مستقبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في خضمّ الاضطرابات الاقتصادية
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين
عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي
عضو جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين – فرع جاكرتا
الموجّه في معهد تنمية الاقتصاد والشريعة التابع لمجلس العلماء الإندونيسي
في خضمّ مختلف الاضطرابات الاقتصادية العالمية، بدءًا من حالة عدم اليقين الجيوسياسي، مرورًا بالتحولات التكنولوجية، وصولًا إلى تغيّر سلوك المستهلكين، تجد المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة نفسها مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي. فهذه المشروعات ليست مجرد قطاع اقتصادي عادي، بل تمثل الأساس الذي تستند إليه الحياة الاقتصادية في إندونيسيا. والسؤال الذي يزداد إلحاحًا اليوم هو: هل ستظل هذه المشروعات العمود الفقري للاقتصاد، أم ستصبح أول ضحايا موجة الاضطرابات المتسارعة؟
تشير أحدث البيانات إلى أن المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ما تزال تهيمن على هيكل الاقتصاد الوطني. إذ يبلغ عددها أكثر من 65 مليون وحدة اقتصادية، وتساهم بنحو 61 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما تستوعب حوالي 97 بالمئة من القوى العاملة الوطنية. وتؤكد هذه الأرقام أن الاقتصاد الإندونيسي يكاد يفقد أساسه من دون هذه المشروعات.
غير أن وراء هذه الهيمنة مفارقة كبيرة، فهي وإن كانت كثيرة العدد، إلا أن معظمها ما يزال في نطاق المشروعات الصغيرة جدًا. فحوالي 99.7 بالمئة منها تُصنف ضمن فئة المشروعات المتناهية الصغر، ما يعني أن غالبية أصحاب الأعمال يعيشون في أوضاع هشة، بإنتاجية منخفضة، وإمكانيات محدودة، وقدرة ضعيفة على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
وفي هذا السياق تجد الاضطرابات الاقتصادية بيئتها المناسبة. فالاضطراب اليوم لم يعد يحدث بصورة تدريجية، بل أصبح يتطور بشكل متسارع وأُسّي. إذ غيّرت التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة، واقتصاد المنصات، بصورة جذرية أساليب الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. ولم يعد عالم الأعمال يتحرك بصورة خطية، بل عبر قفزات كبيرة غالبًا ما تكون غير متوقعة.
وبالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإن الاضطراب يحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، يفتح فرصًا واسعة مثل توسيع الوصول إلى الأسواق، وتحقيق الكفاءة التشغيلية، وتسريع الابتكار في المنتجات. وقد ساعدت الرقمنة بعض المشروعات على دخول منظومة التجارة الإلكترونية وتوسيع نطاق أسواقها.
لكن من جهة أخرى، أدت هذه التحولات إلى منافسة أكثر حدة، إذ لم تعد المشروعات المحلية تنافس نظيراتها داخل البلاد فقط، بل أصبحت تواجه أيضًا المنتجات العالمية التي تدخل عبر المنصات الرقمية. ومن دون استعداد كافٍ، قد تتحول الرقمنة إلى فخ يجبر هذه المشروعات على خوض حروب أسعار تستنزف هوامش أرباحها. ولذلك، فإن الرقمنة ليست مجرد حل، بل أصبحت أيضًا ساحة تنافس جديدة.
ومن بين الشعارات الكبرى في السياسات الاقتصادية الإندونيسية مفهوم “ارتقاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة”. إذ تسعى الحكومة إلى تحويل هذه المشروعات من فئة متناهية الصغر إلى صغيرة، ومن صغيرة إلى متوسطة، وصولًا إلى قدرتها على اختراق الأسواق العالمية. غير أن الواقع الميداني يثبت أن هذه العملية ليست سهلة كما يُتصور.
فهيكل المشروعات في إندونيسيا ما يزال يهيمن عليه الطابع المعيشي أو “الاكتفائي”، أي أن أغلب المشروعات تهدف فقط إلى تلبية الاحتياجات اليومية لا إلى التوسع والنمو. كما أن نمو عدد المشروعات ما يزال شبه راكد، حيث لم يتجاوز نمو القطاع غير الزراعي في عام 2025 نسبة 0.07 بالمئة، ما يدل على أن التحول الهيكلي لم يتحقق بصورة ملموسة.
ولا تكمن المشكلة في الأفراد فقط، بل أيضًا في البيئة الاقتصادية المحيطة. فصعوبة الحصول على التمويل، وضعف الثقافة الرقمية، والعوائق التنظيمية، كلها تحديات هيكلية معقدة. كما أن الرقمنة كثيرًا ما تُقدَّم باعتبارها الحل السحري لجميع مشكلات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، عبر برامج “التحول الرقمي” وتوسّع الأسواق الإلكترونية وتوفير التدريبات التقنية، غير أن هذا الطرح غالبًا ما يكون تبسيطيًا.
فالدخول إلى المنصات الرقمية لا يعني تلقائيًا تحسن مستوى الرفاه الاقتصادي للمشروعات. بل إن العديد من أصحاب الأعمال وقعوا في منافسة سعرية قاسية، وتكاليف لوجستية مرتفعة، واعتماد مفرط على خوارزميات المنصات الرقمية. وإضافة إلى ذلك، لا تزال نسبة محدودة فقط من المشروعات قادرة على استغلال التكنولوجيا بصورة مثلى، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المشروعات القادرة على التكيف وتلك المتأخرة.
وإذا كان هناك عامل حاسم يحدد مستقبل هذه المشروعات، فإنه يتمثل في الإنتاجية. فطوال السنوات الماضية، كان التركيز ينصب على عدد المشروعات وقدرتها على توفير فرص العمل، بينما لم تحظَ الإنتاجية بالاهتمام الكافي، رغم أنها المفتاح الأساسي لتعزيز التنافسية وتحسين مستويات المعيشة.
ولا تزال الكثير من المشروعات تعمل بتكنولوجيا بسيطة، وإدارة محدودة، ووصول ضيق إلى الأسواق، ما يجعل القيمة المضافة التي تنتجها منخفضة نسبيًا. ويتوافق هذا مع حقيقة أن معظم الوظائف في القطاع غير الرسمي، بما في ذلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تتميز بقيمة مضافة متواضعة. ومن دون رفع مستوى الإنتاجية، ستبقى هذه المشروعات عالقة في فخ الأعمال الصغيرة.
كما تتعزز الاضطرابات الاقتصادية بفعل الانفتاح المتزايد للعولمة. فالمنتجات المستوردة، خصوصًا القادمة من الدول ذات تكاليف الإنتاج المنخفضة، أصبحت تدخل بسهولة إلى السوق المحلية عبر التجارة الإلكترونية العابرة للحدود. وبالنسبة للمستهلكين، يمنحهم ذلك خيارات أوسع وأسعارًا أقل، لكنه في المقابل يشكل تهديدًا خطيرًا للمشروعات المحلية.
ولا تزال القدرة التنافسية للمشروعات الإندونيسية ضعيفة نسبيًا، وهو ما يظهر في مساهمتها التصديرية التي لا تتجاوز حوالي 15.7 بالمئة. وهذا يدل على أنها لم تتمكن بعد من أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الأسواق العالمية. ومن دون سياسات حماية مناسبة وتعزيز للقدرات، فإن هذه المشروعات مهددة بأن تصبح مجرد متفرج داخل سوقها المحلية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا.
السيناريو الأول متفائل، حيث تنجح هذه المشروعات في التكيف مع الاضطرابات من خلال رفع الإنتاجية، وتحقيق رقمنة شاملة، والاستفادة من سياسات داعمة. وفي هذه الحالة، لن تقتصر أدوارها على البقاء فقط، بل ستصبح مصدرًا للابتكار والنمو الاقتصادي.
أما السيناريو الثاني فهو معتدل، بحيث تستمر هذه المشروعات كعمود فقري للاقتصاد، ولكن من دون تحول جوهري. إذ ستظل توفر فرص العمل، لكن بإنتاجية منخفضة وقيمة مضافة محدودة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في الصورة المتشائمة، حيث تتعرض هذه المشروعات للإقصاء بسبب ضغوط المنافسة، والرقمنة غير الشاملة، والعولمة، مما قد يؤدي إلى تفاقم التفاوت الاقتصادي.
وفي مواجهة هذه الاضطرابات، لم يعد من الممكن التعامل مع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأساليب تقليدية. فهناك حاجة إلى استراتيجيات أكثر استدامة وبُعدًا هيكليًا.
أولًا، ينبغي تحويل التركيز من مجرد زيادة عدد المشروعات إلى تحسين جودتها وإنتاجيتها.
ثانيًا، يجب النظر إلى الرقمنة باعتبارها وسيلة لا غاية، مع توفير مرافقة حقيقية للمشروعات حتى تتمكن من استخدام التكنولوجيا بصورة استراتيجية.
ثالثًا، تصبح إصلاحات السياسات أمرًا أساسيًا، بما يشمل توفير تنظيمات تدعم التوسع، وإتاحة تمويل أكثر شمولًا، ودمج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإمداد الخاصة بالصناعات الكبرى.
رابعًا، يمثل تعزيز المنظومة الاقتصادية المحيطة عنصرًا حاسمًا، لأن هذه المشروعات تحتاج إلى دعم متكامل من الحكومة والقطاع الخاص والأكاديميين والمجتمع.
تقف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا اليوم عند نقطة حرجة. فهي تملك فرصة لتكون من الفائزين في عصر الاضطرابات، لكنها قد تتحول أيضًا إلى ضحية إذا لم تستطع التكيف. وفي النهاية، سيتحدد التاريخ بالخيارات التي تُتخذ اليوم: هل ستبقى هذه المشروعات مجرد دعامة للاقتصاد، أم ستتحول إلى المحرك الرئيسي للتحول الاقتصادي؟
إن مستقبل الاقتصاد الإندونيسي يعتمد بدرجة كبيرة على مستقبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
نُشر هذا المقال في زاوية صحيفة Kompas يوم الاثنين (04/05/2026).
(إعداد: ديستيان سوجاروكو)
