"وضع البقاء للطبقة المتوسطة الإندونيسية"
(أستاذ كرسي/بروفيسور في UIN Syarif Hidayatullah، والأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين، وعضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي لـ IAEI، وعضو الهيئة الإدارية لجمعية الاقتصاد الإندونيسي فرع جاكرتا)
ظاهرة "وضع البقاء" الاقتصادي
في العديد من المدن في إندونيسيا اليوم، هناك مشهد يزداد شيوعاً حيث تظل مراكز التسوق مزدحمة، والمقاهي ممتلئة، والشوارع غاصة بالسيارات، لكن الأحاديث بين الناس يملؤها القلق الاقتصادي. يستمر الناس في العمل، وفي الاستهلاك، ويبدون ظاهرياً "على ما يرام"، لكنهم سراً يقلصون نفقاتهم، ويؤجلون شراء المنازل، ويقللون من الإجازات، بل ويبدأون في سحب مدخراتهم من أجل البقاء على قيد الحياة. هذه هي الحالة المتناقضة للطبقة المتوسطة الإندونيسية في الوقت الحالي. بلمحة بصرية، يبدو الاقتصاد متحركاً، ولكن على مستوى الأسر، يعيش الكثيرون حالة الدخول في "وضع البقاء".
لطالما كانت الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فهم يدفعون الضرائب، ويحافظون على الاستهلاك المحلي، ويشترون العقارات، والمركبات، والتعليم، والتأمين، فضلاً عن دعم نمو قطاع الخدمات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة (UMKM). ومع ذلك، واجهت هذه المجموعة في السنوات الأخيرة ضغوطاً متزايدة التعقيد، بدءاً من ارتفاع تكاليف المعيشة، مراراً بعدم استقرار الوظائف، وتعاظم أقساط الديون، وصولاً إلى الدخل الحقيقي الذي لا ينمو بشكل ملحوظ. وفي خضم هذا الوضع، بدأت العديد من أسر الطبقة المتوسطة في تغيير أسلوب حياتها؛ فلم يعودوا يفكرون في التوسع الاقتصادي للأسرة، بل في كيفية الصمود لتفادي الهبوط إلى طبقة أدنى. هذه الظاهرة ليست مجرد مسألة نفسية، بل هي واقع اجتماعي واقتصادي بدأت ملامحه تظهر جلياً في البيانات المختلفة.
إنذار الأرقام والإحصاءات الرسمية
تظهر بيانات هيئة الإحصاء المركزية (BPS) أن أعداد الطبقة المتوسطة في إندونيسيا مستمرة في التراجع خلال السنوات القليلة الماضية. ففي عام 2019، بلغ عدد أفراد الطبقة المتوسطة حوالي 57,33 مليون نسمة، لكنه انخفض إلى نحو 47,85 مليون نسمة في عام 2024. بل وفي عام 2025 عاد العدد لينخفض مجدداً إلى حوالي 46,7 مليون نسمة. هذا الوضع يعني أن ملايين الأشخاص الذين كانوا في أمان اقتصادي نسبي في السابق قد انضموا الآن إلى الفئات الهشة؛ فهم لا يزالون يعملون ويتقاضون أجوراً، لكن الهامش المالي الآمن المتاح لهم يضيق يوماً بعد يوم. ويمثل هذا الوضع جرس إنذار خطير لمستقبل الاقتصاد الإندونيسي، لأنه عندما تضعف الطبقة المتوسطة، فإن الاستهلاك المحلي –الذي طالما كان الداعم الرئيسي لنمو الاقتصاد الوطني– سيتضرر بدوره.
على الورق، لا يزال الاقتصاد الإندونيسي ينمو بشكل جيد؛ حيث سجلت الحكومة نمواً اقتصادياً في الربع الأول من عام 2026 بلغ 5,61 في المائة. ومع ذلك، فإن هذا النمو لا يعكس بالكامل الواقع الذي يعيشه المجتمع. فالغالبية العظمى من الطبقة المتوسطة تشعر أن الحياة تزداد غلاءً وعدم استقرار. والسؤال الهام هنا هو: لماذا دخلت الطبقة المتوسطة الإندونيسية في وضع البقاء؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست أحادية.
أسباب التراجع والضغط الهيكلي
أولاً، تآكل القوة الشرائية المستمر: تشعر العديد من أسر الطبقة المتوسطة أن زيادة الدخل لم تعد قادرة على ملاحقة ارتفاع تكاليف المعيشة. فأسعار الغذاء ترتفع، وتكاليف التعليم تقفز، وأسعار الرعاية الصحية تزداد غلاءً، في حين تستمر تكاليف النقل والسكن في الصعود. والمشكلة تكمن في أن زيادة أجور المجتمع لا تتحرك بنفس سرعة تضخم هذه الاحتياجات الأساسية. بل إن عدداً من المحللين يرى أن ركود الأجور الحقيقية مستمر منذ فترة طويلة. ونتيجة لذلك، على الرغم من زيادة الرواتب اسمياً، فإن القوة الشرائية الفعلية للمجتمع قد ضعفت. هذا الوضع أجبر الطبقة المتوسطة على تعديل أسلوب حياتها سراً؛ فبدأت العديد من الأسر في تقليل تناول الطعام في الخارج، وتأجيل شراء سيارات جديدة، وتقليص رحلات السفر، وصولاً إلى الانتقائية الشديدة في اختيار مدارس الأبناء. إن ظاهرة "تراجع جودة الاستهلاك" بدأت تظهر بوضوح؛ فالمستهلك يستمر في الشراء ولكنه يختار منتجات أرخص، ويستمر في السفر ولكن لوجهات أقرب، ويستمر في ارتياد المقاهي ولكن بوتيرة أقل. ونفسياً، تعيش الطبقة المتوسطة في إندونيسيا ضغطاً يتعلق بالمكانة الاجتماعية؛ فهم يرغبون في الحفاظ على مظهر الاستقرار في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
ثانياً، ارتفاع وتيرة عدم اليقين الوظيفي: أثارت موجات إنهاء الخدمة وتسريح العمال (PHK) التي حدثت في العامين الماضيين خوفاً جماعياً بين العاملين في الحضر. وتظهر البيانات أن عدد العمال الذين تعرضوا للتسريح طوال عام 2025 تجاوز 88.000 شخص، ومن المتوقع أن يستمر ذلك في عام 2026. بالنسبة للطبقة المتوسطة، فإن الخطر الأكبر ليس مجرد فقدان الوظيفة، بل فقدان الاستقرار. وبدأ العديد من موظفي القطاع الرسمي يشعرون بأن مراكزهم لم تعد آمنة؛ فالتحول الرقمي، والأتمتة، وإجراءات الكفاءة في الشركات، وتباطؤ الاقتصاد العالمي جعلت الشركات أكثر حذراً في التوسع في العمالة. وفي الوقت نفسه، فإن الفرص الوظيفية الجديدة المتاحة غالباً ما تكون غير رسمية، أو بعقود قصيرة الأجل، أو قائمة على اقتصاد العمل الحر (gig economy). ونتيجة لذلك، ظهرت ظاهرة جديدة بين الطبقة المتوسطة الإندونيسية، وهي العمل بجهد أكبر للحفاظ على نفس المركز المالي؛ فيضطرون لأخذ وظائف إضافية، أو العمل المستقل (freelance)، أو فتح مشروعات جانبية، أو العمل كصناع محتوى (content creator) للحفاظ على التوازن المالي للأسرة. بل إن البعض بدأ في استخدام المدخرات لا للاستثمار المستقبلي، بل لتغطية المصاريف الشهرية، وهي علامة على أن الطبقة المتوسطة تفقد وسادتها الحمائية الاقتصادي.
ثالثاً، عدم القدرة على تحمل تكاليف السكن: بالنسبة للجيل الشاب من الطبقة المتوسطة، أصبح امتلاك منزل أمراً يزداد صعوبة؛ فأسعار العقارات تستمر في الارتفاع، بينما يظل نمو الدخل راكداً نسبياً. كما أن أسعار الفائدة على القروض العقارية تجعل الأقساط الشهرية أكثر ثقلاً. ونتيجة لذلك، يفضل الكثير من الشباب تأجيل شراء المنازل والبقاء في السكن المستأجر. والبعض الآخر يشتري منازل ولكن في مواقع بعيدة جداً عن مراكز المدن، مما يضيف أعباء جديدة في تكاليف النقل ووقت التنقل. أزمة السكن هذه ليست مجرد مسألة عقارية، بل هي مسألة حراك اجتماعي؛ فالمنزل طالما كان رمزاً لاستقرار الطبقة المتوسطة، وعندما يصعب الوصول إليه، يضعف معه الشعور بالأمان الاقتصادي.
رابعاً، ضغوط نمط الحياة الرقمي: تعيش الطبقة المتوسطة الإندونيسية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت معايير جديدة للحياة. والضغط للظهور بمظهر الناجح، والمنتج، والمستقر بصرياً جعل الكثيرين يقعون في فخ الاستهلاك الرمزي. إن ظاهرة "اقتصاد التباهي" (flexing economy) تدفع المجتمع للحفاظ على الصورة الاجتماعية على الرغم من هشاشة وضعهم المالي. ونتيجة لذلك، وقع جزء من الطبقة المتوسطة في فخ الديون الاستهلاكية، والقروض الإلكترونية عبر الإنترنت (pinjol)، والاستخدام المفرط لخدمات الدفع اللاحق (paylater). والمفارقة أن التكنولوجيا الرقمية التي كان من المفترض أن تسهم في الكفاءة، قد عجلت في كثير من الحالات بالسلوك الاستهلاكي؛ فالتخفيضات الفورية، والأقساط السريعة، وسهولة المعاملات جعلت المجتمع يتسوق دون تخطيط مسبق، وهو ما يحافظ على الاستهلاك المحلي على المدى القصير، ولكنه يعظم الهشاشة المالية للأسر على المدى الطويل.
خامساً، غياب العدالة في جودة النمو الاقتصادي: إن المشكلة الرئيسية في إندونيسيا ليست مجرد انخفاض النمو الاقتصادي، بل في نمو لم يكتسب بعد جودة كاملة؛ فالنمو لا يزال مركزاً في قطاعات معينة، في حين أن خلق فرص عمل ذات جودة ليس قوياً بما يكفي. ونتيجة لذلك، ينمو الاقتصاد دون أن يرتفع معه شعور الأمان الاقتصادي لدى المجتمع. ويتضح ذلك من ارتفاع عدد العمال غير الرسميين على المستوى الوطني ليصل إلى قرابة 60 في المائة. يعمل الكثير من الناس ولكن دون حماية اجتماعية كافية، ودون يقين بالدخل، ودون ضمانات للاستدامة. وعندما تصبح الطبقة المتوسطة أكثر هشاشة، تظهر ظاهرة "الفقراء العاملين" (working poor)، وهم أشخاص يعملون بدوام كامل ولكنهم يعيشون في قلق اقتصادي مستمر.
أجندة وطنية استراتيجية للإنقاذ
تمتلك الطبقة المتوسطة دوراً بالغ الأهمية في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والديمقراطي؛ فهي في العديد من الدول الأساس المتين للنمو طويل الأجل لأنها تخلق الاستهلاك، والاستثمار في التعليم، وريادة الأعمال. وإذا ضعفت، فإن الأثر لن يقتصر على الاقتصاد، بل سيمتد اجتماعياً وسياسياً. فالمجتمعات التي تفقد الأمل في الحراك الاجتماعي تميل إلى العيش في حالة إحباط جماعي، ويصبح التفاوت الاجتماعي أكثر عمقاً، وتضعف الثقة في المؤسسات الاقتصادية، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى عدم استقرار اجتماعي. لذلك، يجب أن يكون إنقاذ الطبقة المتوسطة أجندة استراتيجية وطنية. ورغم أن الحكومة نفذت برامج مساعدة اجتماعية ومحفزات اقتصادية مختلفة، إلا أن تحديات الطبقة المتوسطة تتطلب حلولاً أكثر هيكلية:
- الخطوة الهيكلية الأولى: خلق فرص عمل ذات جودة. لا يكفي إندونيسيا مجرد خلق وظائف بأعداد كبيرة، بل يجب ضمان جودة تلك الوظائف؛ كالأجور العادلة، والحماية الاجتماعية المناسبة، وفرص التطوير المهني. ويجب توجيه التحول الصناعي نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل التصنيع القائم على التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي الإنتاجي، والصناعة الحلال، والطاقة الخضراء، والخدمات الحديثة. فإذا اعتمدت إندونيسيا فقط على الوظائف غير الرسمية ذات الأجور المنخفضة، فستظل الطبقة المتوسطة هشة.
- الخطوة الثانية: تعزيز الحماية الاجتماعية لعمال الحضر. لفترة طويلة، ركزت معظم سياسات الحماية الاجتماعية على مجموعات الفقر المدقع، رغم أن الطبقة المتوسطة هشّة وتفتقر لوسادات حماية اقتصادية، خاصة عند التعرض للتسريح (PHK) أو الأزمات الصحية. يجب توفير برامج تأمين ضد البطالة، وضمان صحي أقوى، وإعادة تأهيل وتدريب للعمالة. يجب أن تتواجد الدولة ليس فقط عندما يفتقر المجتمع، بل عندما يكون معترضاً لخطر الوقوع في الفقر.
- الخطوة الثالثة: تنفيذ إصلاحات في قطاع الإسكان. يجب على الدولة ضمان وصول جيل الشباب من الطبقة المتوسطة إلى مساكن لائقة وبأسعار معقولة. وبدون تدخل جاد، فإن أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن ستوسع الفجوة. ولا تقتصر سياسة الإسكان على بناء مساكن مدعومة، بل تشمل تحسين التخطيط العمراني، والنقل العام، وصياغة أنظمة تمويل طويلة الأجل تكون أكثر مرونة مع جيل الشباب.
- الخطوة الرابعة: رفع جودة التعليم والمهارات. في خضم التغيرات الاقتصادية العالمية، تحتاج الطبقة المتوسطة الإندونيسية إلى قدرة عالية على التكيف. فلا ينبغي للتعليم أن ينتج شهادات فقط، بل يجب أن يخلق مهارات تتوافق مع سوق العمل الجديد. إن الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة ستغير هيكل الوظائف بشكل جذري في السنوات القادمة، وإذا لم يتم إعداد المجتمع، فسيكون الضغط على الطبقة المتوسطة أكبر.
- الخطوة الخامسة: بناء اقتصاد أكثر شمولاً. إن النمو الاقتصادي الذي تستأثر به فئات معينة سيعظم الهشاشة الاجتماعية. لذلك، يجب أن تركز استراتيجيات التنمية على تكافؤ الفرص الاقتصادية؛ من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة (UMKM)، وتوسيع نطاق التمويل، وتحسين الربط بين الأقاليم لضمان عدم تمركز النمو في المدن الكبرى فقط. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون السياسة المالية أكثر حساسية لضغوط تكاليف المعيشة للطبقة المتوسطة، عبر تصميم الضرائب والدعم والمحفزات للحفاظ على القوة الشرائية للفئات المنتجة.
الخلاصة والأمل المستقبلي
في نهاية المطاف، مسألة الطبقة المتوسطة ليست مجرد إحصاءات اقتصادية، بل هي مسألة أمل؛ فلعقود طويلة، نمت الطبقة المتوسطة في إندونيسيا وهي تؤمن بأن العمل الجاد سيقود إلى حياة أفضل، وأن التعليم قادر على تغيير المصير، وأن الوظائف الرسمية تمنح الطمأنينة للمستقبل. ومع ذلك، بدأ هذا الإيمان يهتز اليوم؛ فالكثير من الشباب ذوي التعليم العالي يجدون صعوبة في شراء مسكن، والكثير من موظفي القطاع الرسمي يشعرون بأن قرار تسريح واحد كفيل بهدم استقرار حياتهم لسنوات، وتجد الكثير من الأسر أن المدخرات لم تعد كافية لمواجهة تكاليف المعيشة الآخذة في الارتفاع.
تعمل الطبقة المتوسطة في إندونيسيا اليوم بجهد أكبر من أي وقت مضى، لكن النتائج لا تمنحهم دائماً شعوراً بالأمان. وهنا يكمن التحدي الأكبر للاقتصاد الإندونيسي مستقبلاً، وهو كيفية ضمان ألا يكون النمو الاقتصادي مجرد أرقام تبدو جيدة على الورق، بل واقعاً ملموساً في الحياة اليومية للمجتمع. فالأمة المعافاة ليست فقط الأمة ذات الأرقام المرتفعة في النمو، بل الأمة القادرة على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم يمتلكون مستقبلاً. إن الطبقة المتوسطة الإندونيسية تمر حالياً بوضع البقاء، ولكن إذا تمت إدارتها بسياسات صحيحة، فبإمكانها العودة مجدداً لتكون المحرك للنمو والتفاؤل الوطني.
* نُشر هذا المقال في جريدة Kompas يوم الجمعة، 28 مايو 2026.
