي تحديات جمة وليست بالسهلة، بدءاً من التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، وعدم استقرار الاقتصاد العالمي، والنزاعات الجيوسياسية، وصولاً إلى الاضطرابات التكنولوجية التي تغير كافة جوانب حياة المجتمع تقريباً. ولذا، لا بد من ترجمة روح الهجرة إلى أجندة تحول وطني شاملة تركز على ثلاثة مجالات رئيسية؛ أولها هجرة النزاهة والحوكمة العامة، حيث إن تقدم أي أمة لا يمكن فصله عن جودة نزاهة قادتها ومؤسساتها العامة. وما زالت القضايا المختلفة مثل الفساد، وإساءة استخدام السلطة، وضعف ثقافة المساءلة تشكل تحديات خطيرة يجب مواجهتها سوياً. وفي المنظور الإسلامي، يعتبر العدل هو الأساس الرئيسي لقيام الحضارة، وهو ما أكده المفكر المسلم الكلاسيكي ابن خلدون في كتابه المقدمة حين أوضح أن استمرارية الدولة تتحدد بشكل كبير بجودة القيادة، والتضامن الاجتماعي، وإقامة العدل. ومن هنا، فإن إندونيسيا بحاجة ماسة إلى هجرة من الممارسات التي تقدم المصالح الضيقة والخاصة نحو حوكمة أكثر شفافية، واحترافية، وتوجهاً نحو خدمة الصالح العام.

أما المجال الثاني فيتمثل في الهجرة الاقتصادية من أجل رفاهية متساوية، فإلى جانب النزاهة، تبرز الأجندة الاقتصادية القادرة على تقديم المنافع لجميع طبقات المجتمع كضرورة ملحة. وإن جهود التنمية وتوطين الصناعات التي تقوم بها الحكومة تعد خطوة إيجابية لزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، ومع ذلك، يجب أن يرافق النمو الاقتصادي توزيع عادل للمنافع حتى يكون قادراً على رفع رفاهية المجتمع على نطاق واسع، تماشياً مع قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر الآية 7: "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ"، وهو ما يؤكد أن التنمية الاقتصادية لا تهدف فقط إلى تحقيق النمو الرقمي، بل تهدف أيضاً إلى إرساء العدالة الاجتماعية. إن نجاح التنمية يجب أن يُقاس بمدى حصول المجتمع على وظائف لائقة، وفرص تعليم جيدة، وخدمات صحية ملائمة، فضلاً عن فرص متكافئة للنمو والتطور. ويتوافق هذا المنظور تماماً مع فكر عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، أمارتيا سين، الذي ذكر أن التنمية في حقيقتها هي عملية توسيع لحرية الإنسان وقدراته لتحسين جودة حياته.

وتأتي الهجرة التعليمية لإعداد أجيال المستقبل كركيزة ثالثة لا تقل أهمية، حيث إن مستقبل إندونيسيا سيتحدد بشكل كبير بناءً على جودة مواردها البشرية. إن تطور التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة يتطلب ولادة جيل يتسم بالمرونة، والإبداع، والابتكار، وفي الوقت نفسه يمتلك شخصية وقيمًا قوية. لذلك، يجب أن تكون الجامعات قادرة على أن تصبح مراكز لتطوير العلوم والبحوث والابتكار وبناء الشخصية، ولا يجوز للتعليم أن يقتصر فقط على تخريج أفراد متميزين أكاديمياً، بل يجب أن يتمتعوا أيضاً بالنزاهة، والأخلاق، والمسؤولية الاجتماعية. وقد أكد المفكر المسلم المعاصر سيد محمد نقيب العطاس أن غاية التعليم هي إيجاد الإنسان المتأدب (إنسان أدبي)، وهو الإنسان الذي يمتلك العلم والمعرفة إلى جانب الحكمة الأخلاقية في استخدام علمه وتوظيفه.

وفي الختام، تظهر الهجرة كحركة جماعية مشتركة، إذ لا يمكن حل تحديات الأمة من قبل طرف واحد فقط، بل يجب على الحكومة، والجامعات، وعالم الأعمال، والرموز الدينية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني أن يتحركوا معاً لبناء ثقافة النزاهة، وتعزيز الابتكار، وتوسيع نطاق الوصول إلى الرفاهية والتعليم عالي الجودة. وينبغي أن يكون العام الهجري الجديد 1448 هـ زخماً لتعزيز روح التغيير؛ فنحن بحاجة إلى الهجرة من الفساد إلى النزاهة، ومن التفاوت إلى العدالة، ومن التخلف إلى الابتكار، ومن التشاؤم إلى التفاؤل في بناء مستقبل الأمة. وإذا تمكنت جميع عناصر الأمة من القيام بأدوارها على الوجه الأمثل، فإن تطلعات "إندونيسيا الذهبية 2045" لن تكون مجرد شعار تنموي، بل هدفاً ملموساً يمكن تحقيقه معاً. إن المعنى الحقيقي للهجرة هو الشجاعة في التغيير نحو الأفضل، وهذه هي الروح التي يجب الاستمرار في إحيائها وإبقائها حية في الحياة الوطنية والسياسية للدولة. عام هجري جديد سعيد 1448 هـ، وعسى أن يكون زخم الهجرة ملهماً لتعزيز النزاهة، والعدالة، والعلم، وتقدم الأمة الإندونيسية.

(بيان صادر عن رئاسة جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

العلامات :