بانشاسيلا كبوصلة: دور مؤسسات التعليم العالي في ظل عدم اليقين العالمي
بقلم: الأستاذة الدكتورة إييس أماليا
(أستاذة بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
في الأول من يونيو من كل عام، تُستدعى الأمة الإندونيسية للعودة إلى قاعة اجتماعات "لجنة التحقيق للجهود التحضيرية للاستقلال" (BPUPK) عام 1945، عندما ألقى سوكارنو خطابه التاريخي الذي خُلِّد لاحقًا كلحظة لميلاد المبادئ الخمسة للدولة (البانشاسيلا).
وبعد مرور تسعة وسبعين عامًا على ذلك الخطاب في مبنى "بيجامبون"، يتردد صدى نداء "بونغ كارنو" اليوم بقوة أكبر: اجعلوا البانشاسيلا مهمة وتكليفًا، لا مجرد إرث وتاريخ. وفي ظل عالم يعاني من تقلبات واضطرابات عالمية حادة، تقع هذه المهمة اليوم على عاتق واحدة من أكثر المؤسسات استراتيجية في الحضارة الحديثة: مؤسسات التعليم العالي.
إن عالم اليوم ليس بخير؛ إذ نشهد تحولات جيوسياسية دراماتيكية، وتوترات اقتصادية بين القوى العظمى، وأزمة مناخية تزداد تيقظًا، وصولاً إلى الطفرة التكنولوجية للذكاء الاصطناعي (AI) التي تعيد تشكيل خارطة الوظائف والإنسانية. وعلى الصعيد المحلي، تبدو هذه الأمواج ملموسة للغاية؛ فالاستقطاب الاجتماعي، والتآكل الأخلاقي، والتحديات الاقتصادية لما بعد الجائحة، كلها أمور تتطلب بوصلة أخلاقية راسخة حتى لا تفقد الأمة اتجاهها.
وهنا تبرز البانشاسيلا لا كعقيدة جامدة، بل كـ "أيديولوجيا حية" (Living Ideology) تُوجّه وتحرّك. وتعد الجامعات هي المختبر الرئيسي الذي تُختبر فيه قيم البانشاسيلا، وتُوضع في سياقها المعاصر، وتُترجم كحلول للأزمات العالمية.
الجامعة كمرساة معرفية (إبستمولوجية)
إن التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم العالي اليوم هو جاذبية تيار البراغماتية العالمية، الذي غالبًا ما يختزل التعليم في مجرد "مصنع لإنتاج الأيدي العاملة". وفي عالم يحركه السوق، هناك خطر حقيقي يتجلى في فصل العلم عن القيم الأخلاقية. ومن ثم، يجب أن يمثل المبدأ الأول "الإيمان بالإله الواحد"، والمبدأ الثاني "إنسانية عادلة ومتحضرة"، مرساة معرفية (إبستمولوجية) لكل نشاط أكاديمي.
إن واجب الجامعات هو ضمان خضوع تطوير العلوم والتكنولوجيا -بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية- لكرامة الإنسان والمسؤولية الروحية. فالأبحاث التي تولد في الحرم الجامعي لا ينبغي أن تفوق فقط في طلب "الأصالة والتجديد" (Novelty) من أجل النشر الدولي فحسب، بل يجب أن تجيب على المعضلات الحقيقية للإنسانية، مثل الفوارق الطبقية، والمجاعة، والدمار البيئي. وهذا هو التجسيد الحقيقي للعلم النافع والعمل المبني على العلم.
نسيج الإنسانية والوحدة في العصر الرقمي
لقد جاء العالم الرقمي بنعمة ونقمة في آن واحد؛ فبينما يقرب البعيد، فإنه يخلق أيضًا "غرف صدى" (Echo Chambers) توقظ الاستقطاب. والجامعة، باعتبارها مجتمعًا مصغرًا، يجب أن تكون المساحة التي يُمارس فيها المبدأ الثالث "وحدة إندونيسيا" بشكل شامل ومستوعب للجميع.
يجب أن تقود مؤسسات التعليم العالي الجهود في بناء وعي رقمي يستند إلى قيم البانشاسيلا. فلا يُعلم الطلاب فقط كيفية تشغيل التكنولوجيا، بل يُدربون أيضًا على التفكير النقدي والتعاطف في الفضاء السيبراني. ويجب أن تكون الجامعة حصنًا منيعًا ضد الأخبار المزيفة، وخطاب الكراهية، والتطرف الذي يهدد النسيج الوطني. وبهذا الالتزام، تخرج الجامعات جيلًا قادرًا على الاحتفاء بالاختلاف دون التضحية بالوحدة.
إحياء تقاليد الشورى في العلوم
يتطلب المبدأ الرابع، "الديمقراطية المسترشدة بالحكمة الداخلية في الإجماع الناشئ عن المداولات"، نموذجًا للقيادة والإدارة الأكاديمية الديمقراطية القائمة على الأدلة العلمية (Evidence-based policy). وإن "الحكمة والتعقل" في السياق الأكاديمي يعنيان أن القرارات الاستراتيجية للجامعة، بما في ذلك إسهاماتها في السياسات العامة للدولة، يجب أن تستند إلى بحوث عميقة، وحوار مفتوح، ومنطق سليم.
تملك الجامعات واجباً أخلاقياً للصدح بالحقيقة العلمية في الفضاء العام. وفي خضم أمواج الشعبوية وعصر "ما بعد الحقيقة" (Post-truth)، يجب أن تكون الجامعة منارة تمد المجتمع وصناع القرار بوضوح الفكر، لا برجًا عاجيًا يعزل نفسه عن الواقع الاجتماعي.
العدالة الاجتماعية كبوصلة للبحوث
إن المصب النهائي لجميع مبادئ البانشاسيلا هو المبدأ الخامس: "العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي". وفي ظل الاضطرابات العالمية التي غالبًا ما توسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، يجب على التعليم العالي توجيه طاقاته لتعزيز هذه العدالة.
وكيف يكون ذلك؟ يكون من خلال تحويل البحوث وتطبيقها ميدانيًا (Hilirisasi Riset) لصالح التمكين الاقتصادي للمجتمع والفئات المهمشة. وإن الجامعات، ولا سيما الجامعات الإسلامية الحكومية (PTKIN) والجامعات الوطنية الأخرى، تحمل مسؤولية كبرى لتطوير نماذج اقتصادية بديلة وعادلة، مثل الاقتصاد الشريعي (الإسلامي)، والاقتصاد الأخضر (Green Economy)، والابتكار الاجتماعي الشامل. والعدالة الاجتماعية تعني أيضًا ضمان وصول التعليم العالي الجيد لكل أبناء الوطن، دون أن تحول بين الكفاءة والفرصة عوائق اقتصادية.
خاتمة: نداء التاريخ
إن إحياء ذكرى ميلاد البانشاسيلا في خضم الاضطرابات العالمية ليس مجرد طقس سنوي عابر، بل هو لحظة تأمل جذري للتعليم العالي لإعادة ترتيب مساره وغايته الأساسية. لا ينبغي للجامعات أن تنجرف مع تيارات عدم اليقين العالمي بلا وجهة؛ بل على العكس، يجب أن تكون هي الطرف الذي يشارك في تلوين وتوجيه المستقبل العالمي بنور البانشاسيلا.
عندما استخرج "بونغ كارنو" مبادئ البانشاسيلا من أعماق أرض الأرخبيل، لم يكن يفكر في إندونيسيا ذلك الزمان فحسب، بل في إندونيسيا التي ستقود الحضارة العالمية. وإن مهمة التعليم العالي اليوم هي ترجمة هذا الحلم العظيم إلى مناهج دراسية، وبحوث علمية، وخدمة مجتمعية؛ لتظل البانشاسيلا بوصلة تقود سفينة إندونيسيا لتبحر بشموخ في خضم المحيط العالمي الهائج، نحو "إندونيسيا الذهبية" المتقدمة، العادلة، والمتحضرة.
نُشر هذا المقال في موقع "راجا ميديا" (RAJA MEDIA) يوم الإثنين، 1 يونيو 2026م.
