القروض عبر الإنترنت: بين الوصول إلى التمويل وفخ الديون

القروض عبر الإنترنت: بين الوصول إلى التمويل وفخ الديون

محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
الأمين العام للجنة المركزية لجمعية أساتذة إندونيسيا
عضو اللجنة المركزية للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي
عضو الجمعية الإندونيسية للاقتصاد – فرع جاكرتا
موجّه معهد تنمية الاقتصاد الإسلامي التابع لمجلس العلماء الإندونيسي

في خضم التدفق المتسارع لرقمنة العصر، يشهد القطاع المالي تحولًا سريعًا للغاية. ومن أبرز هذه الابتكارات ظهور القروض عبر الإنترنت، أو ما يُعرف شعبيًا بـ"البينجول". ففي غضون دقائق، يمكن لأي شخص الآن الحصول على تمويل دون الحاجة إلى زيارة البنك، ودون ضمانات، بل وحتى دون لقاء مباشر. هذه السهولة جعلت القروض الرقمية حلًا فوريًا لملايين الأشخاص الذين كانوا خارج نطاق الخدمات المالية الرسمية.

غير أنّ وراء هذه السهولة مفارقة متزايدة الوضوح، إذ لا تقتصر القروض الرقمية على توسيع الوصول المالي، بل قد تُوقع المجتمع في دائرة من الديون يصعب الخروج منها. هذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة فردية، بل تعكس إشكالات بنيوية في النظام الاقتصادي ومستوى الثقافة المالية لدى المجتمع. ويسعى هذا المقال إلى تحليل موقع القروض الرقمية بين قطبين: كأداة للشمول المالي من جهة، وكبذرة محتملة لأزمة اجتماعية اقتصادية من جهة أخرى.

لا يمكن إنكار أن القروض الرقمية قد وسّعت نطاق الوصول إلى التمويل بشكل ملحوظ. ففي السياق الإندونيسي، حيث لا تزال تحديات الشمول المالي قائمة، جاءت خدمات الإقراض عبر التكنولوجيا المالية كحل لقيود النظام المصرفي التقليدي. وتشير البيانات الحديثة إلى أنه حتى الربع الأول من عام 2025، بلغ عدد حسابات المستفيدين من القروض الرقمية نحو 15.4 مليون حساب، بزيادة تقارب 58.7% مقارنة بالعام السابق، بينما يُقدَّر إجمالي المستخدمين بأكثر من 146 مليون حساب.

ومن حيث القيمة، يستمر إجمالي القروض القائمة في الارتفاع. ففي ديسمبر 2025، بلغ حجم القروض المتداولة نحو 96.62 تريليون روبية، بنمو سنوي يقارب 25%. ويؤكد ذلك أن القروض الرقمية أصبحت جزءًا مهمًا من المنظومة المالية الوطنية.

ويرجع هذا النمو إلى عدة عوامل رئيسية: أولًا، ضعف انتشار الائتمان الرسمي، حيث يفتقر كثير من الأفراد، خصوصًا أصحاب المشاريع الصغيرة والعاملين في القطاع غير الرسمي، إلى إمكانية الوصول إلى البنوك بسبب غياب الضمانات أو السجل الائتماني. ثانيًا، ارتفاع الحاجة إلى السيولة قصيرة الأجل في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي. ثالثًا، سهولة التكنولوجيا، إذ يكفي امتلاك هاتف ذكي وبطاقة هوية لتقديم طلب القرض.

في هذا الإطار، تلعب القروض الرقمية دورًا استراتيجيًا كأداة للشمول المالي، حيث تجسر الفجوة بين غير المتعاملين مع البنوك والنظام المالي الرسمي. ومع ذلك، فإن هذا المسار ليس خطيًا بالكامل، إذ تظهر مخاطر ملحوظة، خاصة فيما يتعلق بجودة الائتمان وسلوك الاستهلاك. فقد ارتفعت نسبة التعثر إلى 4.32% في ديسمبر 2025 مقارنة بـ2.6% في العام السابق، وهو مؤشر على أن التوسع في الإقراض لا يواكبه دائمًا تحسن في القدرة على السداد. كما أن فئتي جيل الألفية وجيل Z تمثلان النسبة الأكبر من المقترضين والمتعثرين.

هذا الواقع يشير إلى أن القروض الرقمية لا تُستخدم دائمًا لأغراض إنتاجية، بل كثيرًا ما تُوجَّه للاستهلاك، بل وحتى للاستهلاك غير المنتج، كتمويل أنماط حياة معينة. وهنا تظهر المفارقة: بدلًا من تعزيز الشمول المالي، قد تؤدي القروض الرقمية إلى خلق شكل جديد من الإقصاء المالي عبر فخ الديون.

لفهم هذا الفخ، ينبغي النظر إلى آلياته: أولًا، سهولة الوصول دون معايير صارمة، ما يزيد من مخاطر الإفراط في الاستدانة. ثانيًا، ارتفاع نسب الفوائد والتكاليف مقارنة بالقروض المصرفية. ثالثًا، ظاهرة "الاقتراض لسداد الاقتراض"، التي تُنتج دوامة متصاعدة من الديون. رابعًا، ممارسات التحصيل القاسية، خاصة في القروض غير القانونية، والتي تضيف ضغوطًا نفسية على المقترضين.

في حالات عديدة، لا تقتصر آثار هذه الديون على الجانب المالي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي. كما ترتبط هذه الظاهرة بعلم الاقتصاد السلوكي، حيث تتأثر القرارات المالية بانحيازات نفسية مثل تفضيل الحاضر (present bias) والثقة المفرطة (overconfidence). وتستغل منصات الإقراض هذه الانحيازات من خلال تصميم تطبيقات سهلة وسريعة وقليلة التعقيد.

ومن المهم التأكيد أن المشكلة ليست فردية فقط، بل تتداخل معها عوامل بنيوية مثل عدم المساواة في الدخل، وتقلبات الاقتصاد، وضعف الثقافة المالية. ولذلك، فإن القروض الرقمية تنمو فوق بيئة من الهشاشة الاقتصادية.

وقد اتخذت الحكومة، عبر هيئة الخدمات المالية، عدة خطوات تنظيمية، حيث بلغ عدد الشركات المرخصة نحو 96–97 شركة حتى عام 2025. وتشمل هذه اللوائح تحديد الفوائد، وضمان الشفافية، ومراقبة أساليب التحصيل، إضافة إلى مكافحة القروض غير القانونية.

ومع ذلك، لا تزال التحديات كبيرة، إذ يتعين تحقيق توازن بين حماية المستهلك ودعم الابتكار. كما أن نسبة القروض الموجهة للأنشطة الإنتاجية لا تتجاوز 22%، ما يستدعي تعزيز استخدامها في دعم المشاريع الصغيرة بدل الاستهلاك.

أما القروض غير القانونية، فتمثل تهديدًا خطيرًا بسبب الفوائد المبالغ فيها، وسوء استخدام البيانات، وأساليب التحصيل التعسفية، ما يضر بالأفراد ويقوض الثقة في القطاع ككل.

لمواجهة هذه التحديات، يلزم اتباع نهج شامل يشمل: تعزيز الثقافة المالية، تطوير الرقابة باستخدام التكنولوجيا، دمج القروض الرقمية مع النظام المالي الرسمي، تقديم حوافز للقروض الإنتاجية، وتشديد الإجراءات ضد القروض غير القانونية.

في النهاية، تمثل القروض الرقمية انعكاسًا لعصر رقمي مليء بالفرص والمخاطر. فهي تفتح آفاقًا واسعة للوصول المالي، لكنها تحمل أيضًا خطر الوقوع في فخ الديون. لذلك، لا ينبغي رفض التكنولوجيا، بل إدارتها بحكمة. فالقروض الرقمية يجب أن تُستخدم كوسيلة لا كغاية. وإذا أُديرت بشكل سليم، يمكن أن تصبح محركًا للشمول المالي والتنمية الاقتصادية. أما إذا تُركت دون رقابة، فقد تتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل القروض الرقمية لا يتحدد بالتكنولوجيا أو السياسات فقط، بل بمدى وعي المجتمع ونضجه المالي، وهنا يتحدد مسار الصراع بين توسيع الوصول المالي وخطر الوقوع في فخ الديون.

نُشرت هذه المقالة في عمود الرأي بصحيفة كومباس يوم الاثنين (14 أبريل/نيسان 2026).

الوسوم: أستاذ في جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية