قرصنة الكتب وموت الطبقة الوسطى المثقفة

قرصنة الكتب وموت الطبقة الوسطى المثقفة

أحمد ثلابي خارلي
(أستاذ في UIN Syarif Hidayatullah Jakarta)

في مختلف منصات التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، تُباع الكتب المقرصنة بأسعار زهيدة جدًا. فبعضها يُسوَّق مقابل 10 آلاف إلى 20 ألف روبية فقط. ويمكن شراء كتاب نتج عن سنوات طويلة من البحث بسعر أرخص من كوب قهوة في أحد مراكز التسوق. كما تنتشر ملفات PDF بحرية داخل مجموعات محادثات الطلاب، ولا تزال نسخ الكتب الضخمة بالتصوير الورقي مشهدًا يوميًا مألوفًا حول الجامعات. وقد أصبحت هذه الظاهرة تُمارَس علنًا، وشيئًا فشيئًا تُقبَل بوصفها أمرًا طبيعيًا في الحياة الأكاديمية والفضاء الرقمي.

لكن وراء هذا السعر الرخيص توجد عملية طويلة كثيرًا ما تغيب عن الانتباه. فالكتاب يولد من خلال جهد الكاتب الذي يصوغ الأفكار ويجري البحوث، والمحرر الذي يحافظ على جودة النص، والمترجم الذي يفتح أبواب المعرفة عبر اللغات، والرسام والمصمم اللذين يجعلان المعرفة أكثر تواصلًا ووضوحًا، إضافة إلى دار النشر التي تتحمل تكاليف الإنتاج والتوزيع.

وعندما تُقرصن الكتب وتُتداول بحرية، فإن المتضرر ليس فقط سوق النشر، بل أيضًا استمرارية الحياة الاقتصادية للفئات الاجتماعية التي تعمل حول إنتاج المعرفة.

إن إندونيسيا اليوم تتحدث عن التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الإبداعي، ورؤية “إندونيسيا الذهبية 2045”. وكل هذه المشاريع الكبرى تحتاج إلى قاعدة معرفية قوية. وهذه القاعدة لا تُبنى إلا عبر تقاليد القراءة، والبحث، والكتابة، والنشر، واحترام العمل الفكري.

وفي الوقت نفسه، تواجه المهن القائمة على المعرفة ضغوطًا اقتصادية متزايدة. فأصبح من الصعب أكثر فأكثر أن يكون تأليف الكتب، أو ترجمة الأعمال، أو تحرير النصوص، أو إجراء البحوث العميقة، مصدرًا مستدامًا للعيش الكريم.

تكشف قرصنة الكتب عن مشكلة أعمق، تتمثل في هشاشة الطبقة الوسطى المثقفة في إندونيسيا. فهذه الفئة تعيش من عمل غالبًا ما يكون غير مرئي في الفضاء العام. هناك كاتب يقضي سنوات طويلة لإنجاز مؤلف واحد، ومحرر يحرص على دقة المحتوى وبنية النص، ومترجم يوسّع نطاق وصول المعرفة العالمية إلى اللغة الإندونيسية، إضافة إلى الباحثين والمصممين والمراجعين الذين يعملون خلف الكواليس قبل أن يصل الكتاب إلى يد القارئ.

وفي المجتمعات الحديثة، تؤدي هذه الفئة دورًا محوريًا في تطور الثقافة وتقدم الأمة. ويوضح Richard Florida في كتابه The Rise of the Creative Class (2002) أن الاقتصاد الحديث يرتكز على الطبقة الإبداعية القائمة على المعرفة. فنهضة الأمم لا تُقاس فقط بقوة البنية التحتية المادية، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج الأفكار والبحوث والمعرفة الحية داخل المجتمع.

اقتصاد الانتباه

في إندونيسيا، لم يحصل العمل الفكري بعد على التقدير الاقتصادي الكافي. فحقوق المؤلف من الكتب محدودة نسبيًا، كما أن طباعة الكتب الجادة تبقى محدودة الانتشار. وبعض المكتبات تواجه ضغوطًا كبيرة بسبب تغير أنماط الاستهلاك الرقمي.

وفي مثل هذا الوضع، تزيد القرصنة من الأعباء الواقعة على منظومة النشر وإنتاج المعرفة. فالكاتب يفقد جزءًا من دخله المحتمل، ودور النشر تصبح أقل جرأة في إصدار الكتب المعتمدة على بحوث طويلة، بينما يفقد المحررون والمترجمون استقرارهم المهني، ويصبح من الصعب استمرار البحوث العميقة.

ويظهر الأثر الأوسع في تغير توجهات الجيل الشاب. فكثير من أصحاب المواهب يختارون مجالات عمل أخرى توفر دخلًا أسرع وأكثر استقرارًا. ويتجه بعضهم إلى صناعة المحتوى الرقمي التي تتحرك وفق إيقاع الخوارزميات والانتباه العام. وهكذا تحصل المقاطع القصيرة والفيديوهات السريعة والمعلومات المختصرة على مساحة أكبر بكثير مقارنة بالكتب التي تتطلب التركيز والصبر في القراءة.

إن المجتمع الرقمي اليوم يتحرك داخل ما يسمى بـ “اقتصاد الانتباه”. فأصبحت قيمة العمل تُقاس بقدرته على جذب الانتباه خلال وقت قصير. وتعطي خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي مساحة واسعة للإثارة، والملخصات السريعة، والمعلومات السهلة التداول.

أما الكتب التي تولد عبر عملية طويلة، فتواجه تضييقًا متزايدًا في مساحة الاهتمام. فالبحث العميق يحتاج إلى وقت، والمعرفة الناضجة تحتاج إلى صبر في القراءة، والتفكير الرصين يتطلب مساحة للتأمل.

ويصف Byung-Chul Han في كتابه The Burnout Society (2015) المجتمع الحديث بأنه فضاء متسارع مملوء بتدفق المعلومات بلا توقف. وفي مثل هذا المناخ، يصبح من الصعب على العمل الفكري القائم على المثابرة الطويلة أن يحظى بتقدير اجتماعي لائق. كما أن قرصنة الكتب تسرّع هذا الوضع، لأن المجتمع يعتاد الحصول على الأعمال الفكرية بصورة رخيصة وفورية، فتُعامل المعرفة كسلعة يمكن الاستيلاء عليها بسهولة دون تقدير للمسار الطويل الذي أنتجها.

وتتجلى أزمة تقدير العمل الفكري أيضًا داخل الجامعات. فالتقاليد الأكاديمية تقوم على احترام الأصالة، والنزاهة العلمية، وأخلاقيات المعرفة. لكن في الواقع اليومي، لا تزال ثقافة تداول ملفات PDF غير القانونية واستخدام الكتب المقرصنة واسعة الانتشار. فالطلاب يواجهون قيودًا اقتصادية تمنعهم من شراء النسخ الأصلية، وبعض الأساتذة كذلك يتساهلون في استخدام النسخ غير القانونية كمصادر تعليمية. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى عادات يُنظر إليها باعتبارها أمرًا طبيعيًا في الحياة الأكاديمية.

وتشرح Diane Vaughan من خلال مفهوم “تطبيع الانحراف” (Normalization of Deviance) عام 1996 كيف يمكن للسلوك المنحرف المتكرر أن يتحول إلى أمر مقبول اجتماعيًا. وهذا ما يبدو واضحًا في ظاهرة قرصنة الكتب في إندونيسيا. فالبائع يشعر بالأمان لأن الممارسة منتشرة، والمشتري يراها طبيعية بسبب الحاجة إلى الكتب الرخيصة، بينما يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاه الحقوق الاقتصادية والعمل الفكري الكامن خلف كل كتاب.

صندوق المعرفة

إن الأمة التي تريد بناء اقتصاد قائم على المعرفة تحتاج إلى حماية جدية لمنظومة إنتاج الأفكار. فقد تستطيع الدولة بناء مراكز تكنولوجية، وبنى تحتية رقمية، ومناطق صناعية حديثة، لكن كل ذلك يبقى بحاجة إلى بشر يفكرون، ويبحثون، ويكتبون، ويترجمون، وينشرون المعرفة.

وعندما تفقد المهن القائمة على المعرفة استدامتها الاقتصادية، سيمتلئ الفضاء العام أكثر فأكثر بإنتاج سريع للمعلومات، ليس بالضرورة أن يرفع من جودة التفكير المجتمعي.

ولهذا ينبغي النظر إلى قرصنة الكتب باعتبارها قضية ثقافية ومستقبلًا للمعرفة الوطنية. فتنفيذ القوانين ضد شبكات القرصنة الرقمية يجب أن يُعزَّز، كما ينبغي لمنصات التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية أن تكون أكثر نشاطًا في إغلاق قنوات التوزيع غير القانونية. ويمكن للجامعات أن توسع الوصول إلى المكتبات الرقمية القانونية، وأن تبني ثقافة أكاديمية تحترم الأعمال الأصلية. كما يجب على دور النشر تطوير نماذج توزيع رقمية أكثر ملاءمة للطلاب والمتعلمين.

ومن الأفكار الجديرة بالدراسة أيضًا إنشاء صندوق دائم للمعرفة من خلال تعاون الدولة، والجامعات، والمؤسسات الخيرية، وقطاع الأعمال. فمثل هذا الدعم يمكن أن يساعد في تأليف الكتب الجادة، وترجمة الأعمال المهمة، وإجراء البحوث العامة، وتطوير الثقافة القرائية الوطنية. فالنظام المعرفي يحتاج إلى استدامة تُصان جماعيًا، لأن جودة حضارة الأمة تُقاس بقدرتها على الحفاظ على تقاليد التفكير وإنتاج الأفكار.

قد تتمكن أمة ما من بناء ناطحات سحاب ومراكز تكنولوجية حديثة خلال فترة قصيرة نسبيًا، لكن بناء تقليد فكري يحتاج إلى زمن أطول بكثير لينمو ويستمر. وهذا التقليد يعيش عبر الكُتّاب، والباحثين، والمحررين، والمترجمين، وكل الفئات التي تعمل على إبقاء المعرفة حاضرة في المجتمع.

وعندما تضيق مساحة الحياة أمام هذه الفئات، فإن ما يضعف تدريجيًا هو قدرة الأمة نفسها على الحفاظ على عمق التفكير للأجيال القادمة.

نُشر هذا المقال في صحيفة Kompas يوم الخميس 18 مايو 2026.