قياس مدى أهمية إنشاء هيئة إدارة أموال الأمة
- 05 مايو 2026
- 7 قراءة دقيقة
- 23
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية،
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين،
عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي،
عضو جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين – فرع جاكرتا)
أعادت فكرة إنشاء “هيئة إدارة أموال الأمة” (LPDU) التي طرحها وزير الشؤون الدينية Nasaruddin Umar إحياء نقاش قديم لم يُحسم بالكامل بعد، وهو: كيف يمكن إدارة الإمكانات الهائلة لأموال الأمة بحيث تُحدث أثرًا حقيقيًا في رفاهية المجتمع؟
من جهة، تبدو هذه الفكرة واعدة بل وتحمل طابعًا استشرافيًا. لكن من جهة أخرى، يبرز سؤال جوهري: هل يُعد إنشاء مؤسسة جديدة هو الحل المناسب فعلًا، أم أن المشكلة الأساسية تكمن في الحوكمة والتنسيق بين المؤسسات القائمة بالفعل؟
ولتقييم مدى أهمية هذه الفكرة، لا بد من اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضًا الأبعاد المؤسسية، والثقة العامة، والحوكمة، ومدى ارتباطها بمنظومة الاقتصاد الإسلامي. ذلك أن نجاح أي فكرة لا يُقاس بحداثتها، بل بقدرتها على معالجة المشكلات بصورة دقيقة وفعّالة.
تمتلك إندونيسيا إمكانات ضخمة فيما يتعلق بأموال الأمة. فالزكاة، والإنفاق، والصدقات، والأوقاف، وغيرها من الأموال الاجتماعية الدينية، تشكل منظومة خيرية إسلامية ديناميكية. وتشير العديد من الدراسات إلى أن إمكانات الزكاة الوطنية قد تصل إلى مئات التريليونات من الروبيات سنويًا. كما أن الوقف، سواء في شكل أصول أو أموال نقدية، يمتلك بدوره إمكانات كبيرة.
ومع ذلك، فإن حجم التحصيل الفعلي لهذه الأموال لا يزال بعيدًا عن المستوى الأمثل. وتعكس الفجوة بين الإمكانات والواقع مشكلات هيكلية أعمق، مثل ضعف الوعي المجتمعي، وتراجع الثقة العامة، وضعف التكامل المؤسسي.
وفي الوقت الراهن، لا تزال إدارة أموال الأمة تعاني من التشتت. فالزكاة تُدار من قبل الهيئة الوطنية للزكاة (BAZNAS) ومختلف مؤسسات جمع الزكاة (LAZ)، بينما تخضع الأوقاف لإدارة الهيئة الإندونيسية للوقف (BWI)، في حين تُدار أموال الحج عبر هيئة إدارة أموال الحج (BPKH). وإلى جانب ذلك، توجد أيضًا مؤسسات خيرية عديدة تعمل بصورة مستقلة.
ولهذا التشتت جانبان؛ فمن ناحية يعكس التنوع والابتكار، لكنه من ناحية أخرى يؤدي إلى أوجه قصور مثل تداخل البرامج، والمنافسة في جمع التبرعات، وضعف تكامل بيانات المستفيدين. وفي هذا السياق ظهرت فكرة LPDU باعتبارها محاولة للتوحيد والتكامل، على أمل جمع مختلف مصادر أموال الأمة ضمن منظومة أكثر تكاملًا واستراتيجية.
ومع ذلك، يبقى السؤال المهم مطروحًا: هل ينبغي تحقيق هذا التكامل عبر إنشاء مؤسسة جديدة؟
تشير الخبرات المؤسسية في إندونيسيا إلى أن تأسيس مؤسسات جديدة لا يؤدي دائمًا إلى الكفاءة. ففي كثير من الحالات، يؤدي ذلك إلى تعقيد البيروقراطية، وصعوبة التنسيق، وغموض المساءلة.
وفي منظور الاقتصاد المؤسسي، يُعرف هذا الوضع بمصطلح “التضخم المؤسسي”، أي وجود عدد كبير من المؤسسات ذات الوظائف المتداخلة، مما يؤدي إلى تراجع فعالية النظام. وإذا لم تُصمم LPDU بعناية، فقد تتحول إلى عنصر جديد يزيد من تعقيد المنظومة القائمة بدلًا من حل مشكلاتها.
ولهذا، فإن أهمية LPDU لا ينبغي أن تُبنى فقط على الحاجة إلى التكامل، بل يجب أن تراعي أيضًا مخاطر المركزية المفرطة. فالتكامل الزائد من دون تصميم مناسب قد يحدّ من الابتكار والمرونة اللذين شكّلا طوال الوقت مصدر قوة للمؤسسات الخيرية.
ومن الأخطاء الشائعة في رسم السياسات الاعتقاد بأن المشكلات الهيكلية لا تُحل إلا عبر تغييرات هيكلية. والحقيقة أن ليس كل المشكلات تتطلب إنشاء مؤسسات جديدة. ففي سياق أموال الأمة، تكمن المشكلة الأساسية في جودة الحوكمة.
ولا تزال قضايا الشفافية، والمساءلة، والاحترافية، والنزاهة، تمثل تحديات رئيسية. وتعتمد الثقة العامة بدرجة كبيرة على تصورات المجتمع تجاه هذه الجوانب. وحتى وإن لم تكن حالات إساءة استخدام الأموال واسعة النطاق، فإنها تكفي لإضعاف الثقة العامة بشكل ملحوظ.
وفي مثل هذه الظروف، فإن إنشاء مؤسسة جديدة من دون إصلاح الحوكمة قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات بدلًا من معالجتها. وعلى العكس، فإن التركيز على تحسين الحوكمة، من خلال تعزيز الشفافية، وإجراء تدقيقات مستقلة، والاستفادة من التكنولوجيا الرقمية، يمكن أن يرفع فعالية إدارة أموال الأمة دون الحاجة إلى إنشاء مؤسسة جديدة.
وغالبًا ما تُطرح تجربة هيئة إدارة أموال الحج (BPKH) كنموذج ناجح. فمع إدارتها لمئات التريليونات من الروبيات، استطاعت الحفاظ على الاستقرار والشفافية والاستدامة. غير أن نجاحها لم يكن بسبب إنشاء مؤسسة جديدة فحسب، بل بفضل وضوح التصميم المؤسسي، وتحديد الصلاحيات، وقوة أنظمة الرقابة.
ولم تواجه BPKH مشكلة تداخل الصلاحيات بسبب وضوح نطاق عملها. وهذه تجربة مهمة بالنسبة لـLPDU، إذ إن وضوح المهام يُعد شرطًا أساسيًا. ومن دون تمييز واضح للصلاحيات، قد تنشأ صراعات مع المؤسسات القائمة بالفعل.
وفي إدارة أموال الأمة، تُعد الثقة الركيزة الأساسية. فخلافًا للضرائب الإلزامية، تعتمد أموال الأمة على الطابع الطوعي. ومن دون ثقة، سيظل جمع الأموال راكدًا. وأكبر تحدٍّ أمام LPDU هو بناء هذه الثقة من الصفر، وهو أمر لا يتحقق بسرعة، بل يحتاج إلى الاستمرارية، والشفافية، وسجل إنجازات واضح.
ومن دون استراتيجية تواصل فعّالة وآليات مساءلة واضحة، قد يؤدي إنشاء LPDU إلى زيادة الشكوك العامة بدلًا من تعزيز المشاركة المجتمعية.
وفي إطار الاقتصاد الإسلامي، لا تقتصر إدارة أموال الأمة على جمع الأموال، بل تشمل أيضًا توزيعها بشكل عادل ومنتج. فمقاصد الشريعة تؤكد أهمية تحقيق المصلحة العامة، من خلال الحد من الفقر، وتحسين الرفاه، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
ولذلك، ينبغي ألا يقتصر دور LPDU على جمع الأموال، بل يجب أن تكون محفزًا للتنمية الاقتصادية للمجتمع. وينبغي توجيه الأموال ذات الطابع الاستهلاكي نحو استثمارات إنتاجية، وربط البرامج الاجتماعية بتمكين الاقتصاد المجتمعي، مع التركيز على الأثر طويل المدى. ومن دون هذا التوجه، قد تتحول LPDU إلى مجرد “بنك لأموال الأمة” من دون إسهام حقيقي في التحول الاجتماعي.
ومن بين الحجج القوية لتأسيس LPDU الحاجة إلى تكامل البيانات والرقمنة. إذ لا تزال بيانات المزكّين والمستحقين والمستفيدين موزعة بين مؤسسات متعددة، مما يسبب عدم الكفاءة واحتمالات تكرار المساعدات.
ويمكن لـLPDU أن تلعب دور مركز البيانات الوطني لأموال الأمة، عبر توظيف التكنولوجيا لتعزيز الشفافية وفعالية التوزيع. غير أن الرقمنة لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل تشمل أيضًا تغيير الثقافة المؤسسية، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز الالتزام بالشفافية المعلوماتية.
ومن ناحية أخرى، فإن إدارة الأموال الضخمة تحمل دائمًا خطر التسييس. ومن دون آليات قوية تضمن الاستقلالية، قد تتحول LPDU إلى أداة لخدمة المصالح السياسية. ولهذا، ينبغي أن يضمن التصميم المؤسسي استقلالية المؤسسة من خلال آليات شفافة لاختيار القيادات، ورقابة صارمة، وتقارير مفتوحة للجمهور.
وبالنظر إلى مختلف هذه الجوانب، يمكن اعتماد مقاربتين رئيسيتين.
الأولى: الإصلاح المؤسسي، عبر تعزيز التنسيق بين المؤسسات القائمة، وتحسين الحوكمة، ودمج البيانات من خلال منصة رقمية وطنية. ويُعد هذا الخيار أكثر واقعية وأقل مخاطرة.
الثانية: إنشاء مؤسسة جديدة. وإذا تقرر بالفعل تأسيس LPDU، فيجب أن تمتلك مهام واضحة ومختلفة، مثل أن تكون مركزًا لتكامل البيانات، أو منصة للابتكار في التمويل الاجتماعي، أو جهة لإدارة الاستثمارات الاجتماعية واسعة النطاق. وينبغي أن يستند هذا الخيار إلى دراسات شاملة، لا إلى اعتبارات سياسية فقط.
ولكي لا تبقى فكرة LPDU مجرد نقاش نظري، لا بد من اتخاذ خطوات استراتيجية، تشمل إجراء دراسات أكاديمية معمقة، ووضع خارطة طريق واضحة، وتصميم منظومة حوكمة شفافة، وضمان التكامل الرقمي، وبناء تواصل فعّال مع المجتمع. كما ينبغي أن تكون LPDU جزءًا من منظومة تعاونية، لا كيانًا يعمل بمعزل عن الآخرين.
وفي النهاية، فإن مسألة الحاجة إلى LPDU ليست قضية سوداء أو بيضاء، بل تقع في منطقة رمادية تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر. فالفكرة تستحق التقدير باعتبارها محاولة للبحث عن حلول، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى نظرة نقدية متوازنة.
فإذا صُممت بصورة جيدة، يمكن أن تصبح LPDU أداة مهمة لتعظيم الاستفادة من أموال الأمة وتحسين رفاهية المجتمع. أما إذا أُنشئت من دون إعداد كافٍ، فقد تتحول إلى عبء جديد داخل منظومة معقدة أصلًا.
وفي ظل الآمال الكبيرة للمجتمع، فإن المطلوب ليس مجرد مؤسسة جديدة، بل منظومة حوكمة قادرة على تحويل الإمكانات إلى أثر ملموس. لأن معيار النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال التي تُجمع، بل بحجم التغيير الذي يشعر به الناس في حياتهم اليومية.
نُشر هذا المقال في CNBC Indonesia يوم الأحد، 03 مايو 2026.
حقوق الصورة: (CNBC Indonesia / فيصل رحمن)
