هل تقوى جاكرتا على أن تصبح مدينة عالمية؟
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين
عضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة الخبراء الاقتصاديين الإسلاميين في إندونيسيا (IAEI)
عضو الهيئة الإدارية للجمعية الإندونيسية لعلماء الاقتصاد (ISEI) فرع جاكرتا
موجه ومستشار في معهد تطوير الاقتصاد والأمة التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)
تقف جاكرتا حاليًا عند مفترق طرق تاريخي. ففي 22 يونيو 2026، يكتمل عمر هذه المدينة ليبلغ 499 عامًا، مما يعني أنها باتت على بعد خطوة واحدة فقط من إتمام خمسة قرون من مسيرتها الطويلة منذ تأسيس "جاياكارتا" لأول مرة في عام 1527. ويبدو زخم الاحتفال هذه المرة أكثر تميزًا واختلافًا لأن جاكرتا لم تعد تحمل بالكامل صفة عاصمة الدولة، وذلك في أعقاب البدء الفعلي لعملية نقل مركز الحكومة تدريجيًا إلى العاصمة الجديدة "نوسانتارا" (IKN). وفي خضم هذا التحول الجيوسياسي المحلي، رفعت حكومة إقليم جاكرتا شعارًا يحمل دلالات عميقة للذكرى الـ499 لتأسيسها، وهو: "التحرك نحو عصر جديد لجاكرتا". هذا الشعار ليس مجرد رمز احتفالي سنوي، بل هو انعكاس عميق للتحول الكبير الذي تشهده جاكرتا وستواصل خوضه في إطار مساعيها لتتحول إلى مدينة عالمية حديثة، وشاملة، وذات إرث ثقافي مستدام.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستتمكن جاكرتا حقًا من حمل لقب "مدينة عالمية" بعد أن فقدت صفتها كعاصمة للدولة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال الاستراتيجي ليست بالأمر الهين؛ فأن تصبح المدينة عالمية لا يقتصر فقط على المظاهر العمرانية والمادية مثل امتلاك ناطحات السحاب، ومراكز التسوق الفاخرة، أو توفر شبكات النقل الحديثة. وبالرجوع إلى جوهر الحواضر الدولية، فإن المدينة العالمية هي تلك التي تستطيع العمل كعقدة رئيسية للأنشطة الاقتصادية العالمية، ومركز للابتكار، ووجهة أولى للاستثمارات الدولية، وفي الوقت ذاته توفير مساحة عيش آمنة ومريحة للمجتمع المحلي والمواطنين العالميين على حد سواء. ولم تنل مدن كبرى مثل نيويورك، أو لندن، أو سنغافورة، أو طوكيو الاعتراف كمدن عالمية لمجرد اتساع مساحتها الجغرافية، بل لقدرتها الاستثنائية على ربط المصالح الدولية المختلفة.
وفي هذا السياق، تمتلك جاكرتا في الواقع مقومات تاريخية واقتصادية ليست بالصغيرة، على الرغم من اضطرارها في الوقت نفسه لمواجهة تحديات داخلية شديدة التعقيد. إذ يظهر التاريخ الطويل أن جاكرتا كانت دائمًا المغناطيس الاقتصادي الرئيسي لإندونيسيا. فمنذ العهد الاستعماري وحتى عصر الاستقلال، استمرت هذه المدينة في التطور لتصبح مركزًا للحكم، وشريانًا نابضًا للتجارة، والخدمات المالية، والتعليم، وصولاً إلى كونها قبلة للثقافة الوطنية. لذا، ليس من المستغرب أن تتركز كافة الأنشطة الاقتصادية الاستراتيجية الوطنية تقريبًا في جاكرتا والمنطقة الحضرية المحيطة بها (التكتل الإقليمي). وحتى من منظور عالمي، يُعد موقع جاكرتا أكثر جاذبية نظرًا لكثافتها السكانية الهائلة؛ فوفقًا لبيانات دائرة السجل المدني، يبلغ عدد السكان حاملي بطاقات الهوية لجاكرتا حوالي 11.01 مليون نسمة، في حين تسجل تقارير الأمم المتحدة أن التكتل الحضري لجاكرتا الكبرى الكلية -التي تشمل المدن التابعة المحيطة بها- يضم حركة تنقل ونشاط تصل إلى 41.9 million نسمة، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق الحضرية اكتظاظًا بالسكان في العالم.
إن هذه الكتلة السكانية الضخمة تأتي بالطبع كالسلاح ذي الحدين. فمن ناحية، تستفيد جاكرتا من توفر سوق محلية شاسعة للغاية، وعمالة وفيرة، وإمكانات تدوير اقتصادي استثنائية. ولكن من ناحية أخرى، يشكل هذا العدد الهائل من السكان ضغطًا ثقيلاً ومستمرًا على القدرة الاستيعابية للبنية التحتية، ووسائل النقل، والمجمعات السكنية، والاستدامة البيئية، وصولاً إلى جودة الخدمات العامة. بناءً على ذلك، فإن عامل الحجم السكاني بمفرده لن يكون كافيًا بشكل تلقائي لجعل جاكرتا مدينة عالمية؛ فهنالك العديد من المدن المليونية الأخرى في العالم التي تمتلك أعدادًا غفيرة من السكان، لكنها فشلت في أن تصبح مراكز تأثير عالمية نظرًا لعدم قدرة الحكومات المحلية فيها على إدارة تداعيات التوسع الحضري بشكل فعال ومنظم.
وتحدد الأدبيات العمرانية عدة مؤشرات رئيسية لمدى أهلية أي مدينة لتُصنف كمدينة عالمية، وأبرزها: القوة الاقتصادية، والاتصال الدولي، وجودة الموارد البشرية، والقدرة على الابتكار والتكنولوجيا، وجودة حياة المواطنين، بالإضافة إلى الحوكمة الإدارية الفعالة. وإذا نظرنا إلى هذه المؤشرات، نجد أن جاكرتا قد استوفت بالفعل بعض الشروط الأساسية، لا سيما من الجانب الاقتصادي. وحتى يومنا هذا، لا تزال جاكرتا تقف صامدة كمركز اقتصادي أول لإندونيسيا بإسهام كبير للغاية في الناتج المحلي الإجمالي الوطني؛ حيث تدار من هنا غالبية المقار الرئيسية للشركات الكبرى، سواء على المستوى الوطني أو متعدد الجنسيات، كما تتركز في هذه المدينة أنشطة البورصة، والمراكز المالية، والمؤسسات المصرفية، وشركات التكنولوجيا، واللوجستيات، والصناعات الإبداعية الوطنية.
علاوة على ذلك، تحظى جاكرتا بموقع جغرافي واقتصادي استراتيجي للغاية في منطقة جنوب شرق آسيا. وإذا ما قورنت بمدن أخرى في منظمة الآسيان (ASEAN)، فإن جاكرتا تقدم نطاق سوق أكبر بكثير، وهو ما يمثل نقطة الجذب الرئيسية للمستثمرين الدوليين. ولا تتردد العديد من الشركات العالمية في اتخاذ جاكرتا كبوابة رئيسية (gateway) للوصول إلى السوق الإندونيسية التي يتجاوز إجمالي سكانها 280 مليون نسمة. ومع ذلك، فإن هذه الميزة الاقتصادية الكلية لم تواكبها بالكامل مستويات تنافسية عالمية كافية؛ فعلى سبيل المثال، لا تزال جاكرتا تتخلف بفارق ملحوظ عن سنغافورة في قطاع تطوير الخدمات المالية الدولية، ولم تتمكن بعد من مجاراة هيمنة هونغ كونغ كمركز إقليمي للأعمال، أو مضاهاة سيول كمركز رائد للابتكار التكنولوجي. وبعبارة أخرى، نجحت جاكرتا حتى الآن في لعب دور المركز الاقتصادي الوطني، لكنها لم تنل بعد الاعتراف الكامل كعقدة رئيسية للاقتصاد العالمي.
ويتمثل التحدي الكبير التالي الذي يتعين على جاكرتا مواجهته في تعزيز الاتصال الدولي. فالمدينة العالمية مطالبة دائمًا بامتلاك شبكة اتصالات قوية مدعومة بوجود مطارات دولية متميزة، وموانئ حديثة، ونظام لوجستي كفء، فضلًا عن وسائل نقل عامة تتكامل معًا بشكل وثيق. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت جاكرتا بالفعل تقدمًا عمرانيًا ملموسًا؛ إذ إن دخول وسائل النقل الحديثة مثل قطارات الأنفاق (MRT)، والقطارات المعلقة (LRT)، وتكامل حافلات "ترانس جاكرتا"، وتوسيع مسارات المشاة، فضلاً عن إعادة إحياء وتطوير المساحات العامة، قد غير بشكل واضح من الناحية الجمالية وواجهة المدينة الحضرية، وبات المواطنون يشعرون بتجربة تنقل أكثر حضارية وحداثة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمان.
ورغم ذلك، فإن ملفات العمل المطلوبة من جاكرتا في قطاع التنقل لا تزال متراكمة، حيث تظل الاختناقات المرورية مشكلة مزمنة وخطيرة تؤدي إلى خسارة جزء كبير من الإنتاجية الاقتصادية للمدينة يوميًا نتيجة الوقت المهدور للمواطنين على الطرقات. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام تكامل النقل بين جاكرتا والمناطق المحيطة بها (مثل بوغور، وديبوك، وتانغرانغ، بيكاسي) لا يزال يتطلب تعزيزًا تنظيميًا وتدابير تشغيلية أكثر جدية. علماً بأن مفهوم المدينة العالمية الحقيقية لا يحصر نفسه أبدًا في الحدود الإدارية الضيقة للمنطقة، بل يُقاس بناءً على النطاق الحضري للمتروبوليتان ككل. وفي هذا السياق، سيعتمد مستقبل تنافسية جاكرتا بشكل كبير على القدرة على التنسيق والتعاون المشترك بين المؤسسات لإدارة منطقة "جابوديتابيك" ككتلة اقتصادية واجتماعية موحدة ومتكاملة.
من ناحية أخرى، تُعد جودة الموارد البشرية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية، لأن المدينة العالمية تعمل دائمًا كمغناطيس لأفضل المواهب والخبرات في العالم؛ حيث يلتقي المهنيون، والأكاديميون، والباحثون، والمبتكرون، ورواد الأعمال (entrepreneurs) من مختلف الدول في منظومة حضرية واحدة منتجة. ولذلك، يجب جعل قطاع التعليم، والبحث العلمي، والتطوير التكنولوجي الركيزة الأساسية للتنمية. ومن حسن حظ جاكرتا أنها تضم العديد من الجامعات المرموقة، ومراكز الأبحاث، ومجتمعات الابتكار الآخذة في النمو. ولكن إذا ما قيست بمقياس عالمي، فإن بيئة الابتكار في جاكرتا لا تزال بحاجة إلى تعزيز؛ فرغم الارتفاع الكبير في أعداد الشركات التكنولوجية الناشئة (startup) خلال العقد الماضي، فإن قدرات البحث والتطوير (R&D) لدينا لا تزال محدودة للغاية مقارنة بالمدن العالمية الراسخة.
وتوضح معضلة البحث العلمي هذه أن تحول جاكرتا نحو مدينة عالمية لن يكون كافيًا أبدًا إذا ارتكز على البناء العمراني والمادي وحده، بل إن الأمر الأكثر جوهرية الذي يتعين السعي وراءه هو بناء القدرات البشرية. فالمدينة العالمية تتطلب مجتمعًا مبدعًا، ومنتجًا، ومبتكرًا، ويمتلك مرونة وانفتاحًا على متغيرات العصر. ولذا، يجب وضع الاستثمار طويل الأجل في التعليم النوعي، وتطوير المهارات الرقمية، وتعزيز تمويل الأبحاث، بالإضافة إلى بناء تعاون فعال بين الجامعات والقطاع الصناعي والحكومة، كأولوية قصوى للسياسات. وعلاوة على ذلك، يتعين على جاكرتا امتلاك الشجاعة لمعالجة القضايا المتعلقة بجودة حياة المواطنين، والتي غالبًا ما تشكل نقطة الضعف الأكبر للعديد من المدن الكبرى في الدول النامية.
فالمدينة العالمية المثالية لا يجب أن تكون جاذبة للمستثمرين فحسب، بل يجب أن تكون آمنة ومريحة للعيش من قِبل سكانها. وتشمل مؤشرات الراحة الحضرية نقاء الهواء، والبيئة الصحية، وتوفر المساحات الخضراء المفتوحة الكافية، والخدمات الصحية عالية الجودة، وضمان الأمن، فضلاً عن بقاء تكاليف المعيشة في متناول اليد. وللأسف، لا تزال جاكرتا تواجه تحديات جسيمة في هذا الجانب البيئي؛ إذ لا تزال مشكلة تلوث الهواء معضلة مزمنة سنويًا، ولم يصل توفر المساحات الخضراء إلى المستهدفات المثالية، كما أن تهديد الفيضانات السنوية لا يزال يلوح في الأفق مع كل موسم للأمطار، يضاف إلى ذلك كله استمرار تسجيل فجوة وتفاوت اجتماعي واقتصادي ملحوظ بين سكان المدينة.
وثمة مشكلة بيئية أخرى لا تقل تهديدًا لمستقبل جاكرتا تتمثل في هبوط السطح الأرضي (land subsidence) والتداعيات الواقعية للتغير المناخي العالمي؛ حيث تشهد بعض المناطق في شمال جاكرتا انخفاضًا مقلقًا في مستوى سطح الأرض نتيجة الاستغلال المفرط للمياه الجوفية على مدار عقود طويلة. هذا الوضع يؤدي تلقائيًا إلى زيادة مخاطر فيضانات المد البحري وتهديدات ارتفاع منسوب مياه البحر عالميًا. وقد سلطت تقارير عديدة من منظمات دولية الضوء مرارًا وتكرارًا على هذه المعضلة البيئية كأحد التحديات الوجودية الرئيسية لاستدامة الحياة في مدينة جاكرتا مستقبلاً.
وهنا يكمن المعنى العميق والجوهري لإطلاق شعار "التحرك نحو عصر جديد لجاكرتا". فالعصر الجديد المقصود لا ينبغي تفسيره بشكل ضيق على أنه مجرد تغيير في الوضع الإداري من منطقة عاصمة خاصة إلى مركز اقتصادي وطني فحسب؛ بل أبعد من ذلك، يجب فهم هذا العصر الجديد كقوة دفع لتغيير جذري في فكر ومنهج التنمية. فلم يعد بإمكان جاكرتا الاعتماد على أساليب التنمية التقليدية التي تركز على التوسع المادي والكتل الخرسانية فقط، بل إن ما تحتاجه جاكرتا الآن هو مفهوم التنمية المستدامة القائم على تحسين جودة الحياة البشرية والتوجه بعيد المدى نحو المستقبل.
وتظهر التجارب الواقعية لمختلف المدن العالمية أن نجاح المدينة لا يتحدد بمدى ارتفاع ناطحات السحاب التي تمتلكها، بل بقدرة المنظومة على خلق بيئة حضرية إنسانية. على سبيل المثال، نجحت سنغافورة -التي تمتلك مساحة جغرافية أصغر بكثير مقارنة بجاكرتا- في التحول إلى مركز أعمال عالمي بفضل اتساقها في بناء حوكمة إدارية نظيفة، وبنية تحتية من الطراز العالمي، وجودة تعليم عالية، فضلاً عن بيئة مدنية خضراء ومريحة. وبالمثل، نجحت سيول في التحول من مدينة نامية في مرحلة ما بعد الحرب إلى مركز تكنولوجي وثقافي عالمي بفضل امتلاك رؤية طويلة الأجل نُفذت بشكل متسق عبر الأجيال.
وتحتاج جاكرتا إلى نهج استشرافي مماثل، لا سيما وأن زخم نقل العاصمة إلى "نوسانتارا" يمكن استغلاله كفرصة ذهبية كبرى. فعلى مدار عقود، كان على جاكرتا أن تتحمل أعباءً اجتماعية وبيئية ثقيلة للغاية بسبب إجبارها على لعب دور مزدوج كمرتكز للحكومة ومركز للاقتصاد الوطني معًا. وعندما تنتقل الأنشطة الحكومية والبيروقراطية إلى العاصمة الجديدة، ستتوفر لجاكرتا مساحة تنفس أوسع للتركيز على تطوير أفضل إمكاناتها كمركز للأعمال، والتجارة الدولية، والخدمات المالية، والسياحة المتروبوليتانية، والاقتصاد الإبداعي، والتعليم، وابتكارات التكنولوجيا.
وفي منظور اقتصاد المدن، تشابه حالة التخلي عن صفة العاصمة هذه ما مرت به بعض المدن الكبرى في العالم والتي نجحت بالفعل في إيجاد هوية جديدة أكثر قوة بعد فقدان وظيفتها الإدارية الأصلية. وتمتلك جاكرتا فرصة كبيرة لتموضع نفسها كأكبر مركز اقتصادي ومالي في جنوب شرق آسيا؛ فإمكانات سوقها ملموسة للغاية، نظرًا لأن اتساع السوق المحلية لإندونيسيا يمثل المقوم الأساسي والأبرز الذي لا تمتلكه الدول المجاورة في منطقة الآسيان. وإلى جانب هذه الميزة، حُبيت جاكرتا بقوة التنوع الثقافي الفريد؛ وباعتبارها مدينة كوزموبوليتانية يقطنها مختلف الأعراق، والقبائل، والأديان، والخلفيات الثقافية، فإن جاكرتا تعد مصغرًا حقيقيًا لإندونيسيا.
ويشكل هذا التنوع الاجتماعي أصلاً ثقافيًا هامًا في بناء عناصر الجذب العالمي، لأن العديد من المدن الكبرى في العالم نمت وتطورت بفضل قدرتها على توفير مساحات تلاقٍ آمنة لمختلف الهويات. ولذلك، فإن توجهات التنمية في جاكرتا مستقبلاً يجب ألا تغفل بأي حال من الأحوال جوانب الثقافة المحلية؛ فلا يجوز السماح لتيارات الحداثة والعولمة بمحو الطابع الأصيل للمدينة، بل على العكس تمامًا، يجب تقديم الهوية الثقافية لـ "البتاوي"، والإرث التاريخي للمدينة، والفنون، والمأكولات التقليدية، والتقاليد المحلية بأسلوب حديث لتصبح جزءًا من السردية الرئيسية للمدينة العالمية الجاري بناؤها. فالمدينة العالمية الناجحة ليست هي التي تفقد تفاصيل أصالتها، بل هي القادرة على تقدير هويتها المحلية وتقديمها كقوة عالمية تلفت أنظار العالم.
وفي خضم هذه الفرص الذهبية، يبقى العامل الأكثر حسمًا لتحديد نجاح هذا التحول هو جودة القيادة والحوكمة الإدارية. فالتحول الشامل لجاكرتا نحو مدينة عالمية يتطلب التزامًا حقيقيًا بالتعاون المشترك بين مختلف القطاعات؛ إذ لن تتمكن حكومة إقليم جاكرتا من العمل بمفردها لحل قضايا تبلغ هذا المستوى من التعقيد. ويجب إشراك قطاع الأعمال، والأوساط الأكاديمية، والمجتمعات الإبداعية، ومنظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى المواطنين العاديين كجزء فاعل من عملية التغيير. وإن مفهوم التعاون الذي طالما جرى التغني به يجب تجسيده في سياسات تشاركية ملموسة، لأن المدينة العالمية القوية لا تولد إلا من رحم المشاركة الجماعية لكافة أصحاب المصلحة.
ومع اقترابها من مئويتها الخامسة في عام 2027، تمتلك جاكرتا الآن زخمًا انتقاليًا بالغ الأهمية. إن إحياء الذكرى الـ499 ليس مجرد احتفال سنوي عابر، بل هو محطة تأمل ونقطة انطلاق تاريخية هامة؛ فهي وقت لمراجعة مسيرة طويلة تقترب من خمسة قرون شكلت جاكرتا كقلب نابض للحياة في إندونيسيا، وهي كذلك نقطة انطلاق للمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل جديد كمدينة عالمية تنافسية، وشاملة، ومستدامة. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال حول "هل تقوى جاكرتا على أن تصبح مدينة عالمية؟" لن تجيب عنه مشاعر التفاؤل الأعمى أو التشاؤم المستسلم.
إن الإجابة ستعتمد بشكل وثيق على الخيارات والسياسات والأفعال الحقيقية التي يتخذها القادة والمواطنون اليوم. فإذا تمكنت جاكرتا وبشكل متسق من تعزيز تنافسيتها الاقتصادية، ورفع معايير جودة مواردها البشرية، وتحسين الشفافية الحوكمية، ومعالجة القضايا البيئية بشكل جذري، وتوسيع نطاق اتصالها الدولي، مع رعاية هويتها الثقافية، فإن بوابة التحول لمدينة عالمية ستُفتح على مصراعيها. ولكن على العكس من ذلك، إذا لم يجرِ التعامل مع القضايا الأساسية مثل الاختناقات المرورية، وتلوث الهواء، والتفاوت الاجتماعي، وتهديدات الفيضانات، وضعف طاقات الابتكار بشكل جدي وجريء، فإن لقب المدينة العالمية سينتهي به المطاف كمجرد شعار جميل لا معنى له على الورق.
إن شعار الذكرى الـ499 لتأسيس جاكرتا، "التحرك نحو عصر جديد لجاكرتا"، يحمل في طياته رسالة فلسفية عميقة لنا جميعًا؛ فكلمة "التحرك" تشير إلى أن تحول المدينة هو عملية ديناميكية طويلة، وليس هدفًا فوريًا يمكن إنجازه بين عشية وضحاها. في حين تؤكد عبارة "عصر جديد" أن جاكرتا تدخل رسميًا فصلاً جديدًا في تاريخها يختلف تمامًا عن العصور السابقة. وإن التحدي الأكبر لجاكرتا مستقبلاً ليس في كيفية الحفاظ على ما تبقى من أمجادها كعاصمة سابقة للدولة، بل في كيفية بناء ركائز ومقومات وظيفية جديدة تجعلها قادرة على المنافسة على المستوى الدولي. وعندما تدخل جاكرتا عامها الذهبي المتمثل في خمسة قرون العام المقبل، سيشهد العالم معًا ما إذا كانت هذه المدينة ستنجح حقًا في تحويل نفسها إلى أحد مراكز الحضارة الحديثة في آسيا، أم أنها ستراوح مكانها كمدينة ديموغرافية كبرى تظل أسيرة حلقة مفرغة من أزماتها الداخلية التي لا تجد طريقًا للحل.
نُشر هذا المقال في عمود Kompas يوم الإثنين (22/06/2026)
