وطنٌ مكتمل، وفضيلةٌ هشة
الأستاذ الدكتور أحمد طلابي خارلي
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
على مدى العقود الثلاثة المنصرفة، بذلت إندونيسيا جهوداً حثيثة في تشييد أركان الدولة؛ فُقُوِّمَ الدستور، وأُنشئت المؤسسات الحديثة، وعُزِّزَت أطر الرقابة المتبادلة وتوازن السلطات (checks and balances)، وزَخَرَت المنظومة التشريعية باللوائح التفصيلية، وتحولت الخدمات العامة نحو التحول الرقمي، كما اتسعت آفاق الممارسة الديمقراطية. ورغم أن صرح الدولة قد اكتمل بنيانه شيئاً فشيئاً، إلا أن التحدي القائم اليوم بات يتخذ مساراً مغايراً تماماً.
فإن هذا الصرح العتيد كثيراً ما تُحرّكه أيدٍ لم تكتمل لديها بعدُ قيم النزاهة والضمير بمستوى النزاهة التي بُنيت عليها المؤسسات التي يديرونها. إذ لا تزال التجاوزات تتردد في أروقة المنظومة التي نسعى جاهدين لإصلاحها؛ فلا يزال الفساد، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والتلاعب بالمناقصات والمشتريات الحكومية، فضلاً عن الخروقات الأخلاقية في الوظيفة العامة، تشكل أنباءً متكررة. إن هذه الظاهرة لتؤكد جلياً أن مضمار الإصلاح المؤسسي لم يكن دائماً مصحوباً بترسيخ البناء الأخلاقي والقيمي للقائمين على شؤون الدولة.
وتتجسد هذه الصورة بوضوح في "مؤشر مدركات الفساد" (CPI) لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية؛ حيث حازت إندونيسيا على 34 نقطة لتستقر في المرتبة 109 من أصل 180 دولة، مسجلة تراجعاً عن العام السابق. ورغم أن هذا المؤشر يقيس الانطباع العام حول نزاهة القطاع العام وليس العدد الفعلي لقضايا الفساد، إلا أنه يظل مرجعاً دولياً ذا وزن للوقوف على جودة الحوكمة ومدى ثقة الشارع في المؤسسات الرسمية.
غير أن هذه البيانات تحمل بين طياتها مغزى أعمق بكثير من مجرد صعود في الترتيب أو هبوط؛ لقد استثمرت إندونيسيا الشيء الكثير في بناء المؤسسات، وبات العبء الأكبر المنوط بنا اليوم هو الاستثمار في "الإنسان" الذي ينفخ الروح في هذه المؤسسات. لقد منحت حركة الإصلاح البلاد هيكلاً دستورياً متماسكاً، وإن التحدي التاريخي في المرحلة المقابلة يتلخص في تشييد "صرح الشمائل والأخلاق".
بناء الإنسان أولاً
يفرق حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، دوغلاس نورث (1990)، بين نمطين من المؤسسات: المؤسسات الرسمية (Formal Institutions) والمؤسسات غير الرسمية (Informal Institutions). تتمثل الأولى في الدساتير والقوانين والأنظمة والأجهزة التنفيذية والتشريعية، بينما تتمثل الثانية في القيم، والنظم الأخلاقية، والتقاليد، والعادات، والروح السائدة في أوساط المجتمع.
وهذان النمطان لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالقوانين تُكسب الاستقرار، والقيم تُحيي الضمير والوعي؛ التشريعات تنظم الظاهر من السلوك، بينما تصوغ الثقافة العقلية التي تنتج ذلك السلوك. وحينما يسبق البناء المؤسسي التشريعي بناء ثقافة النزاهة والضمير، تجد الانحرافات والمفاسد منافذ للنمو؛ فتُستغل الثغرات القانونية، وتُبرر الخلافات في المصالح مسوغات إدارية، وتحتجب الانتهاكات خلف ستائر الاعتياد.
ومن ثم، فإن عظمة الدول لا تُقاس بكثرة قوانينها ولا بفخامة هياكلها، بل بالمدى الذي تستطيع فيه هذه المؤسسات غرس الثقة في نفوس المواطنين. وتلك الثقة إنما تنشأ حين يعاين الناس التوافق التام بين النصوص المسطورة والسلوك الملموس لرجال الدولة.
إن هذا الطرح ليجد صداه الأعمق في فكر المصلح الكبير محمد ناصر (Mohammad Natsir)؛ ففي خطبه ومؤلفاته (1954/1973)، كان ناصر ينظر إلى الدولة بوصفها "وسيلة" لجلب المصالح ودرء المفاسد، وليست غاية في حد ذاتها، بل هي أداة سُخرت لإقامة العدل، وتحقيق الحياة الكريمة، وصيانة كرامة الإنسان.
إن هذا المنظور يجعل من الأخلاق والفضيلة الروح النامية لسائر أعمال الدولة؛ فالسيطرة والسلطة لا تكتسبان مشروعيتهما إلا متى أُدّيتا بأمانة، والمناصب العامة ليست مجرد رتب إدارية بل هي مسؤولية أخلاقية يسأل عنها المرء أمام الرعية ورَبِّ البرية.
وهنا تجد أفكار محمد ناصر موضعها الأثير في واقع إندونيسيا اليوم. لقد أثرت حركة الإصلاح التصميم المؤسسي للدولة، غير أن الاهتمام نفسه يجب أن يُصرف نحو تكوين "الإنسان" الذي يشغل هذه المؤسسات. فالنزاهة لا تُولد مع ارتقاء المنصب، بل هي غراسٌ ينمو مبكراً في أصل الأسرة، وفي محاضن التعليم، وفي البيئة الاجتماعية، وفي العبر والقدوات التي يلتقيها المرء في مسيرة حياته.
وهذا اليقين هو ما يفرق بين الطاعة الناشئة عن الخوف من الرقابة، والطاعة الناشئة عن إيمان واستيقان؛ فالرقابة لها حدود ينتهي عندها سلطانها، أما الضمير الحي فيعمل في السر والعلن متجاوزاً كل الحدود.
الفضيلة والمكرمة العامة
لقد ارتبط مفهوم التنمية الوطنية لزمن طويل بالنمو الاقتصادي، وتشييد البنى التحتية، وتصنيع الموارد، والتحول الرقمي، وإصلاح جهاز البيروقراطية، ورفع القدرة التنافسية. ولا ريب أن لهذه الجوانب أهميتها الاستراتيجية لمستقبل البلاد.
إلا أن ثمة دعامة أساسية يتوقف عليها نجاح هذه المساعي برمتها؛ ألا وهي "الفضيلة العامة". إنها بمثابة البنية التحتية الباطنة التي تقوم عليها سائر أركان الدولة؛ فالفضيلة تتبدى في الأسرة التي تغرس الصدق، وفي المدارس التي تبني الشمائل، وفي الجامعات التي تصون النزاهة الأكاديمية، وفي مؤسسات المجتمع المدني التي ترعى التكافل، وفي وسائل الإعلام التي تحافظ على أمانة الكلمة، وفي دور العبادة التي تنمي حسن الخلق، وفي عالم الأعمال الذي يلتزم بأخلاقيات التجارة، وفي الجهاز الإداري الذي يرى في الخدمة طاعة وأمانة.
وتؤكد دراسات البنك الدولي (2017) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2024) أن جودة الحوكمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى ثقة الشعوب في مؤسسات الدولة؛ إذ تشكل هذه الثقة رأسمالاً اجتماعياً يلقي بظلاله على الاستثمار، والنمو الاقتصادي، ونجاح السياسات العامة، والتلاحم المجتمعي. وبناءً عليه، فإن بناء الشخصية وتزكيتها ليس مجرد مطلب أخلاقي فحسب، بل هو استثمار استراتيجي لاستدامة النهضة الوطنية.
وفي هذا الفضاء، تبوّأت وزارة الشؤون الدينية مكانة مرموقة؛ فمن خلال المعاهد والمدارس الدينية، والدعاة والمرشدين، ورعاية دور العبادة، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، تملك الوزارة ساحة واسعة لترسيخ قيم الأمانة، والمسؤولية، والانضباط، وإيثار المصلحة العامة.
إن القيم الدينية إنما تتجلى معانيها الاجتماعية السامية حين تغدو سلوكاً واقعياً، لا أن تقف عند حدود الشعارات والخطب المتأنقة. وتتضاعف قيمة هذا الدور ومتانته متى ما اقترن بالقدوة الحسنة في إدارة المؤسسات نفسها؛ فالموعظة الأخلاقية لا تؤتي أُكُلها إلا بالأسوة والعمل. فالناس أسرع إلى تصديق المؤسسة التي تتطابق أفعالها مع المبادئ التي تدعو إليها.
إن صناعة الأخلاق وبناء الشخصية الوطنية في نهاية المطاف هي مسؤولية تتضافر فيها الجهود؛ فالدولة بحاجة إلى سياسات ترعى النزاهة، والتعليم بحاجة إلى مساحات تغرس الفضيلة، ومؤسسات المجتمع تقدم القدوة، والأسرة تبني الصدق في الصغر. وتلك حلقة متكاملة يشد بعضها بعضاً لتصنيع مجد الأمة.
إن إندونيسيا في حقيقة الأمر لا تبدأ خطواتها من نقطة الصفر؛ إذ تملك أصولاً ومؤسسات تزداد اكتمالاً يوماً بعد يوم. فالدستور قد رسم المعالم، ومؤسسات الدولة في نماء متصل، وآليات الرقابة تتطور نحو الأفضل، والأنظمة تُصاغ وتُجدد باستمرار.
غير أن المهمة الجسيمة التي تنتصب أمامنا اليوم، هي أن نضمن أن هذا الصرح الشامخ إنما تُحركه أفئدة وأيدٍ ترى في النزاهة شرفاً، وفي الأمانة تكليفاً سامياً، وفي خدمة الناس عبادة وقربة.
نُشر هذا المقال في صحيفة Kompas يوم الخميس، 23 يوليو 2026.