مصيدة الدخل المتوسط وأزمة الإنتاجية الوطنية
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين
عضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة الخبراء الاقتصاديين الإسلاميين في إندونيسيا (IAEI)
عضو الهيئة الإدارية للجمعية الإندونيسية لعلماء الاقتصاد (ISEI) فرع جاكرتا
موجه ومستشار في معهد تطوير الاقتصاد والأمة التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)
تقف إندونيسيا حاليًا عند مفترق طرق تاريخي. فمن ناحية، تُظهر مختلف المؤشرات الاقتصادية الكلية إنجازات تستحق التقدير؛ حيث يستقر النمو الاقتصادي نسبيًا عند حدود 5 في المائة، والتضخم تحت السيطرة، ومعدل البطالة السافر يتجه نحو الانخفاض، فضلاً عن عودة مكانة إندونيسيا إلى مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى. وفي عام 2025، بلغ دخل الفرد في إندونيسيا حوالي 5083 دولارًا أمريكيًا. ومع ذلك، وخلف هذه الأرقام التي تبدو مشجعة، تكمن مشكلة هيكلية أكثر خطورة تتعلق بتباطؤ الإنتاجية الوطنية. وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة لأن تاريخ التنمية الاقتصادية العالمية يظهر أن العديد من الدول كانت قادرة على النمو بسرعة عندما كانت فقيرة، لكنها فقدت زخمها بعد دخولها مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط. وتُعرف هذه الظاهرة باسم middle-income trap أو مصيدة الدخل المتوسط.
وقد حذر البنك الدولي في تقرير التنمية العالمية 2024 من أن نسبة صغيرة فقط من بين مئات الدول النامية التي نجحت في الوصول إلى الدخل المتوسط، تمكنت من القفز لتصبح دولاً متقدمة. فمنذ عام 1990، لم ينجح سوى نحو 34 دولة فقط في الخروج من هذه المصيدة، في حين ما زالت بقية الدول عالقة في المكانة نفسها لعقود من الزمن. والسؤال الذي يطرح نفسه بجدية اليوم هو: هل تتحرك إندونيسيا نحو مصاف الدول المتقدمة أم أنها عالقة في مصيدة الدخل المتوسط؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد بشكل أساسي على كلمة واحدة قد تبدو تكنوقراطية، لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية غاية في الأهمية، ألا وهي: الإنتاجية.
وفي العديد من النقاشات الاقتصادية، غالبًا ما تتراجع شعبية "الإنتاجية" مقارنة بـ "النمو الاقتصادي"، رغم العلاقة الوثيقة التي تربط بينهما. فالنمو الاقتصادي يمكن أن يحدث نتيجة عوامل متعددة، بدءًا من زيادة الاستهلاك المحلي، والإنفاق الحكومي، والاستثمارات، وصولاً إلى ارتفاع أسعار السلع العالمية. ومع ذلك، فإن النمو المستدام حقًا يرتكز دائمًا في نهاية المطاف على زيادة الإنتاجية. فالإنتاجية في جوهرها هي القدرة على تحقيق قيمة مضافة أكبر باستخدام الموارد نفسها. فالعامل الذي يمكنه إنتاج output (مخرجات) أكثر في الوقت نفسه يُعد أكثر إنتاجية. والشركة التي تستطيع إنتاج سلع ذات جودة أعلى وبتكلفة أكثر كفاءة تُوصف أيضًا بأنها أكثر إنتاجية. وبالمثل، لا يمكن اعتبار الدولة متقدمة إلا إذا كانت قادرة على خلق قيمة اقتصادية أكبر من الموارد التي تمتلكها.
تكمن المشكلة في أن الإنتاجية في إندونيسيا تنمو بمعدل أبطأ بكثير من التوقعات المطلوبة لتصبح دولة متقدمة. وخلال العقدين الماضيين، نجحت إندونيسيا بالفعل في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، بيد أن الاستقرار لا يعادل التحول الهيكلي بالضرورة. وتُشير مؤشرات عديدة إلى أن البنية الاقتصادية لإندونيسيا لم تشهد تغييرًا جوهريًا سريعًا يكفي لانتشالها من مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط. فنحن لا نزال نعتمد بشكل مفرط على الاستهلاك المحلي كمحرك رئيسي للنمو، حيث تساهم نفقات الاستهلاك العائلي بشكل مستمر بأكثر من 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (PDB). وعلى الرغم من أهمية الاستهلاك في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، فإنه لم تنجح أي دولة في التحول إلى دولة متقدمة لمجرد أن مواطنيها يقبلون على التسوق بنشاط. إن الدول المتقدمة تولد من رحم قدرة مجتمعاتها على خلق قيمة مضافة تتسامى باستمرار عبر الابتكار، والتكنولوجيا، والمنتجات الصناعية فائقة التقنية، والمعرفة التي تمتلك ميزة تنافسية عالمية. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام إندونيسيا.
وعندما يجري النقاش حول مصيدة الدخل المتوسط، يظن الكثيرون أن المشكلة الأساسية تكمن في انخفاض دخل المجتمع، في حين أن المسألة في الواقع هي أكثر تعقيدًا بكثير. فالدول الفقيرة عادة ما تنمو بسرعة لامتلاكها عمالة رخيصة التكلفة؛ حيث يأتي المستثمرون للاستفادة من تكاليف الإنتاج المنخفضة، فتنبعث الصناعات التحويلية، وتزداد فرص العمل، ويرتفع دخل الأفراد. ولكن بمجرد ارتفاع الدخل، تلحق به أجور العمالة بالارتفاع. وعند هذه النقطة، تبدأ ميزة التكلفة الرخيصة في التلاشي، وتفقد الدولة قدرتها التنافسية مقارنة بالدول الأكثر فقرًا. وفي الوقت ذاته، تكون هذه الدولة لم تصل بعد إلى القدرة على منافسة الدول المتقدمة التي تهيمن على التكنولوجيا والابتكار. ونتيجة لذلك، تقع الدولة في موقف غير مستقر؛ فهي باهظة التكلفة لمنافسة الدول الفقيرة، وليست مبتكرة بما يكفي لمنافسة الدول المتقدمة. وهذا الوضع عينه هو ما يُطلق عليه مصيدة الدخل المتوسط.
ولا تظهر أزمة الإنتاجية دائمًا في شكل انكماش اقتصادي واضح، بل كثيرًا ما تتسلل ببطء ودون أن تُلحظ عبر عدة أعراض رئيسية. ويتمثل العرض الأول في تباطؤ مساهمة قطاع الصناعات التحويلية في الاقتصاد وتباطؤ التحول الهيكلي للاقتصاد. فالعجلات التصنيعية، التي ينبغي أن تكون المحرك الأساسي لخلق القيمة المضافة، لم تتطور بالسرعة المأجولة. علماً بأن جميع الدول التي نجحت في التحول إلى دول متقدمة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين، قد مرت بمرحلة تصنيع قوية وعميقة. وتتمتع الصناعات التحويلية بقدرة فريدة لا تتوفر في قطاعات أخرى كثيرة، وهي خلق فرص عمل بأعداد هائلة، وتحفيز نقل التكنولوجيا، ورفع مهارات القوى العاملة، فضلًا عن تعزيز الروابط المتشابكة بين الصناعات المختلفة.
تمتلك إندونيسيا بالفعل قاعدة تصنيعية كبيرة نسبيًا مقارنة ببعض الدول النامية الأخرى. ومع ذلك، فإن مساهمة هذه الصناعات في الاقتصاد لم تسجل القفزة الكفيلة بدفع عجلة التحول الاقتصادي الشامل، بل تميل إلى الركود أو التراجع مقارنة بالحقبة السابقة. وفي حالات كثيرة، لا تزال الصادرات الإندونيسية تهيمن عليها المواد الخام أو المنتجات ذات القيمة المضافة المحدودة. ويعتبر الاعتماد على السلع الأساسية والموارد الطبيعية بمثابة سلاح ذو حدين يتسم بدورية تقلبات قوية؛ فعندما ترتفع أسعار السلع، ينمو الاقتصاد بشكل أسرع، ولكن عندما تنخفض، يتباطأ النمو فورًا. وهذا الوضع يجعل النمو الاقتصادي هشًا للغاية وعرضة للعوامل الخارجية التي تقع تمامًا خارج نطاق السيطرة المحلية. والأشد نكيرًا وخوفًا هو أن الاعتماد على السلع والموارد الطبيعية غالبًا ما يثبط حوافز الابتكار، نظراً لشعور الفاعلين الاقتصاديين بالقدرة على تحقيق أرباح طائلة من الموارد الطبيعية دون حاجة لتطوير تقنيات جديدة.
ويتمثل العرض الثاني لأزمة الإنتاجية هذه في جودة الموارد البشرية والعمالة التي لم ترقَ بعد لتلبية متطلبات الاقتصاد الحديث. وطالما وُصفت "الهبة الديموغرافية" التي ستتمتع بها إندونيسيا حتى عام 2035 تقريبًا بأنها فرصة ذهبية وإمكانية هائلة نظراً لارتفاع نسبة السكان في سن العمل والإنتاج. ومع ذلك، فإن الهبة الديموغرافية مجرد إمكانية كامنة وليست ضمانة مكتسبة؛ فهي لن تتحول إلى بركة ونعمة إلا إذا امتلكت القوى العاملة المتاحة المهارات المتوافقة مع احتياجات الصناعة المستقبلية. وهنا نواجه مشكلة بالغة الجدية؛ إذ تُظهر المسوح المختلفة فجوة وعدم توافق (mismatch) واسع النطاق بين عالم التعليم وعالم الصناعة. فالكثير من الخريجين يجدون صعوبة في دخول سوق العمل لأن المهارات التي يحملونها لا تطابق متطلبات القطاعات الصناعية، بينما تشكو شركات عديدة من ندرة العثور على عمالة تمتلك كفاءات في مجالات التكنولوجيا، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، أو المهارات الهندسية المتقدمة.
وتوضح هذه الظاهرة أننا غالبًا ما نكتفي بالحديث عن أعداد الخريجين ونباهي بارتفاع نسب الالتحاق بالتعليم، دون التفات كافٍ إلى ما إذا كانت العملية التعليمية تنتج حقًا أفرادًا مبدعين، ومبتكرين، وقادرين على التكيف. والواقع أنه في عصر الذكاء الاصطناعي الحالي، لم تعد المهارات الفنية البحتة كافية وحدها؛ فسوق العمل بات يتطلب بشكل متزايد القدرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعاون، والتواصل، بجانب الوعي بأهمية التعلم مدى الحياة. فال تكنولوجيا تتطور بسرعة البرق بحيث إن المهارات ذات الصلة اليوم قد لا تكون كذلك في غضون السنوات الخمس المقبلة. ولذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم في إندونيسيا ليس مجرد توسيع نطاق الوصول إليه، بل الارتقاء بجودة التعلم وضمان ألا تتحول الهبة الديموغرافية إلى عبء ديموغرافي.
أما العرض الثالث الذي يؤكد أزمة الإنتاجية هذه، فهو انخفاض طاقة الابتكار الوطنية. تنظر العديد من الدول النامية إلى الابتكار كأمر رفاهي لا يتعين التفكير فيه إلا بعد أن تصبح الدولة غنية، في حين أن العكس هو الصحيح تمامًا؛ فالدول تصبح غنية بفضل قدرتها على الابتكار أولاً. إن أكبر الشركات في العالم اليوم لم تُبنَ على أساس ملكية الموارد الطبيعية، بل على القدرة على ابتكار تكنولوجيات ومعارف جديدة، حتى إن القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا العالمية اليوم تتجاوز القيمة الاقتصادية للعديد من الدول النامية مجتمعة. وتؤكد هذه الحقيقة أن مصادر الثروة العالمية قد تحولت من الملكية المادية كال أراضي والسلع إلى السيطرة على التكنولوجيا والابتكار.
ولا تزال إندونيسيا تواجه مهامًا شاقة في ملف الابتكار هذا؛ إذ لا يزال الإنفاق على البحث والتطوير (R&D) منخفضًا نسبيًا مقارنة بالدول التي نجحت في تحقيق تحول اقتصادي مشهود. كما أن عدد براءات الاختراع، والبحوث التطبيقية المنشورة، وتسويق الابتكارات، بجانب التعاون بين الجامعات والقطاعات الصناعية لا يزال دون المستوى المأمول. ونتيجة لذلك، ما زالت مصانع وقطاعات وطنية عديدة تلعب دور المستخدم للتكنولوجيا لا المبتكر لها. كما ينتهي المطاف بالكثير من البحوث والدراسات كمجرد تقارير أكاديمية منسية على رفوف المكتبات دون أن تجد طريقها للتطبيق التجاري أو الاستفادة الفعلية من قِبل عالم الأعمال والمجتمع. والجدير بالذكر أن البحث العلمي يجب أن يكون الوقود الأساسي للإنتاجية الذي يولد الابتكار، ويرفع الكفاءة، ويعزز القدرة التنافسية، ويقود إلى نمو اقتصادي مستدام؛ فهذه السلسلة المتصلة هي التي شكلت لقرون ركيزة نجاح الدول المتقدمة.
وعلى الرغم من هذه التحديات الجمة، لا تزال إندونيسيا تمتلك فرصًا هائلة للخروج من مصيدة الدخل المتوسط. وتتمثل إحدى كبرى هذه المقومات في الهبة الديموغرافية التي لم تُستغل بالكامل بعد، في وقت تواجه فيه العديد من الدول المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية معضلات حادة متمثلة في شيخوخة السكان وانكماش أعداد المواطنين في سن العمل والإنتاج. وتتمتع إندونيسيا بوضع مغاير بوجود الملايين من الأيدي العاملة الشابة التي يمكن أن تقود قاطرة الاقتصاد. بيد أن هذه الفرصة محددة بوقت أشبه بنافذة تظل مفتوحة لفترة معينة فقط؛ فإذا لم تُستغل بالشكل الأمثل، فإنها ستتبدد إلى الأبد بمجرد أن يبدأ المجتمع في الشيخوخة. وبناءً عليه، فإن إصلاح التعليم، والارتقاء بجودة القوى العاملة، وتعزيز الإنتاجية أمور يجب تنفيذها الآن وليس غدًا.
فضلاً عن ذلك، فإن استراتيجية "التصنيع المحلي للمواد الخام" (Hilirisasi) التي تنفذها الحكومة حاليًا تحتاج إلى تدعيم مستمر برؤية أبعد مدى؛ إذ لا ينبغي أن تتوقف هذه الاستراتيجية عند حدود معالجة المواد الخام وتحويلها إلى منتجات نصف مصنعة، بل يجب توجيهها لبناء صناعات قائمة على التكنولوجيا قادرة على إنتاج سلع ذات قيمة مضافة عالية. ولا يكفي إندونيسيا أن تكون مجرد مورد للمواد الخام لسلسلة الإنتاج العالمية، بل يجب أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من سلسلة الابتكار العالمية. وفي سياق صناعة السيارات الكهربائية على سبيل المثال، يجب ألا يُقاس النجاح بمقدار النيكل المصدر أو المعالج فحسب، بل بمدى قدرة إندونيسيا على امتلاك تكنولوجيا البطاريات، وأنظمة السيارات الكهربائية، والابتكارات الفرعية المرتبطة بها. فالقيمة المضافة الأكبر لا تأتي دائمًا من المواد الخام، بل تكمن في التكنولوجيا، والتصميم، وحقوق الملكية الفكرية. ومن ثم، يتعين على بوصلة التنمية الاقتصادية أن تتحول من مجرد استغلال الموارد الطبيعية إلى إنتاج المعرفة.
وفوق ذلك كله، هنالك عامل حاسم غالبًا ما يُغفل عند مناقشة الإنتاجية، ألا وهو جودة المؤسسات؛ إذ لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على مستويات إنتاجية عالية على المدى الطويل دون الاستناد إلى مؤسسات قوية. فال بيروقراطية البطيئة، وتداخل القوانين واللوائح، وغياب اليقين القانوني، وممارسات الفساد تشكل حجر عثرة خطيرًا أمام الإنتاجية الوطنية. ويمضي الكثير من أصحاب الأعمال طاقاتهم ليس في الابتكار أو تحسين كفاءة المنتج، بل في إنهاء المعاملات الإدارية المعقدة التي كان من الممكن تسويتها بآليات أكثر بساطة. إن الإنتاجية الوطنية لا تحددها مهارة الأفراد فحسب، بل تمليها جودة المنظومة التي تحكم الأنشطة الاقتصادية. ولذلك، فإن الإصلاح البيروقراطي ليس مجرد أجندة للحوكمة الإدارية، بل هو أجندة اقتصادية حقيقية وفاعلة؛ فكل إجراء يتم اختصاره يعني توفيرًا في التكاليف، وكل لائحة يتم تبسيطها تعني زيادة في الكفاءة، وكل مظهر من مظاهر اليقين القانوني يعني زيادة ثقة المستثمرين التي تصب في نهاية المطاف في رفع كاهل الإنتاجية.
إن تحدي إندونيسيا في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على القضاء على الفقر المدقع كما كان في الماضي، بل يكمن في ضمان قدرة الدولة على السير بخطى ثابتة لتصبح دولة متقدمة. وهذه القفزة الكبرى لن تحدث تلقائيًا، بل تتطلب تحولاً جذريًا في طريقة تفكيرنا. لقد أفرطنا طويلاً في الاحتفاء بأرقام النمو الاقتصادي دون إيلاء اهتمام كافٍ بجودة هذا النمو. نسعد كثيراً عندما يرتفع الاستهلاك، لكننا لا نلتفت للإنتاجية؛ ونبتهج لتدفق الاستثمارات، لكننا ننسى التأكد مما إذا كانت هذه الاستثمارات تسهم حقًا في رفع القدرات التكنولوجية الوطنية. ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الدول المتقدمة ليست هي الأكثر استهلاكًا، بل هي الأكثر إنتاجية في توليد القيمة من مواردها عبر الابتكار والارتقاء بجودة إنسانها.
تمتلك إندونيسيا كافة المقومات لتقفي أثر هذه النجاحات، بيد أن الوقت لن ينتظرنا؛ فالهبة الديموغرافية لن تدوم إلى الأبد، وزخم التحول الاقتصادي لن يتكرر مرتين. وإذا لم يجرِ الرفع من مستوى الإنتاجية الوطنية بشكل جدي وسريع، فإن المستهدفات الكبرى لرؤية "إندونيسيا الذهبية 2045" تقع تحت طائلة التحول إلى مجرد شعارات براقة على الورق. وبناءً عليه، يجب وضع قضية الإنتاجية كأولوية قصوى وأجندة وطنية رئيسية تحظى بالأهمية نفسها الممنوحة لتطوير البنية التحتية، والاستقرار المالي، والنمو الاقتصادي. ذلك أنه في نهاية المطاف، لن يتحدد مستقبل إندونيسيا بحجم ما نمتلكه من موارد طبيعية، بل بمدى إنتاجيتنا وحكمتنا في إدارتها واستغلالها. وهنا يكمن الرهان الأكبر لهذه الأمة: إثبات أن إندونيسيا قادرة على القفز خارج مصيدة الدخل المتوسط والتحول إلى دولة متقدمة مدعومة بسواعد وعقول بشرية منتجة، ومبتكرة، وتمتلك قدرة تنافسية عالمية. وإذا ما تحقق ذلك، فلن تصبح "إندونيسيا الذهبية 2045" مجرد حلم يراودنا، بل حتمية تاريخية لا مراء فيها.
نُشر هذا المقال في عمود Kompas يوم الخميس، يونيو 2026.
