الجيل الفاقد للشمولية

الجيل الفاقد للشمولية

بقلم: تانتان هيرمانسياه

(أستاذ علم الاجتماع الحضري بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

تُظهر إحدى النتائج المثيرة للاهتمام في دراسة أجرتها مؤسسة "ديلويت العالمية" (Deloitte Global) عام 2025 أن جيل ما بعد الألفية (Gen Z) لم يعد يعتمد على وجهة نظر واحدة كانت تُعد ثابتاً من ثوابت عالم العمل، ألا وهي: الولاء للمؤسسة.

ولد هذا الجيل ونشأ في العصر الرقمي، ويعيش في منظومة بيئية اجتماعية واقتصادية وثقافية تختلف تماماً عما عاشته الأجيال السابقة. إن التغيرات التي يواجهونها تتسارع بوتيرة فائقة، حتى إن العديد من العلماء يصفون هذا الواقع بأنه عالم يتسم بالتقلب، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض (عالم الفوكا - VUCA). هذا الواقع شكّل بطبيعة الحال منظوراً مختلفاً لدى هذا الجيل في كيفية رؤيتهم للعمل، والمسار المهني، والمستقبل.

وعند دخولهم سوق العمل، لا ينظر أبناء هذا الجيل إلى الوظيفة كغاية نهائية، بل يرونها استثماراً قصير الأجل يثمر مهارات، وخبرات، وشبكة علاقات، وفرصاً جديدة. لذا، فهم يضعون العمل في خانة مساحة التعلم وتطوير الذات؛ وطالما أن المؤسسة قادرة على توفير فرص التعلم، ومساحة للنمو، وخبرات ذات معنى، فإنهم على استعداد للبقاء فيها لفترة أطول.

بالنسبة للأجيال التي لم تعش في المنظومة البيئية لجيل (Gen Z)، غالباً ما يُفسر هذا السلوك على أنه علامة على عدم الانتماء أو انعدام الولاء. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية إيجابية، فإن هذه الظاهرة تعكس في الواقع شكلاً من أشكال الواقعية الجديدة. إنهم يطالبون بوضوح وأمانة وشفافية أكثر راديكالية، ويرغبون في تحقيق توازن بين العطاء الذي يقدمونه والمزايا التي يحصلون عليها، كما يأملون أن توفر المؤسسات مساحة لتطوير ذواتهم بشكل مستدام.

وتشير الاستطلاعات المختلفة إلى أن هذا الجيل يفضل الاستقرار، والعدالة، وفرص تطوير الذات على مجرد الرواتب العالية. بل إن بعضهم مستعد لقَبول أجور أقل شريطة وجود عملية تعليمية ترفع من قدراتهم الشخصية والمهنية، وهذا العامل هو ما يجعلهم غالباً يستمرون لفترة أطول في مكان العمل.

وبعبارة أخرى، لم يعد الولاء واجباً مطلقاً، بل تحول إلى التزام مشروط. وتُبنى العلاقة بين الموظف والمؤسسة على أساس المنفعة المتبادلة (التبادلية الحيوية) بين الواجب والالتزام. وعندما تقدم المؤسسة سياسات شفافة وتخلق منظومة تسمح للموظف بالنمو، فإن فرص بقاء هذا الجيل تصبح أكبر بكثير.

يطالب جيل (Gen Z) بالعدالة لأن لديهم القدرة على رصد التناقضات داخل المؤسسة. على سبيل المثال، تعلن العديد من الشركات أن جميع الموظفين هم جزء من "العائلة الكبيرة" للشركة، لكنها في الممارسة العملية قد تقوم بفصل الموظفين تعسفياً ومن طرف واحد، أو تتخذ قرارات دون إشراك الجبهة الداخلية، أو تتبنى سياسات استراتيجية تتعارض مع السردية الأسرية التي روجت لها. وبالنسبة لهذا الجيل، فإن مثل هذا التناقض يمثل مشكلة خطيرة.

بالتأكيد، هذا الواقع سياقي للغاية؛ فممارسات علاقات العمل في الدول الغربية والدول الشرقية لها خصائص مختلفة. اليابان، على سبيل المثال، عُرفت لسنوات طويلة كنموذج صارخ لولاء الموظفين لشركاتهم. ومع ذلك، فإن الجيل الذي تأثرت حياته بمواقع التواصل الاجتماعي، وتدفق المعلومات العالمي، وتغيرات الاقتصاد الرقمي، لم يعد يتبع هذا النمط القديم بالكامل.

وقد سجل استطلاع "ديلويت" أن حوالي 61 في المئة من أبناء هذا الجيل مستعدون للبقاء في مكان العمل الذي يهتم بالصحة النفسية ويفر مساراً للتعلم المستمر. وتوضح هذه النتيجة أنهم يخلصون فقط للمؤسسات التي تملك أهدافاً واضحة، ومرونة كافية، ومساراً قوياً لتطوير الذات.

وتتعارض هذه الرؤية بطبيعة الحال مع قيم الأجيال السابقة؛ إذ يظهر استطلاع آخر أن حوالي 75 في المئة من جيل "الطفرة السكانية" (Baby Boomers) يعتبرون الولاء للمؤسسة أحد القيم الأساسية في العمل. هذا التحول الثقافي غيّر بالتالي مفهوم النجاح المهني؛ فبينما كان الجيل السابق يرى المسار المهني كرحلة خطية تتسم بالترقي التدريجي في المناصب، يرى جيل (Gen Z) المسار المهني كرحلة متعرجة (Zig-zag) غنية بالخبرات والتعلم الهادف.

الولاء عند جيل (Gen Z) ذو طبيعة تعاقدية وعاطفية في آن واحد؛ فهم يبدون الولاء عندما تظهر الشركة التزاماً مماثلاً تجاه رفاهيتهم، وتطوير قدراتهم، وأهدافها الاجتماعية الأوسع. لذا، فإن هذا التحول في المنظور يجبر الشركات على إعادة ترتيب منظومة العمل ونظام العقود لديها.

لقد تغير معنى الولاء جوهرياً، ومن ثم يتعين على أصحاب العمل مواءمة فهمهم مع هذه الرؤية الجديدة. تحتاج الشركات إلى التركيز على التوجيه (Mentoring)، والتعلم المستمر، ومرونة العمل، ودعم احتياجات الموظفين طوال فترة وجودهم في المؤسسة. بل إن بعضهم يطالب بنموذج العمل الهجين (Hybrid) أو العمل عن بعد (Remote)؛ وبدلاً من رفض هذه المطالب، ينبغي على الشركات استيعابها بحكمة. إن القيادة المستجيبة والشاملة تملك القدرة على جني فوائد عظيمة من الإبداع والابتكار والابتكارات غير المسبوقة التي ينتجها هذا الجيل.

وإذا تم تجاهل هذا التغيير، فإن الخطر لن يهدد مكانة موظفي هذا الجيل فحسب، بل سيهدد استدامة الشركات نفسها؛ إذ إن الارتفاع الكبير في معدل دوران الموظفين يمكن أن يهدد استقرار المنظمة، ويضر بسمعتها، ويصعّب على الإدارة عملية التطوير بعيد المدى.

ومن هنا نرى أن التغير السلوكي لجيل (Gen Z) هو في الحالة الواقعية انعكاس لتغير العقد الاجتماعي بين الموظف والمؤسسة. وتظهر هذه الظاهرة أيضاً أن الولاء أصبح مشروطاً ووظيفياً. وعندما يطالب هذا الجيل بشيء من المؤسسة، فإن مطالبهم ليست شكلاً من أشكال الكسل أو عدم الانتماء، بل هي مطالب نابعة من منظور شكّله الواقع الاجتماعي الذي يواجهونه.

بناءً على ذلك، تحتاج الشركات إلى إعادة هيكلة استراتيجيات إدارة الموارد البشرية. كما يحتاج القادة إلى تغيير أسلوب قيادتهم، من صورة "المدير السلطوي" إلى "الموجه والمستشار" الذي يرافق عملية نمو الموظف. وفي هذا السياق، يبني جيل (Gen Z) هوية مهنية أكثر مرونة، وتكيفاً، وديناميكية في مجتمع ما بعد الجائحة والعالم الرقمي الذي بات جزءاً لا يتجزأ من حياتهم.

وتشكل هذه الظاهرة في الوقت نفسه نقداً بناءً لمختلف أنماط وثقافات العمل القديمة التي كانت تُعتبر معايير غير قابلة للتغيير، والتي تبين أن الكثير منها لم يعد يواكب متطلبات العصر.

إن مخاوف مجالس الإدارات وقادة المؤسسات من انهيار ولاء الجيل الجديد هي مخاوف لا داعي لها؛ فهذا الجيل لا يقتل الولاء، بل يعيد تعريفه وفقاً للسياق الراهن. إنهم يحطمون وثن "التفاني الأعمى" الذي طالما سجن الإنسان في قفص ذهبي من المعاملات المادية. والولاء الجديد الذي يقدمونه هو نموذج للتواصل الجدلي، حيث تلتقي الإرادة المشتركة لإنجاح رؤية تتجاوز أرقام الأرباح لتتحرك نحو تكريم الإنسان وبناء الحضارة. وإذا فشلت المؤسسات في تلبية هذه الدعوة، فإن ما سينهار ليس مستقبل الجيل الشاب، بل أهمية وجدارة هذه المؤسسات نفسها أمام التاريخ.

نُشر هذا المقال في صحيفة "كومباس" (Kompas) يوم الإثنين، 1 يونيو 2026م.