معضلة العتبة البرلمانية

معضلة العتبة البرلمانية

أحمد ثلابي خَرلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا)

أثار الخطاب حول رفع العتبة البرلمانية من 4 في المائة إلى 7 في المائة في مشروع تعديل قانون الانتخابات جدلاً واسعاً في الفضاء العام.

يرى بعض الأطراف أن هذا المقترح خطوة عقلانية لتبسيط النظام الحزبي الذي يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه شديد التفتت.

غير أن كثيرين يرون أن هذه السياسة قد تؤدي في الواقع إلى تضييق مساحة التمثيل السياسي للمواطنين، بل قد تُضعف المعنى الأساسي للديمقراطية بوصفها نظاماً يفسح المجال لتنوع التطلعات والآراء.

وقد اشتد هذا الجدل عندما أظهرت البيانات حجم الأصوات الانتخابية التي لم تتحول إلى مقاعد في البرلمان بسبب العتبة البرلمانية.

ففي انتخابات عام 2024، يُقدَّر أن أكثر من 17 مليون صوت لم ينتج عنها تمثيل برلماني لأن الأحزاب التي اختارها الناخبون لم تتجاوز العتبة المطلوبة.

ويمثل هذا الرقم جزءاً من صورة ديناميات ديمقراطيتنا، إذ يُظهر أنه رغم سير الإجراءات الانتخابية بشكل منظم، ما زالت هناك أصوات لمواطنين لم تجد مساحة للتمثيل في البرلمان.

ثم تطور النقاش العام إلى مستوى أكثر جوهرية، إذ لم يعد يقتصر على مسألة نسبة العتبة، بل امتد إلى سؤال معياري حول اتجاه الديمقراطية في إندونيسيا: هل ينبغي توجيه الديمقراطية نحو تحقيق فعالية أكبر في الحكم عبر تبسيط النظام الحزبي، أم الحفاظ عليها كساحة تمثيل واسعة للتنوع الاجتماعي والسياسي في البلاد؟

وفي خضم هذا التجاذب، تصبح مناقشة مشروع قانون الانتخابات لحظة مهمة لإعادة النظر في التوازن بين الاستقرار السياسي وعدالة التمثيل.

قطبا الديمقراطية

في نظرية الديمقراطية الحديثة، يُفهم التمثيل بوصفه عنصراً أساسياً يدعم الشرعية السياسية في النظام الديمقراطي.

ويؤكد روبرت أ. دال (1971) أن الديمقراطية تقوم على مبدأين رئيسيين: الشمولية والتنافس.

فالعتبة البرلمانية في جوهرها تمثل قيداً على الشمولية بهدف الحفاظ على استقرار النظام.

وهنا تدخل الديمقراطية في منطقة مفارقة؛ فكلما ارتفعت العتبة البرلمانية قلّ عدد الأحزاب التي تدخل البرلمان، وأصبح اتخاذ القرار أسهل. لكن في الوقت نفسه تزداد احتمالية ضياع أصوات المواطنين.

وتُظهر البيانات المقارنة عالمياً تنوعاً كبيراً في تطبيق العتبة البرلمانية.

فقد حددت ألمانيا العتبة عند 5 في المائة كدرس تاريخي من حالة التفتت الشديد خلال عهد جمهورية فايمار.

أما تركيا فقد طبقت في وقت ما عتبة قدرها 10 في المائة، وهي من أعلى النسب في العالم، وقد أدت إلى ارتفاع كبير في نسبة الأصوات المهدرة، إذ بلغت نحو 45 في المائة في انتخابات عام 2002.

وفي المقابل، لا تطبق هولندا عتبة رسمية، بل تعتمد فقط على عتبة طبيعية تقارب 0.67 في المائة، مما يسمح بتحويل معظم أصوات الناخبين إلى مقاعد برلمانية.

وتشير تجارب هذه الدول إلى أنه كلما ارتفعت العتبة البرلمانية زاد مستوى عدم التناسب في النظام الانتخابي.

وقد لاحظ أرند ليبهارت (1999) أن الدول التي تعتمد عتبة منخفضة تميل إلى تحقيق تمثيل اجتماعي أكثر شمولاً واستقراراً ديمقراطياً أفضل على المدى الطويل.

كما حذر جيوفاني سارتوري (1976) من أن تبسيط النظام الحزبي قد يعزز فعالية الحكم، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تراجع جودة التمثيل إذا تم بشكل مفرط.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول العتبة المرتفعة من أداة لتحقيق الاستقرار إلى وسيلة للإقصاء السياسي.

وفي الممارسة السياسية في إندونيسيا، غالباً ما يُستخدم خطاب الاستقرار لتبرير تبسيط النظام الحزبي.

إذ يُنظر إلى تفتت الأحزاب على أنه يعيق فعالية الحكومة ويبطئ عملية التشريع. غير أن الاستقرار الذي يُبنى على تقييد التمثيل يحمل دائماً معضلة تتعلق بالشرعية.

فعندما لا تتحول ملايين الأصوات إلى مقاعد، يفقد النظام التمثيلي قدرته على عكس الإرادة الشعبية.

وتسمي بيبا نوريس (2004) هذه الظاهرة بـ"عجز التمثيل"، أي الحالة التي يؤدي فيها تصميم النظام الانتخابي إلى فجوة بين تفضيلات الناخبين وتركيبة المؤسسة التشريعية.

وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا العجز إلى انخفاض ثقة الجمهور وإضعاف المشاركة السياسية.

الطريق الوسط في الديمقراطية

من منظور القانون الدستوري، ترتبط العتبة البرلمانية ارتباطاً مباشراً بمبدأ سيادة الشعب ومساواة الأصوات.

ويؤكد جيملي أشديديقي (2005) أن السياسات الانتخابية يجب أن تحافظ على التوازن بين فعالية الحكم وعدالة التمثيل.

فالعتبة البرلمانية أداة قانونية مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تُحدث تشوهاً كبيراً بين أصوات الشعب وتركيبة البرلمان.

كما يحذر سالدي إسرى (2017) من أن العتبة المرتفعة قد تؤدي إلى عدم تناسب في نظام التمثيل النسبي.

فعندما لا تتحول أصوات المواطنين إلى مقاعد، ينشأ اختلال بين إرادة الناخبين وتمثيلهم السياسي.

وتظهر التجارب الدولية أن الديمقراطيات التعددية تميل عموماً إلى اعتماد عتبة معتدلة تتراوح بين 3 و5 في المائة.

فألمانيا وبولندا ونيوزيلندا تعتمد عتبة 5 في المائة، بينما تحدد السويد العتبة عند 4 في المائة. أما الدول ذات التعددية الاجتماعية العالية فغالباً ما تتجنب العتبات المرتفعة لأنها قد تهدد الاندماج السياسي.

وتعد تركيا مثالاً متطرفاً على كيف يمكن للعتبة المرتفعة أن تؤدي إلى تشوهات ديمقراطية.

فقد أدت العتبة البالغة 10 في المائة لسنوات طويلة إلى حرمان ملايين الأصوات من التمثيل، وأثارت انتقادات حادة من مؤسسات دولية مثل مجلس أوروبا.

بل إن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وصفت هذه السياسة بأنها تقييد مفرط للتمثيل السياسي.

وفي سياق إندونيسيا المتعدد، تُظهر هذه التجارب المقارنة أن رفع العتبة بشكل كبير قد يؤدي إلى تعميق عجز التمثيل.

ويمكن سلوك طريق وسط أكثر عقلانية عبر تحسين التصميم المؤسسي للبرلمان بآليات أخرى، مثل تشديد شروط تشكيل الكتل البرلمانية وتنظيم إدارة الائتلافات السياسية بحيث تصبح أكثر استقراراً ومساءلة.

هذا النهج يتيح تعزيز فعالية العمل التشريعي مع الحفاظ في الوقت نفسه على مبدأ مساواة الأصوات بوصفه أساس الديمقراطية.

وخلاصة القول إن الجدل حول العتبة البرلمانية لا يقتصر على مسألة رقمية فحسب، بل يمس جوهر اتجاه الديمقراطية في إندونيسيا: كيف يمكن تصميم النظام السياسي بحيث يحقق إدارة فعالة، مع ضمان تمثيل عادل لكل مواطن.

وقد نُشر هذا المقال في صحيفة كومباس يوم الثلاثاء، 3 مارس 2026.