نحو فقه شامل
أحمد طولابي خَرْلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية في جاكرتا،
عضو مجلس التعليم العالي بوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا في جمهورية إندونيسيا)
وُلدت إندونيسيا من رحم التعددية. فقد التقت فيها أعراق متعددة، وأديان، وثقافات، ولغات، وتقاليد محلية متنوعة، لتشكّل معاً حياة مشتركة. وفي الحياة اليومية للمجتمع، تنمو هذه التعددية كواقع يلوّن مسيرة الأمة.
ومع ازدياد الطابع التعددي في المجتمع، تزداد أهمية التساؤل حول كيفية فهم التعاليم الدينية لواقع التنوع. ففي التراث الإسلامي، ظل الفقه على مدى قرون دليلاً لحياة المسلمين، ينظم العبادات ويؤطر الحياة الاجتماعية في آن واحد. لذلك، فإن البحث في العلاقة بين الفقه والتعددية يُعد جزءاً مهماً من دينامية الحياة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة “فقه التعددية” التي طرحها نصار الدين عمر (كومباس، 13/3/2026) كموضوع جدير بالنقاش. إذ تقدم هذه الفكرة رؤية تضع الأحكام الدينية وتطورات الحياة الاجتماعية ضمن إطار فهم متكامل ومتلازم.
وفي الواقع، يشعر بعض أفراد المجتمع بوجود فجوة بين مفاهيم الفقه كما وردت في الكتب التراثية (التراث) وبين تعقيدات الحياة الحديثة. فكثير من الأحكام الفقهية صيغت في سياقات اجتماعية وسياسية تختلف عن واقع المجتمع المعاصر من حيث البنية والعلاقات وأنماط الحياة.
الفقه والحداثة
يتسم الفقه التقليدي عموماً بالطابع المعياري والنصي والاستنباطي. إذ ينطلق من النصوص المعتبرة ليصوغ منها قواعد قانونية متعددة. وقد كان هذا المنهج فعالاً في سياقه التاريخي، لأنه حافظ على ثبات التعاليم الدينية.
غير أن المجتمع الحديث يتحرك وفق منطق مختلف، حيث أصبحت الحياة الاجتماعية أكثر عقلانية وديناميكية ومرتبطة بالسياق، كما أصبح الإنسان المعاصر أكثر ألفة مع المناهج الاستقرائية والتجريبية.
وعندما لا يلتقي هذان المنهجان، ينشأ نوع من التوتر. فيشعر بعض الناس بأن التعاليم الدينية أصبحت بعيدة عن واقعهم اليومي، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى شعور بالاغتراب عن تقاليدهم الدينية.
وإذا استمر هذا الوضع، فقد تفقد الدين وظيفته الاجتماعية كمصدر للطمأنينة والإلهام الأخلاقي، بل قد يُنظر إليه كعبء على حياة الإنسان.
وفي مثل هذه الحالة، يصبح تجديد الفكر الفقهي أمراً ضرورياً. غير أنه يجب التأكيد على أن تجديد الفقه لا يعني تغيير الشريعة. فالشريعة تمثل المبادئ الثابتة، بينما الفقه هو نتاج اجتهاد بشري قابل لإعادة التفسير وفق تطورات الزمن.
ويتوافق هذا الطرح مع أفكار مجددي الفقه الإسلامي المعاصرين، مثل الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه “فقه الأولويات” (1995)، حيث شدد على أهمية مراعاة السياق وترتيب الأولويات في صياغة الأحكام الشرعية، مؤكداً أن الفقه لا ينبغي أن ينفصل عن الواقع الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن فكرة فقه التعددية تنتمي إلى تقليد الاجتهاد الراسخ في الفكر الإسلامي، وهي محاولة لإعادة فهم النصوص في ضوء تطور المجتمع.
ويرتكز فقه التعددية على مبدأ المساواة في المواطنة. ففي المجتمع الحديث كإندونيسيا، يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية في العيش بأمان وكرامة دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الخلفية الثقافية.
وبهذا المنظور، يصبح الفقه دليلاً للحياة يجمع بين الأحكام القانونية والقيم الأخلاقية التي تعزز التعايش السلمي.
الفقه كأخلاق مشتركة
في التراث الإسلامي، لم يكن تجديد الفكر الفقهي أمراً غريباً، بل عُرف من خلال آليات متعددة، مثل منتديات “بحث المسائل” في بيئة نهضة العلماء، أو منهج “الترجيح” في المحمدية، مما يعكس انفتاح الفقه على الحوار مع الواقع الاجتماعي.
كما تُظهر تجربة الإسلام في الأرخبيل الإندونيسي أن مرونة تفسير الفقه كانت عاملاً مهماً في انتشار الإسلام بشكل سلمي داخل مجتمع متعدد.
وقد عبّر عن هذا المعنى أيضاً المفكر فضل الرحمن (1982)، حيث أكد ضرورة فهم الشريعة من خلال منهج تاريخي وأخلاقي في آن واحد، باعتبار أن الإسلام يحمل قيماً أخلاقية عالمية ينبغي إعادة تفسيرها باستمرار لتبقى ذات صلة بالواقع.
وفي التاريخ الإسلامي، نجد نموذجاً للتعايش في مجتمع متعدد منذ عهد النبي محمد ﷺ من خلال “وثيقة المدينة” عام 622م، التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود ومختلف القبائل ضمن مجتمع سياسي واحد يقوم على الحماية والتكافل. ويُعد هذا النموذج من أوائل الأمثلة على التعددية في الإسلام.
وعليه، فإن تطوير فقه التعددية لا يبدأ من الصفر، بل يستند إلى تراث غني من الأفكار والممارسات التي تمهد له، وإن لم تُصغ بهذا المصطلح.
والمطلوب اليوم هو تطوير هذا الإطار الفكري بشكل أكثر منهجية، وهو أمر يتطلب تعاوناً بين العلماء والأكاديميين ومؤسسات التعليم العالي.
وتؤدي الجامعات الإسلامية مثل UIN وIAIN وSTAIN ومعاهد “معهد علي” وغيرها دوراً استراتيجياً في تطوير فقه معاصر أكثر ارتباطاً بالواقع. ومن خلال دعم هذه المؤسسات، يمكن تطوير فقه التعددية بصورة علمية ومستدامة.
كما أن للدولة دوراً مهماً في دعم هذه الجهود، من خلال سياسات تعزز الحياة الدينية الشاملة، بما يرسخ فقه التعددية كجزء من البناء الديني الوطني.
وإذا ما تم تنفيذ هذه الجهود بشكل متسق، يمكن أن يصبح فقه التعددية أحد إسهامات الإسلام الإندونيسي للعالم، من خلال تقديم نموذج يبيّن أن الدين قادر على أن يكون أساساً أخلاقياً يعزز التعايش في المجتمعات المتنوعة.
نُشر هذا المقال في صحيفة ميديا إندونيسيا يوم الأربعاء، 18 مارس 2026.
