مقال عن الشهادة بدون كفاءة

مقال عن الشهادة بدون كفاءة

أحمد ثولابي خارلي
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا)

هناك مفارقة في ملامح التعليم في إندونيسيا اليوم. تُظهر البيانات التي عرضها لانت بريتشيت (2026)، المستندة إلى مسح برنامج تقييم كفاءات البالغين التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (PIAAC)، واقعًا مدهشًا. إذ يمتلك خريجو الجامعات في جاكرتا مهارات قراءة وكتابة أقل من خريجي المرحلة الثانوية في عدد من الدول المتقدمة.

وبشكل أكثر تحديدًا، يبلغ متوسط درجة محو الأمية لدى البالغين في جاكرتا نحو 200 نقطة، وهو أقل بكثير من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يصل إلى نحو 270 نقطة. بل إن نحو 69% من السكان البالغين يقعون في المستوى الأول من محو الأمية أو دونه، مقارنةً بنحو 4.5% فقط في دول المنظمة.

تعكس هذه الحقيقة اتجاهًا يبدو أنه أصبح أكثر ضبابية في نظامنا التعليمي. فمن جهة، نحتفي بتوسع التعليم، حيث ترتفع معدلات الالتحاق، وتزداد أعداد المدارس، وتتسع دائرة الحاصلين على الشهادات الأكاديمية. لكن من جهة أخرى، تكاد جودة التعلم لا تتحرك.

تقدم وهمي

على مدى العقدين الماضيين، حققت إندونيسيا تقدمًا ملحوظًا في توسيع فرص الوصول إلى التعليم. إذ تشير البيانات إلى أن معدل إتمام التعليم الثانوي ارتفع بأكثر من 20 نقطة مئوية خلال جيل واحد. كما أن ميزانية التعليم بلغت دستوريًا 20% من الموازنة العامة للدولة، وهي من أعلى النسب في هيكل الإنفاق الحكومي.

غير أن هذا التقدم يخفي وهمًا. فالنظام التعليمي منشغل بحساب مدة التعلم أكثر من جودة الفهم. أصبحت المدرسة مساحة للحضور، لا مساحة للنمو.

في الممارسة اليومية، يسهل ملاحظة هذه الظاهرة. يستطيع الطلاب الإجابة عن أسئلة الاختيار من متعدد، لكنهم يعجزون عن شرح أسباب إجاباتهم. يحفظون التعريفات، لكنهم لا يستطيعون توظيفها في سياقات واقعية. يتخرجون، لكنهم لا يفهمون حقًا.

تكشف نتائج PIAAC أن نحو 42% من خريجي التعليم العالي ما زالوا في مستوى محو الأمية الأساسي أو دونه. بل إن نسبة من يصلون إلى مستويات عالية (المستويان 4 و5) لا تتجاوز 0.5% من السكان، مقارنةً بنحو 10% في دول المنظمة.

وكما أشار البنك الدولي في تقرير التنمية العالمية لعام 2018، فإن العالم يواجه اليوم “أزمة تعلم”، حيث يذهب الأطفال إلى المدارس لكنهم لا يتعلمون فعليًا. وتقع إندونيسيا، في العديد من المؤشرات، ضمن نطاق هذه الأزمة.

وتزداد خطورة هذه الأزمة لأنها مخفية خلف أرقام تبدو إيجابية. نظن أننا نتقدم، بينما نحن في الواقع ثابتون في مكاننا، أو حتى نسير دون اتجاه واضح.

تغيير المسار

تكمن جذور المشكلة في توجه السياسات التعليمية التي تركز بشكل مفرط على المدخلات، مثل بناء البنية التحتية، وزيادة الميزانية، واعتماد المعلمين، وتوزيع البرامج. كل ذلك مهم، لكنه لا يمس جوهر المشكلة، وهو نواتج التعلم.

أصبح التعليم يُقاس بعدد الملتحقين بالمدارس، لا بعمق ما يفهمونه. لقد أنشأنا نظامًا كفؤًا في إدارة المدارس، لكنه ليس فعالًا في تحقيق التعلم. نتحرك بسرعة، لكن ليس بالضرورة نحو الهدف الصحيح.

عالميًا، تُظهر تقييمات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مثل PISA، أن توسيع الوصول دون تحسين جودة التعلم لا يؤدي إلا إلى تقدم محدود. حتى في نماذج محاكاة بسيطة، فإن تعميم التعليم الثانوي في إندونيسيا لا يسد سوى جزء صغير من فجوة المهارات مع الدول المتقدمة.

وإذا استمر معدل تحسين جودة التعلم كما هو الآن، فإن التقديرات تشير إلى أن إندونيسيا ستحتاج إلى أكثر من قرن لتقترب من مستوى الدول المتقدمة. وهذه ليست مجرد مسألة تعليم، بل مسألة مستقبل الأمة، من حيث جودة القيادة، والقدرة التنافسية الاقتصادية، ومستوى التفكير المجتمعي.

كما أكد إريك هانوشيك (2013)، فإن جودة التعلم هي العامل الأكثر حسمًا في النمو الاقتصادي طويل الأمد، وليس مدة الدراسة. ومن دون تحسين هذه الجودة، لن تحقق الاستثمارات التعليمية أثرًا يُذكر.

لذلك، يصبح التحول نحو “التركيز على التعلم” ضرورة حتمية، ويجب أن يبدأ التغيير من النقاط الأكثر تأثيرًا:

أولًا، إصلاح نظام التقييم بوصفه المحرك الرئيسي للتغيير. فما يُقاس هو ما يُدرّس. لذا يجب أن تركز التقييمات على الفهم، والاستدلال، وحل المشكلات.

ثانيًا، تبسيط المناهج الدراسية وتركيزها على الكفاءات الأساسية، خاصة القراءة والكتابة، والحساب، والتفكير النقدي، مع تعزيز معنى المحتوى وارتباطه بالواقع.

ثالثًا، إعادة تعريف دور المعلم بوصفه ميسرًا للتعلم، مع تعزيز قدرته على تنمية تفكير الطلاب، والاستثمار في تطوير ممارساته التدريسية بشكل مستمر.

رابعًا، بناء نظام مساءلة قائم على نواتج التعلم، من خلال تقارير شاملة تُظهر تطور مشاركة الطلاب وإنجازاتهم التعليمية.

خامسًا، التحلي بالصدق في قراءة بيانات التعليم، والاستفادة من التقييمات الدولية كمرجع للتأمل والتحسين المستمر، مع الانفتاح على التحديات الحقيقية التي يواجهها النظام التعليمي.

من خلال هذا التوجه، يمكن تحقيق توازن بين توسيع فرص الوصول وتعميق جودة التعلم، بحيث يصبح التعليم أكثر معنى ويسهم في بناء قدرات حقيقية لدى المتعلمين.

نُشر هذا المقال في صحيفة “جاوا بوس” يوم الجمعة (17/04/2026).