النمو الخالي من الوظائف والتهديد الذي يواجه الرفاه
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للرابطة المركزية للمحاضرين الإندونيسيين
عضو مجلس إدارة المعهد الإندونيسي للاقتصاد الإسلامي (IAEI)
عضو مجلس إدارة جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين (ISEI) فرع جاكرتا
موجه في مجلس العلماء الإندونيسي (MUI)
في ظل التفاؤل تجاه الأداء الاقتصادي الوطني، تواجه إندونيسيا مفارقة حقيقية. فمن ناحية، يستمر الاقتصاد في النمو، حيث سجلت وكالة الإحصاء المركزية (BPS) نمواً اقتصادياً وصل إلى 5.11% طوال عام 2025، وارتفع إلى 5.61% في الربع الأول من عام 2026. ولكن من ناحية أخرى، تتزايد موجات تسريح العمال (PHK) بشكل كبير، حيث تشير بيانات وزارة القوى العاملة إلى أن أكثر من 88 ألف عامل قد تعرضوا للتسريح طوال عام 2025، خاصة في مقاطعات جاوة الغربية، وجاوة الوسطى، وبانتين. يثير هذا الوضع تساؤلاً جوهرياً: لماذا ينمو الاقتصاد بينما تتقلص فرص العمل؟ ألا يفترض بالنمو الاقتصادي أن يخلق فرص عمل ويحسن رفاهية المجتمع؟
في الأساس، لا يقتصر النمو الاقتصادي على مجرد زيادة في أرقام الناتج المحلي الإجمالي (PDB)، بل يجب أن يكون قادراً على خلق فرص العمل، وزيادة الدخل، والحد من الفقر. عندما لا يواكب النمو استيعاب القوى العاملة، تظهر ظاهرة "النمو بدون وظائف" (Jobless Growth)، وهي نمو يتحقق دون خلق فرص عمل جديدة. في النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، يسير النمو وفرص العمل جنباً إلى جنب؛ فعندما يرتفع الإنتاج، تحتاج الشركات إلى مزيد من العمال، مما يؤدي إلى انخفاض البطالة. ومع ذلك، فإن التطورات التكنولوجية مثل الرقمنة، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي مكنت الشركات من زيادة الإنتاجية دون إضافة عمال، بل وحتى استبدال بعض الوظائف التي كان يقوم بها البشر سابقاً. تظهر هذه الظاهرة بوضوح في إندونيسيا، حيث تستخدم قطاعات الصناعات التحويلية، والتجارة، والزراعة، والبناء -التي لا تزال تدعم النمو الاقتصادي- تقنيات الأتمتة، مما جعل زيادة الإنتاج لا تترجم إلى زيادة في الحاجة إلى القوى العاملة.
تفاقمت هذه المفارقة مع كثرة حالات التسريح في قطاعات التصنيع كثيفة العمالة مثل المنسوجات، والملابس، والأحذية، وبعض الصناعات الموجهة للتصدير، وذلك بسبب ضعف الطلب العالمي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والمنافسة الشديدة من دول أخرى. إن ظروف الاقتصاد العالمي التي لم تتعافَ بعد، والاضطرابات الجيوسياسية، وتباطؤ التجارة الدولية، وتغير أنماط الاستهلاك العالمي، أجبرت العديد من الشركات على اتباع سياسات الكفاءة، حيث غالباً ما يكون العمال أول ضحاياها. في حين أن قطاع التصنيع هو العمود الفقري لخلق فرص العمل الرسمية، لذا عندما يواجه هذا القطاع ضغوطاً، فإن تأثيره ينعكس مباشرة على معدلات البطالة والقوة الشرائية للمجتمع. بالإضافة إلى ذلك، فإن تغير توجهات قطاع الأعمال نحو تفضيل الاستثمار في التكنولوجيا لخفض التكاليف بدلاً من إضافة عمال، واستخدام الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، جعل النمو الاقتصادي لا ينتج نفس العدد من فرص العمل كما كان في السابق.
يزداد هذا الوضع إثارة للقلق لأن إندونيسيا تتمتع حالياً بالمكافأة الديموغرافية، حيث يصل عدد السكان في سن الإنتاج إلى ذروته. لن تكون هذه المكافأة مفيدة إلا إذا توفرت فرص عمل كافية؛ وإذا لم يتم استيعاب ملايين القوى العاملة الجديدة، بما في ذلك خريجو المدارس والتعليم المهني، فإن المكافأة الديموغرافية ستتحول إلى عبء اجتماعي واقتصادي. ونظراً لعدم القدرة على خلق فرص عمل عالية الجودة تضاهي نمو القوى العاملة، أصبحت المنافسة شديدة، واضطر العديد من الخريجين للعمل في القطاع غير الرسمي بأجور منخفضة أو حتى البقاء عاطلين عن العمل، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى توسيع فجوة التفاوت وإضعاف القوة الشرائية.
وللتغلب على ذلك، تحتاج إندونيسيا إلى الانتقال من التركيز على "كمية" النمو إلى "جودة" النمو القادرة على خلق فرص عمل واسعة، وزيادة الإنتاجية والدخل، والحد من التفاوت. تشمل الخطوات الاستراتيجية المطلوبة تعزيز الصناعات كثيفة العمالة من خلال الحوافز وتسهيل التنظيم، وإعطاء الأولوية لدعم الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM) من خلال الرقمنة، والوصول إلى التمويل الإنتاجي، ودمج سلاسل التوريد. بالإضافة إلى ذلك، يجب موازنة التحول التكنولوجي ببرامج "إعادة التأهيل" (Reskilling) و"تطوير المهارات" (Upskilling) للقوى العاملة، والتعليم المهني المتكيف مع الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، وتعزيز الحماية الاجتماعية من خلال برامج مثل "ضمان فقدان الوظيفة" (JKP).
في النهاية، يجب على الحكومة ضمان إرفاق كل مستهدف للنمو الاقتصادي بمستهدف واضح لخلق فرص العمل، لأن النمو ليس إلا وسيلة لتعزيز الرفاهية من خلال الوظائف اللائقة. إن هذه الظاهرة هي تحذير من تحديات هيكلية خطيرة مفادها أن النمو لا ينتج فرص عمل تلقائياً. إن معيار نجاح التنمية ليس مجرد أرقام إحصائية، بل عدد الأشخاص الذين يشعرون بالفوائد من خلال الوظائف اللائقة والحياة الكريمة، لأنه بذلك فقط يصبح النمو الاقتصادي ذا معنى حقيقي للشعب.
نُشر هذا المقال في عمود الرأي بـ Kata data يوم الخميس الموافق 2 يوليو 2026.
