مقاصد الشريعة بوصلةً للسياسة الاقتصادية في إندونيسيا

مقاصد الشريعة بوصلةً للسياسة الاقتصادية في إندونيسيا

محمد نور ريانتو آل عارف

أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا

الأمين العام لرابطة المحاضرين الإندونيسيين (ADI)

عضو مجلس إدارة IAEI

عضو مجلس إدارة ISEI فرع جاكرتا

موجه في LPEU التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (MUI)

تقف إندونيسيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي في مسيرة تنميتها الاقتصادية. فمن ناحية، تُظهر المؤشرات الكلية إنجازات تستحق التقدير، حيث ظل النمو الاقتصادي محافظاً على مستوياته فوق 5 بالمئة، في وقت لا تزال فيه العديد من دول العالم تعاني من التباطؤ الاقتصادي العالمي.

لقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا في عام 2025 حوالي 23.821 تريليون روبية، بنمو اقتصادي قدره 5,11 بالمئة، وهو معدل أعلى مقارنة بالعام السابق، بل إنه في الربع الأول من عام 2026 تمكن من الوصول إلى 5,61 بالمئة.

ومع ذلك، وعلى الجانب الآخر، لم تجب أرقام النمو هذه بشكل كامل على السؤال الجوهري في علم الاقتصاد: هل أصبح المجتمع أكثر رفاهية حقاً؟ ويصبح هذا السؤال أكثر أهمية في ظل استمرار التحديات الهيكلية؛ فالفجوة بين الأقاليم لا تزال واسعة، وإنتاجية العمل لم تشهد تحسناً كبيراً، والطبقة الوسطى تواجه ضغوطاً على القوة الشرائية، بينما لا يزال التحول الصناعي يحتاج إلى وقت ليتمكن من خلق وظائف عالية الجودة بأعداد كبيرة.

هذه المفارقة هي التحدي الرئيسي الذي تواجهه إندونيسيا. فعلى مدى عقود، كان نجاح التنمية يُقاس دائماً باستخدام مؤشرات كمية مثل النمو الاقتصادي، والاستثمار، والتضخم، أو قيمة الصادرات. ورغم أهمية هذه المؤشرات، إلا أنها لا تكفي لوصف جودة التنمية بشكل شامل.

إن الاقتصاد في نهاية المطاف ليس مجرد مسألة إنتاج سلع وخدمات بكميات أكبر، بل هو يتعلق بكيفية حصول الإنسان على حياة كريمة وعادلة. وهنا يأتي دور "مقاصد الشريعة" التي تقدم منظوراً ملهماً.

لقد ساد اعتقاد لفترة طويلة بأن مقاصد الشريعة مفهوم محصور في دراسات الفقه أو القانون الإسلامي، بينما في تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث، أصبحت مقاصد الشريعة نموذجاً تنموياً قادراً على الربط بين الأهداف الاقتصادية والقيم الإنسانية.

هذا النموذج لا يضع النمو في مواجهة التوزيع، ولا يضع الكفاءة في مواجهة العدالة؛ بل على العكس من ذلك، تسعى مقاصد الشريعة لضمان أن تحقق كافة الأنشطة الاقتصادية أقصى درجات المصالح للمجتمع. ولذلك، فقد حان الوقت لإندونيسيا أن تجعل من مقاصد الشريعة بوصلة أخلاقية وإطاراً لتقييم كل سياسة اقتصادية.

من اقتصاد يركز على النمو إلى اقتصاد يركز على الإنسان

منذ بداية "النظام الجديد" (Orde Baru) وحتى عصر الإصلاح، كان نموذج التنمية في إندونيسيا ثابتاً نسبياً على السعي وراء النمو الاقتصادي. ولم يكن هذا النهج بلا مبرر، فالدولة النامية تحتاج إلى الاستثمار، والتصنيع، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع قطاع التصنيع لخلق فرص العمل.

وقد أثبت هذا النهج نجاحه في تقليل معدلات الفقر بشكل كبير مقارنة بالعقود الماضية. فوفقاً لأحدث بيانات وكالة الإحصاء المركزية (BPS)، انخفض معدل الفقر الوطني في سبتمبر 2025 إلى 8,25 بالمئة، ليبلغ عدد الفقراء حوالي 23,36 مليون نسمة. وفي الوقت نفسه، انخفض معامل جيني (Gini ratio) إلى 0,363، مما يشير إلى تحسن في توزيع دخل المجتمع.

ومع ذلك، أصبحت تحديات التنمية أكثر تعقيداً. فالنمو الاقتصادي لا يعني دائماً تحسن جودة حياة المجتمع. فالعديد من الدول تعاني من ظاهرة "النمو بلا وظائف" (jobless growth)، أي نمو اقتصادي مرتفع لا يتبعه خلق فرص عمل كافية، بينما تواجه دول أخرى نمواً بلا عدالة، حيث يتمتع أصحاب الدخل المرتفع بمعظم ثمار التنمية دون ذوي الدخل المنخفض.

وتواجه إندونيسيا أعراضاً مشابهة؛ فمساهمة قطاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي لا تزال هي الأكبر، لكن التحول نحو اقتصاد قائم على الابتكار لا يزال قيد التنفيذ، في حين أدت الرقمنة إلى كفاءة واضطرابات في سوق العمل؛ إذ تختفي بعض الوظائف بشكل أسرع من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة.

مقاصد الشريعة: أكثر من مجرد مفهوم ديني

في الأدبيات الكلاسيكية، المقاصد هي الأهداف العليا للشريعة الإسلامية، وتتحقق من خلال حماية خمسة جوانب جوهرية للحياة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال. وفي السياق الحديث، يمكن ترجمة هذه المقاصد الخمسة إلى مؤشرات تنموية ملموسة.

وبالتالي، فإن مقاصد الشريعة ليست مفهوماً حصرياً للمسلمين، فالقيم التي تحتويها عالمية وتتماشى مع مبادئ التنمية المستدامة، والرفاه الاجتماعي، والحوكمة الرشيدة. ما يميز مقاصد الشريعة هو أنها لا تتوقف عند النمو، بل تركز على مصلحة الإنسان بشكل شامل.

من هذا المنظور، لا ينبغي قياس السياسات المالية والنقدية والتجارية والصناعية والرقمية من منظور الكفاءة الاقتصادية فحسب، بل من منظور مدى مساهمة هذه السياسات في تحسين جودة حياة المجتمع. بعبارة أخرى، نجاح الموازنة العامة للدولة لا يقتصر على تحقيق أهداف الإيرادات، بل يتحقق عندما تساهم كل روبية من الإنفاق العام في تحسين رفاهية الشعب.

وكذلك، لا يُقاس نجاح الاستثمار بحجم رأس المال الداخل فحسب، بل بقدرته على خلق وظائف منتجة، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتقوية الصناعة الوطنية، وتقليل الفوارق الاجتماعية.

وهنا تبرز مقاصد الشريعة كبوصلة للسياسة الاقتصادية في إندونيسيا، ليس كخطاب نظري فحسب، بل كإطار تقييمي يضمن سير النمو الاقتصادي جنباً إلى جنب مع العدالة والاستدامة والمصلحة العامة.

ترجمة مقاصد الشريعة إلى سياسة اقتصادية وطنية

إذا فُهمت مقاصد الشريعة على أنها مجرد مفهوم نظري محصور في قاعات الدراسات الإسلامية، فإنها تفقد قدرتها على الإحداث التغيير. أما إذا تُرجمت إلى تصميم للسياسات العامة، فإنها تصبح أداة بالغة الأهمية لمواجهة تحديات التنمية في القرن الحادي والعشرين.

في الاقتصاد الحديث، لم تعد مهمة الدولة قاصرة على الحفاظ على الاستقرار الكلي، بل أصبحت مطالبة بخلق نمو شامل، وتقليل عدم المساواة، وتحسين جودة الموارد البشرية، والحفاظ على الاستدامة البيئية، وبناء التنافسية الوطنية. ومن اللافت أن كل هذه الأهداف تتقاطع بقوة مع مقاصد الشريعة، التي ليست بديلاً عن النظريات الاقتصادية الحديثة، بل إطار أخلاقي يضمن عدم فقدان السياسات الاقتصادية لتركيزها على الإنسان.

لقد اعتاد الناس قياس نجاح السياسات عبر مؤشرات كمية مثل نمو الناتج المحلي، ومعدلات التضخم، ونسبة الدين، وقيمة الاستثمارات، أو فائض الميزان التجاري. وهذه المؤشرات لا تجيب بالضرورة عما إذا كان المجتمع يستفيد حقاً من هذا النمو. وهنا تأتي مقاصد الشريعة لتقدم بعداً مختلفاً، عبر تحويل التركيز من "حجم النمو الاقتصادي" إلى "حجم المصلحة الناتجة عن هذا النمو".

وفي الممارسة العملية، فإن الجانب الأسهل ربطاً بمقاصد الشريعة هو "حفظ المال". لكن حفظ المال في المقاصد لا يعني حماية الملكية الفردية فقط، بل يعني خلق نظام اقتصادي يتيح للمجتمع الحصول على دخل حلال ومنتج وعادل. لذلك، لا يكفي أن تشجع السياسات الاقتصادية الاستثمار بأي ثمن، بل الأهم هو ضمان أن ينتج هذا الاستثمار قيمة مضافة محلية، ويفتح فرص عمل نوعية، ويعزز الإنتاجية.

ويمكن النظر إلى سياسة "تصنيع المواد الخام" (Hilirisasi) التي تنفذها الحكومة من هذا المنظور. فعلى مدى عقود، كانت إندونيسيا تصدر مواد خام بقيمة مضافة منخفضة، مما جعل معظم الأرباح تذهب للدول المصنعة. ومن خلال هذه السياسة، تسعى إندونيسيا لتغيير هيكلها الاقتصادي لتصبح منتجاً لسلع عالية القيمة. وهذا يتفق مع مقاصد الشريعة، بشرط ألا تتوقف عند بناء المصاهر أو زيادة الصادرات فقط.

ولا توجد دولة متقدمة بلا موارد بشرية متميزة. لذا، فإن "حفظ العقل" يعد أحد أسس التنمية الاقتصادية. وفي سياق إندونيسيا، يُنظر إلى "المكافأة الديموغرافية" كفرصة ذهبية، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا لم تواكب جودة التعليم احتياجات الصناعة. لذا، فإن الإنفاق على التعليم هو استثمار منتج طويل الأمد. والمشكلة هنا ليست في حجم الموازنة، بل في فعاليتها، ومعالجة الفجوة في جودة التعليم بين الأقاليم، وعدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات السوق.

وعلاوة على ذلك، يُنظر إلى الصحة غالباً كقطاع اجتماعي منفصل عن الاقتصاد. لكن في منظور "حفظ النفس"، الصحة ليست مجرد توفير مستشفيات، بل تشمل توفير الغذاء الصحي، والصرف الصحي، والبيئة النظيفة، والحماية الاجتماعية. وهنا، يمكن اعتبار برامج مثل "الوجبات الغذائية المجانية" تنفيذاً لمقاصد الشريعة إذا نجحت فعلياً في تحسين تغذية الأطفال وتقليل التقزم.

أحد جوانب المقاصد التي غالباً ما يتم تجاهلها هو "حفظ النسل"، والذي يعني في التنمية الحديثة المسؤولية بين الأجيال؛ فلا ينبغي أن تضحي تنمية اليوم بفرص أجيال المستقبل. وهذا يتقاطع مع مفهوم "التنمية المستدامة" (Sustainable Development) وأجندات الاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الدائري، فهي جميعاً تجسيد لأمانة الاستخلاف في الأرض.

أما البعد الأخير وهو "حفظ الدين"، ففي سياق السياسة العامة يعني جعل القيم الأخلاقية أساساً لعمل الدولة. فالتصدي للفساد، والمحسوبية، والتلاعب بالميزانية، والنشاط الريعي، والاحتکار، هو جزء أصيل من حماية مقاصد الشريعة. ولا يمكن لأي سياسة اقتصادية أن تنجح في ظل سوء الإدارة، فالأمانة والنزاهة هما شرطان أساسيان لنمو مستدام.

مقاصد الشريعة في الموازنة العامة (APBN)

من نقاط الضعف في العديد من الدول النامية اعتبار الموازنة "هدفاً" لا "أداة". ففي منظور مقاصد الشريعة، لا تُقاس الدولة بحجم موازنتها، بل بحجم المصلحة التي تحققها عبر هذه الموازنة. لذا، يجب أن تكون الموازنة أداة لتوزيع الرفاهية وتقوية الإنتاجية وبناء الإنسان.

إن إدماج "المالية الاجتماعية الإسلامية" (الزكاة والصدقات والأوقاف - ZISWAF) كأداة مكملة للموازنة العامة يعد ميزة تنافسية لم تستغل بالكامل بعد. فبدلاً من الاكتفاء بالمساعدات الاستهلاكية، يجب توجيه هذه الأموال نحو التمكين الاقتصادي، مثل تمويل المشاريع متناهية الصغر، وتطوير الأوقاف الإنتاجية للتعليم والصحة. إن تكامل الموازنة العامة مع أموال الزكاة والأوقاف سيخلق نظام رفاهية أكثر قوة واستدامة.

مقاصد الشريعة كنموذج جديد للتنمية في إندونيسيا

في نهاية المطاف، إن السؤال الذي يواجه إندونيسيا في طريقها نحو "إندونيسيا الذهبية 2045" ليس فقط مدى سرعة نمو الاقتصاد، بل لمن يُخلق هذا النمو؟

إن مقاصد الشريعة توفر إطاراً يجمع بين الكفاءة والعدالة، وبين النمو والتوزيع، وبين التنمية الاقتصادية والتنمية الأخلاقية. وهي لا تعني تحويل النظام الاقتصادي إلى نظام خاص بفئة معينة، بل تقديم قيم عالمية مثل العدالة والمصلحة والاستدامة والمسؤولية واحترام كرامة الإنسان، لتكون أساساً للتنمية الوطنية الشاملة.

إن الدول لن تُذكر فقط بأرقام نموها الاقتصادي العالية، بل بقدرتها على تقديم حياة أكثر عدلاً ورفاهية وكرامة لجميع مواطنيها. هذه هي جوهر مقاصد الشريعة، وهي البوصلة التي تحتاجها إندونيسيا لضمان أن كل خطوة تنموية لا تجعل الأمة أكثر ثراءً فحسب، بل أكثر عدلاً وإنسانية وتقدماً.

نُشر هذا المقال في عمود CNBC Indonesia يوم الاثنين، 29 يونيو 2026.