اسْتِقْبَالُ فَجْرٍ جَدِيدٍ فِي تَامْبَاكْ بِيرَاسْ
Prof. Dr. Imam Subchi, M.A.
أستاذ علم الإنسان الديني في UIN Syarif Hidayatullah Jakarta
عادت Tambakberas لتكون مجدداً مهوى أفئدة الملايين ومستقر آمال أبناء Nahdliyin. ففي الفترة من 27–31 Agustus 2026، احتضن مجمع Pondok Pesantren Bahrul Ulum في Jombang فعاليات المؤتمر العام (Muktamar) 35 لجمعية Nahdlatul Ulama. وهذا المحفل الخماسي ليس مجرد منتدى تنظيمي لانتخاب الهيئة الإدارية وتحديد مسار سياسات NU فحسب، بل يحمل دوماً لدى أبناء Nahdliyin أبعاداً أرحب؛ إذ يمثل لقاءً مباركاً، وصلة للأرحام، واحتفاءً بروح الأخوة والتضامن.
ومن سائر أرجاء الوطن، توافد العلماء (kiai)، وطلاب العلم (santri)، والمسؤولون، والمؤتمرون (muktamirin)، وعموم أبناء NU، وكلٌ يحمل في جوانحه بهجته الخاصة. فمنهم من حضر بصفته مبعوثاً رسمياً، ومنهم من تطوع في الخدمة، أو أقام المطابخ ومراكز الدعم، أو هيأ دور الضيافة والاستراحة، وصولاً إلى أولئك الذين جاءوا لمجرد التطلع إلى وجوه المشايخ، ومصافحتهم، ونيل دعواتهم، والتماس البركة منهم.
إن مثل هذه المشاهد لتبرهن بجلاء على أن Muktamar NU ليس حدثاً عادياً؛ فخلف قاعات الجلسات وضجيج سباق القيادة، تكمن وشائج اجتماعية وروابط ثقافية تجعل جذور NU راسخة بقوة في أعماق المجتمع. ولهذا السبب، فإن كل من سينال شرف تولي أمانة قيادة PBNU لن يقتصر دوره على إدارة منظمة كبرى فحسب، بل سيشارك في تحديد الكيفية التي تتبوأ بها إحدى أكبر قوى المجتمع المدني في إندونيسيا مكانتها في مسيرة الأمة خلال الأعوام القادمة. فمن Tambakberas، لا يُترقب مجرد بزوغ قيادة جديدة، بل فجر جديد يرسم الوجهة التي تنوي NU المضي نحوها.
تغيير نمط التفكير: العودة إلى خدمة الأمة
يتعين على هذا الفجر الجديد أن يتجلى أولاً في امتلاك NU الجرأة للعودة والاقتراب الحقيقي من قضايا الأمة وهمومها. إن نمط التفكير القائم على العودة إلى النهج التأسيسي (khittah) ينسجم مع المقاصد التاريخية لنشأة NU عام 2026. ومثل هذا المسار قد تبلور سابقاً في Muktamar 27 في Situbondo عام 1984، حين أكدت NU مجدداً على مكانتها الراسخة كـ jam’iyah diniyyah ijtima’iyyah؛ أي جمعية دينية اجتماعية مستقلة تنظيمياً عن أي قوة أو تبعية سياسية.
ولا يعني الالتزام بـ khittah إطلاقاً دعوة لأبناء NU لاعتزال العمل السياسي؛ فالمواطنون يظلون متمتعين بكامل حقوقهم السياسية. وإنما الواجب حمايته هو ألا تفقد هذه الـ jam’iyah استقلاليتها ونزاهتها نتيجة الانغماس المفرط في صراعات السلطة والنفوذ.
وبناءً على ذلك، فإن التحدي الذي يواجه قيادة PBNU القادمة لا ينحصر في مجرد صياغة تشكيلة إدارية ترضي مختلف الأطراف، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة الجوهرية على كبح جماح التطلع للسلطة السياسية وتحويل تلك الطاقات إلى قوة فاعلة لتمكين الناس. فالسياسة لدى NU ينبغي أن تبرز كسياسة للمصالح والمنافع العامة (politik kemaslahatan)؛ تحضر حيث يحتاج الناس للمساندة، وتشد أزر الضعفاء، وتفسح السبل أمام المواطنين لعيش حياة كريمة.
وهذه الأجندة تستدعي عملاً ميدانياً ملموساً؛ إذ تمتلك NU شبكة مؤسسية تمتد إلى أقاصي القرى، ومعاهد إسلامية (pesantren) منتشرة على نطاق واسع، وقاعدة جماهيرية كبرى في الأرياف الزراعية والمناطق الساحلية. ومثل هذا الرصيد الاجتماعي الضخم حريٌ به أن يكون محركاً لاقتصاد الشعب؛ فالفلاحون بحاجة إلى تعزيز سبل الإنتاج، والتكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق والتمويل. والصيادون بحاجة إلى حماية بيئتهم الحيوية ومصادر رزقهم. كما تتطلب المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM) والتعاونيات المجتمعية ربطها بنظام اقتصادي أوسع كي لا تظل حبيسة الهامش في دورة الاقتصاد الوطني.
وينطبق الأمر عينه على قطاع التعليم؛ إذ يتعين على NU تقديم تعليم ذي جودة عالية ومتاح للجميع، دون إغفال المعاهد الإسلامية (pesantren) كأحد أهم مراكز صقل المعرفة وبناء القيم الإنسانية. كما ينبغي للمعاهد الإسلامية أن تعود لتكون منطلقاً محورياً للتوعية البيئية. فقضايا النفايات، وتلوث الأنهار، وتدهور السواحل، وأزمة المياه، والتغير المناخي باتت تلامس حياة الناس يومياً، بيد أن الخطاب البيئي لم يتجذر بعد بالقدر الكافي في برامج التربية الدينية اليومية، مع أن حماية الأرض وحفظ البيئة هما من صميم الحفاظ على استدامة حياة الأمة.
غرس الهوية الأصيلة: الوقوف سنداً وناصحاً للأمة
ليست NU بحاجة إلى أن تصبح حزباً سياسياً لتسهم في حل مشكلات البلاد؛ فقوتها الحقيقية تنبع تحديداً من موقعها كركيزة للمجتمع المدني: قريبة كفاية من الشعب لتتحسس آلامه، وكبيرة بما يكفي لتوصل صوته إلى مراكز الحكم. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لإدارة PBNU القادمة؛ فالتقارب مع أجهزة الدولة ينبغي ألا يمحو شجاعة توجيه النقد والتصويب، كما أن النأي بالنفس عن السياسة الحزبية الضيقة لا يعني البتة التخلي عن المسؤولية الوطنية.
إن العلاقة المثلى بين NU والدولة هي شراكة نقدية بنّاءة؛ فحين تناصر سياسات الدولة مصالح المواطنين، تجد NU مبرراً لدعمها وإسنادها. ولكن حين تُهمل فئات مجتمعية أو تُنتهك حقوقها، يجب أن تتمتع NU باستقلالية كافية للوقوف في صفهم. إن المجتمع المدني لا يكتسب هيبته ومكانته من مجرد معاداة الحكومة، بل من قدرته على التزام مسافة صحية متوازنة مع الثبات في الدفاع عن الصالح العام.
ومن هنا، تقتضي المرحلة بعد مؤتمر Tambakberas أن تكثف PBNU نزولها إلى الميادين الواقعية للحياة اليومية؛ إلى حقول الأرز حيث يرهن الفلاح رزقه بتقلبات أسعار المحاصيل، وإلى قرى الصيادين التي تواجه أزمات المناخ وانحسار مصائد الأسماك، وإلى التجمعات الصناعية حيث يعاني العمال قضايا الأجور، والضمان الاجتماعي، ومستقبل العمل، وإلى شوارع المدن حيث يعتمد سائقو دراجات النقل الذكي في كسبهم على خوارزميات منصات رقمية لا يملكون من أمرها شيئاً. هؤلاء جميعاً هم الأمة التي ينبغي لهمومها أن تتصدر الحوارات والاهتمامات الكبرى لـ NU.
وبالتأكيد، فإن مسيرة صرح بحجم NU لا تخلو بطبيعتها من كبوات أو تباين في المصالح أو تجاذبات داخلية، بيد أن باب الإصلاح والتصحيح لا يغلق أبداً. والمؤتمر العام ينبغي أن يكون محطة لطوي صفحات استنزفت جهوداً وطاقات بالغة، وفتح صفحة جديدة تكون أكثر ملامسة لاحتياجات الناس الواقعية.
وما تزال إندونيسيا بحاجة ماسة إلى NU؛ ليس لضخامة أعداد منتسبيها فحسب، بل لنهجها الراسخ في الاعتدال والوسطية، وشبكاتها المجتمعية، والمكانة الأخلاقية لعلمائها، وتجربتها العريقة في حماية أركان الجمهورية. وفي ظل مسار ديمقراطي يواجه تحديات متجددة، وتفاوت اجتماعي، وتقلبات اقتصادية، وطفرات تقنية سريعة، وأزمات بيئية، فإن لدى NU أفقاً واسعاً للمشاركة في توجيه دفة الأمة نحو بر الأمان.
ولذا، فإن الفجر الجديد المنشود من Tambakberas ينبغي ألا يقتصر بريقه على بزوغ أسماء جديدة في تشكيلة الإدارة، بل لا بد أن يُرى أثره واقعاً حين يستشعر الفلاح المساندة، ويُحفظ حق الصياد، ويُسمع صوت العامل، ويحظى طالب العلم بمستقبل أفضل، وحين يجد البسطاء منظمة NU سنداً بجوارهم في مواجهة أعباء الحياة.
وفي النهاية، ستُختتم أعمال Muktamar، وستُطوى الخيام، ويعود المؤتمرون إلى ديارهم، وتعود الطرقات المحيطة بـ Tambakberas إلى سكونها المعتاد. غير أن العمل الحقيقي لـ NU إنما يبتدئ لحظة انقشاع تلك التجمعات؛ فالفجر ليس نهاية الرحلة، بل هو علامة على إشراقة يوم جديد.
ومن Tambakberas، نتطلع ألا يقتصر إشراق ذلك اليوم الجديد على NU وحدها، بل يفيض بنوره وضياءه على مسيرة إندونيسيا جمعاء.
نُشر هذا المقال في beritasatu يوم الخميس، 27 Agustus 2026.
