إعادة بناء المعمار الجديد للتعليم العالي

إعادة بناء المعمار الجديد للتعليم العالي

أحمد طلبي خارلي
أستاذٌ كرسيّ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا،
وعضو مجلس التعليم العالي بوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا في جمهورية إندونيسيا

تشهد منظومة التعليم العالي عالميًا تحولات كبرى ومتسارعة. فقد غيّرت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والهندسة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، والابتكار المستدام، طرائق تعلّم الإنسان وعمله وبنائه للحضارة. وتسير هذه التحولات بوتيرة أسرع بكثير من دورات السياسات التقليدية التي اعتادت عليها أنظمة التعليم العالي.

وفي خضم هذا التحول العميق، تواجه إندونيسيا سؤالًا جوهريًا: هل يستند تعليمها العالي إلى رؤية استراتيجية كافية تمكّنه من مواجهة تحديات العقد القادم؟ أم أنه يسير دون خارطة طريق طويلة المدى تحفظ له القدرة على الاستمرار والتنافسية ومتانة النظام الأكاديمي الوطني؟

وتكتسب هذه التساؤلات أهميتها لأن التعليم العالي يمثل الأساس لمسيرة إندونيسيا نحو عامي 2030–2045، وهي المرحلة التي يُنظر إليها على أنها «نافذة ذهبية» للانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة.

وقد تعزز هذا الطموح بإطلاق وثيقة خريطة طريق التعليم الإندونيسي 2025–2045 من قبل وكالة التخطيط الوطني (بابيناس)، والتي أكدت ضرورة إعادة تموضع النظام التعليمي نحو منظومة للمواهب الرقمية، وبحث علمي موجه نحو التصنيع والتطبيق، وتعزيز مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). غير أن تحقيق هذا التحول يظل صعبًا ما دام التعليم العالي أسير إدارة بيروقراطية مجزأة تفتقر إلى الرؤية المستقبلية. ففي حين يعيد العالم ترتيب أولويات تعليمه برؤى طويلة المدى وأكثر تكيفًا، ما تزال إندونيسيا منشغلة بسياسات خماسية لا تقدم دائمًا تصورًا استراتيجيًا شاملًا. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة توجه التعليم العالي بصورة منهجية وطويلة الأمد.

وقد حقق التعليم العالي الإندونيسي خلال العقد الأخير إنجازات مهمة، مثل رقمنة الحرم الجامعي، وتوسع الجامعات الحكومية ذات الكيان القانوني، وتحسن الاعتمادات الدولية، وتطور نماذج التعلم. غير أن هذه الإنجازات تخفي وراءها إشكالات بنيوية لا يمكن تجاهلها. ويُعد تشتت السياسات أبرز هذه الإشكالات، حيث تسير البرامج المختلفة جنبًا إلى جنب دون تنسيق واضح. ونتيجة لغياب استراتيجية بعيدة المدى، تتحول هذه البرامج إلى مبادرات قطاعية لا تُحدث تغييرًا منظوميًا، فتغدو الجامعات منشغلة بتحقيق أهداف قصيرة الأجل بدل خدمة الرؤية الوطنية الكبرى.

كما يبرز تحدٍ آخر يتمثل في التأخر في دمج تقنيات المستقبل. فرغم تزايد استخدام التكنولوجيا الرقمية، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في المناهج والبحث العلمي وإدارة الجامعات ما يزال محدودًا ومبعثرًا. وتنشغل العديد من الجامعات بالجدل الأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي دون الانتقال إلى إعادة تصميم المناهج، أو إنشاء مختبرات بحثية متقدمة، أو تأهيل الكوادر الأكاديمية بمهارات المستقبل، مما يهدد بتخلف الجامعات عن تطور الصناعات التي باتت أكثر ابتكارًا من الفضاء الأكاديمي ذاته.

أما منظومة البحث العلمي، فلم تتحول بعد إلى محرك وطني للابتكار. فضعف الإنفاق على البحث وقلة الشراكات المستدامة بين الجامعات والصناعة يؤديان إلى توقف كثير من الأبحاث عند حدود النشر الأكاديمي دون تحويلها إلى حلول عملية. في حين يفترض بالبحث العلمي أن يكون جسرًا يربط الجامعة بحاجات التنمية الوطنية. وبدون منظومة بحثية قوية، تبتعد الجامعات عن قضايا المجتمع ويتعثر مسار الابتكار.

من جهة أخرى، لم تحظَ مسألة الكفايات اللغوية والتنقل الأكاديمي بمكانة استراتيجية وطنية. فلا تزال تنمية اللغة العلمية الإندونيسية واللغات الأجنبية غير منظمة على نحو كافٍ، الأمر الذي ينعكس على ضعف مشاركة الأساتذة والطلبة في الشبكات الأكاديمية العالمية. كما أن الفجوة في جودة التعليم بين الجامعات ما تزال واسعة بسبب التفاوت في التمويل والبنية التحتية والموارد البشرية، مما يعيق بناء نظام وطني متماسك وقادر على المنافسة.

ويظل جانب الحوكمة الأكاديمية خاضعًا لهيمنة الطابع الإداري، حيث تُستنزف طاقات الأساتذة والقيادات الجامعية في التقارير والإجراءات البيروقراطية، بدل توجيهها إلى التعليم والبحث والابتكار. بينما تقتضي الحوكمة الرشيدة تقليل الأعباء الإدارية وتعظيم الجهد الأكاديمي.

إن هذا الواقع يستدعي بلورة خريطة طريق جديدة للتعليم العالي في إندونيسيا بأفق يمتد لعشر سنوات مقبلة، تكون بمثابة توجّه استراتيجي وطني يدمج منظومة التعليم العالي في رؤية إندونيسيا 2045. وينبغي أن تكون هذه الخريطة وثيقة ديناميكية قابلة للتحديث وفق تطور التكنولوجيا واحتياجات المجتمع. فمع التغيرات الجذرية التي تُحدثها تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة الكمية والبيولوجيا التركيبية، يجب أن يكون التعليم العالي قادرًا على الاستجابة السريعة والدقيقة.

كما ستسهم خريطة الطريق في توضيح أدوار مختلف أنواع الجامعات، وتنظيم العلاقة بين التعليم الأكاديمي والتعليم المهني، وصياغة استراتيجية واضحة للتدويل، وتوجيه البحث العلمي لخدمة الأولويات الوطنية. وبدون هذه الرؤية، سيظل التعليم العالي يتحرك بردود أفعال آنية لا برؤية مستقبلية.

ولا يمكن أن تتحقق عملية التحول إلا بالارتكاز على ثلاثة مرتكزات أساسية: تكنولوجيا المستقبل، والقيم الإنسانية، والشمولية. فدمج التكنولوجيا يجب أن يكون حجر الأساس لضمان بقاء الجامعات ذات صلة بعالم المعرفة المتغير، من خلال إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج، وإنشاء مختبرات متقدمة، ورفع كفاءة أعضاء هيئة التدريس في التربية الرقمية، واعتماد أنظمة ذكية لإدارة الجامعات. فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون إطارًا لتصميم جامعة المستقبل، لا مجرد أداة مساندة.

غير أن التقدم التكنولوجي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع ترسيخ القيم الإنسانية. فخريجو الجامعات مطالبون بالكفاءة الرقمية، كما هم مطالبون بالنزاهة والتعاطف والوعي بالقضايا العامة. ومن ثم، يجب أن تنتقل التربية الأخلاقية من كونها ممارسة رمزية إلى منظومة متكاملة عبر مناهج الأخلاقيات، وممارسات القيادة، وبناء ثقافة النزاهة في البيئة الأكاديمية، حتى لا يفقد التقدم العلمي بوصلته الأخلاقية.

ويشكل مبدأ الشمولية والتنقل الأكاديمي الركيزة الثالثة، حيث ينبغي للتعليم العالي المستقبلي أن يتيح مسارات تعلم مرنة، عابرة للتخصصات والمؤسسات والدول. ويتطلب ذلك سياسات قبول أكثر انفتاحًا، إلى جانب تعزيز قدرات الطلبة والأساتذة للمشاركة الفاعلة في الشبكات العلمية العالمية. فالشمولية لا تعني مجرد إتاحة الوصول، بل تمكين كل فرد من سلوك المسار الذي يحقق أقصى إمكاناته.

وفي ضوء هذه الأسس، لا بد من إعادة تعريف دور الجامعات. فعليها أن تكون مركزًا للابتكار الوطني، وحارسًا للأخلاق العامة، ومحركًا للتنمية المحلية والوطنية. وينبغي توجيه البحث العلمي نحو حلول عملية لقضايا الطاقة والغذاء والصحة وإدارة الكوارث والتكنولوجيا الرقمية، مع تعزيز الترابط مع الصناعة والحكومة والمجتمع.

إن إندونيسيا تقف اليوم عند مفترق طرق في مستقبل تعليمها العالي. فالعالم يتسارع، والمنافسة العالمية على المواهب تشتد. وبدون خريطة طريق بعيدة المدى ورؤية متكاملة، قد يفقد التعليم العالي مكانته ودوره. لذا ينبغي اغتنام زخم «إندونيسيا الذهبية 2045» لإعادة صياغة مسار التعليم العالي ليغدو بحق بيتًا للمعرفة، ومركزًا للابتكار، وأساسًا راسخًا لحضارة المستقبل

نُشِر هذا المقال في صحيفة «ميديا إندونيسيا» يوم الأربعاء، 7 يناير 2026، الساعة 05:05.