عيد الأضحى ومعنى التضحية
بمبانغ إيراوان
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
سيكون العاشر من ذي الحجة 1447 هـ، أو عيد الأضحى المبارك، يوم الأربعاء الموافق 27 مايو 2026. هذا ما أعلنه وزير الشؤون الدينية بجمهورية إندونيسيا، نصر الدين عمر، في اجتماع "إثبات" الرؤية الذي عُقد اليوم الأحد (17/5/2026) في قاعة إتش إم راشيدي بمبنى وزارة الشؤون الدينية، شارع إم إتش ثامرين بجاكرتا.
إن هذا الإعلان بلا شك يمثل علامة فارقة ومهمة في التقويم العبادي. ومع ذلك، فإن عيد الأضحى ليس مجرد مسألة تاريخ باللون الأحمر على التقويم، أو تهليلات وتكبيرات، أو ذبح للأضاحي، أو عودة لضيوف الرحمن من الأراضي المقدسة. بل إن خلف ذلك كله نداءً أعمق بكثير: نداء يطالبنا بإعادة فحص مدى استعدادنا للتضحية، لاسيما من أجل الأسرة والوطن.
وفي خضم الحياة التي تزداد صخباً وضجيجاً، غالباً ما تكون الأسرة هي الحصن الأول الذي يتجرع مرارة الأزمات المتراكمة. فأسعار الاحتياجات الأساسية في ارتفاع، واستقرار الوظائف غير مضمون، والأبناء يكبرون تحت وطأة الضغوط، بينما يكتم الآباء والأمهات في قلوبهم تعباً وإرهاقاً لا يجدون وقتاً للبوح به. الكثير من البيوت لا تزال جدرانها قائمة، لكن الأحاديث بين جنباتها بدأت تتلاشى. وعائلات كثيرة تبدو متماسكة وسعيدة من الخارج، بينما يسكن داخلها صمت طويل وممتد.
وهنا تحديداً، نجد أن مناسك الحج وعيد الأضحى يلامسان واقع حياتنا اليومية بشكل وثيق. فالحج ليس مجرد رحلة جغرافية إلى مكة المكرمة؛ بل هو رحلة إنسانية تهدف إلى كبح جماح الأنا وتطويع الكبرياء. وأمام الكعبة المشرفة، يتعلم الإنسان أن الألقاب، والمناصب، والثروات، والملابس الفاخرة لا قيمة لها في تحديد معايير الشرف والرفعة؛ فالجميع يرتدون رداء الإحرام الأبيض، والكل يقفون متساوين كعبيد لله، ولا يحق لأحد أن يرى نفسه مستعليا أو فوق الآخرين أمام جلال الحق سبحانه.
ويتجلى هذا الدرس بشكل أكثر عمقاً وحِدة عندما نستحضر قصة أسرة النبي إبراهيم عليه السلام. هناك إبراهيم الذي ابتُلي في الطاعة والامتثال، وهناك هاجر التي ابتُليت بالوحدة والعزلة، وهناك إسماعيل الذي ابتُلي بالتسليم والرضا. إنهم ليسوا مجرد شخصيات في قصة مقدسة نمر عليها مرور الكرام، بل هم مرآة عاكسة لكل أسرة تكافح اليوم للحفاظ على إيمانها، ومشاعر المودة والرحمة، وجذوة الأمل في النفوس.
لقد وجدت الأم هاجر نفسها يوماً في وادٍ قفر غير ذي زرع مع طفلها الرضيع. لم تكن هناك أي ضمانات مادية تراها العين، ولا أنيس، ولا مظاهر للراحة أو التيسير. ومع ذلك، لم تستسلم للبكاء والنحيب؛ بل انطلقت تسعى وراء الأسباب، راكضة بين الصفا والمروة، تبحث عن الماء، وعن مخرج، وعن بارقة أمل تثبت أن الحياة تستحق الكفاح لأجلها. ومن خطى تلك الأم القلقة، ولكن غير المستسلمة، تفجر ماء زمزم ليصبح سُقيا للعالمين.
إن العديد من الأسر الإندونيسية اليوم تخوض "سعيها" الخاص بين صفا ومروة الحياة اليومية. فهناك أب يغادر بيته قبل بزوغ الفجر لكي يضمن بقاء موقد المطبخ مشتعلاً (لتوفير قوت يومهم)، وهناك أم تخفي إعياءها وراء ابتسامة لكي يشعر أبناؤها بالأمان، وهناك شباب يحاولون إظهار القوة رغم أن المستقبل يبدو أمام أعينهم ضبابياً ومجهولاً. وهناك عائلات تصمد وتستمر، ليس لأنها خالية من المشاكل، بل لأن أفرادها اختاروا أن تظل أيديهم متشابكة ومتماسكة في مواجهة العاصفة.
بناءً على ذلك، فإن التضحية لا تشترط دائماً أن تكون عملاً ضخماً يشار إليه بالبنان؛ ففي بعض الأحيان، تتجلى التضحية في كتمان كلمة قاسية عندما يغلي القلب من الغضب. وتارة تكون في العودة إلى المنزل مبكراً حتى لا ينمو الأبناء وحيدين دون رعاية. وتارة تكون في المبادرة بالاعتذار وطلب الصفح، حتى وإن كنت تشعر بأنك لم تخطئ تماماً. وأحياناً تكون التضحية في قبول العيش ببساطة حتى لا تتهدم الأسرة تحت وطأة المظاهر الخداعة والكبرياء الزائف.
إن عيد الأضحى يأتي ليذكرنا بأن الأسرة القوية ليست تلك التي لا تبكي أبداً، بل هي الأسرة التي لا تسمح للدموع بأن تكون سبباً في التفرق والشتات وهجر بعضهم بعضاً. والبيت المبارك ليس هو البيت الخالي من الابتلاءات والامتحانات، بل هو البيت الذي يجعل من المحن والخطوب طريقاً للتقرب إلى الله، ووسيلة لزيادة الرفق واللين والرحمة بين أفراده.
بيد أن رسالة التضحية لا تتوقف عند عتبات البيوت، بل تمتد لتلامس صفحات تاريخ الوطن. فإندونيسيا لم تولد من رحم الراحة والدعة، والاستقلال لم ينزل علينا كهدية مجانية؛ بل انتزعه ورجاله الذين كانوا على أتم الاستعداد للتضحية بأموالهم، ومناصبهم، وحريتهم، بل وبأرواحهم الفانية.
وفي حقبة الاستعمار الهولندي، ضرب العديد من الرموز الوطنية أروع الأمثلة في التضحية الحقيقية؛ فالقائد "الحاج سامانهودي"، من خلال حركة التجار والنهضة الاقتصادية للأمة، ساهم في بناء الوعي بأن الشعب المستعمر لا يجوز أن يظل خاضعاً ومستكيناً إلى الأبد. و"الحاج عمر سعيد تشوكروامينوتو" أحيا جذوة فكرة الاستقلال، وربى جيلاً من أبناء الوطن، وجعل من الحركات التنظيمية مساحة لبث الشجاعة السياسية.
وكذلك الشيخ "أحمد دحلان" شق طريق التجديد والإصلاح عبر بوابة التعليم، والخدمات الاجتماعية، والدعوة التي تكرم الإنسان وتحفظ كرامته. والشيخ "هاشم أشعري" رسخ دور المعاهد الإسلامية (البيسانترين)، والعلماء، وطلاب العلم (السانتري) في حماية هيبة الدين وصون كرامة الوطن وترابه.
هؤلاء العظماء، إلى جانب قائمة طويلة من الأسماء الأخرى، لم يعيشوا لأنفسهم قط. فمنهم من تعرض للمراقبة اللصيقة، والتضييق، والافتراء، والسجن، وتهديد السلامة الشخصية. ومنهم من اختار السير في الطريق الموحش المنعزل لأن قناعاته الوطنية كانت تقض مضاجع السلطة الاستعمارية. لقد أدركوا يوماً أن حب الأوطان له ضريبة باهظة الثمن، فلم يكتفوا بالحديث عن التضحية، بل عاشوها واقعاً ملموساً.
ومن أولئك الأسلاف، نتعلم أن الأضحية ليست مجرد إراقة دماء الأنعام في أيام العيد؛ بل الأضحية تعني أيضاً "ذبح" الطمع والجشع الساكن في أعماق نفوسنا. ذبح المصالح الضيقة الأنانية، وذبح الخوف الذي يلجم ألسنتنا ويجعلنا نصمت أمام الظلم، وذبح "الأنا" الطاغية التي تجعل من الأسرة، والشعب، والوطن ضحايا لطموحاتنا الشخصية المريضة.
إن هذا الدرس يكتسب أهمية قصوى في حياتنا العامة والسياسية اليوم. فالسياسة ينبغي أن تكون طريقاً للبذل والخدمة، لا وسيلة للتضحية بالشعب وجعله قرباناً للمكاسب. والمنصب يجب أن يكون أمانة ومسؤولية، لا امتيازاً واستعلاءً. ويتعين على كل قائد أن يتعلم من لباس الإحرام: فكلما ارتفعت درجتك ومنزلتك، عظم الواجب عليك لتخفيض جناحك والتواضع للناس.
إن هذه الأمة لا تشكو من قلة الأذكياء والعباقرة، ولكن ما نشتاق إليه ونفتقده حقاً هو ذلك الإنسان الذي يملك الشجاعة ليكون صادقاً عندما يصبح الكذب والتزييف أكثر ربحاً ومنفعة. نحن لا ينقصنا كثرة الخطب والبيانات، بل نشتاق إلى القدوة الحية والمثل الملموس. لا ينقصنا كثرة البرامج والمشاريع، ولكن ما يغيب عنا غالبا هو الانحياز الحقيقي الذي يصل فعلاً إلى مطابخ الفقراء، وإلى مدارس الأطفال، وإلى غرف رعاية المرضى، وإلى تلك البيوت الصغيرة المنعزلة التي لا يرتفع لها صوت ولا يسمع بوجعها أحد.
إن الحج المبرور لا يورث صاحبه خيلاءً أو غروراً روحياً؛ بل يلد إنساناً أكثر مسامحة ومبادرة بالاعتذار، وأسرع نجدة وعوناً للآخرين، وأشد خوفاً من وقوعه في الظلم، وأكثر حياءً من أن يمد يده إلى ما ليس من حقه. فإذا عاد المرء من الأراضي المقدسة ولا يزال مستمراً في احتقار الآخرين، أو الغش، أو استعراض القوة، أو غض الطرف عن معاناة المحتاجين، فلعل جسده قد وصل إلى مكة حقاً، لكن روحه لم ترتحل بعد إلى باريها.
وكذلك عيد الأضحى؛ ينبغي لهذا العيد أن يجعلنا نطرح على أنفسنا سؤالاً بكل صدق وتجرد: ماذا قدمنا وضحينا به من أجل أسرنا؟ وماذا ضحينا به من أجل البسطاء والضعفاء من حولنا؟ وماذا قدمنا من تضحيات لهذا الوطن؟ أم أننا -للأسف- اعتدنا دائماً أن نطالب الآخرين بالتضحية من أجل راحتنا ورفاهيتنا الشخصية؟
وفي ظل ضغوط الحياة المتزايدة، تبرز "البساطة" كدرس بليغ وعميق. والبساطة لا تعني الاستسلام للفقر أو الرضا بالدون، بل هي الشجاعة في لجم الرغبات وتنظيم الشهوات. والإخلاص ليس ضعفاً أو هواناً، بل هو طاقة روحية باطنة تمكن الإنسان من الاستمرار في العطاء حتى وإن كان القلب مثقلاً بالتعب. والتضحية ليست خسارة أو هزيمة، بل هي انتصار الإنسان الأكبر على أناه وشهوات نفسه.
لذا، فإن إصلاح الأمة وإعادة بنائها يجب أن يبدأ من الفضاء الأقرب إلينا: من داخل الأسرة. أصلحوا الطريقة التي يتحدث بها الأب مع أبنائه، وأصلحوا الطريقة التي يكرم بها الزوج زوجته ويحفظ قدرها، وأصلحوا الطريقة التي يوقر بها الأبناء والديهم. أعيدوا لطاولة الطعام هيبتها لتكون مكاناً للحوار وتبادل أطراف الحديث، لا مجرد مساحة لملء البطون وسد الجوع. أعيدوا للبيت مكانته ليكون ملاذاً للسكينة والراحة، لا ساحة لتبادل الاتهامات وإلقاء اللوم.
فمن رحم الأسرة المخلصة، سينبت مجتمع أكثر تحضراً وأدباً. ومن المجتمع المتحضر، ستنمو سياسة أكثر أخلاقية. ومن السياسة الأخلاقية، سيولد اقتصاد أكثر إنسانية ورحمة. ومن الاقتصاد الإنساني، لن تكون هذه الأمة قوية في لغة الأرقام والإحصاءات فحسب، بل ستكون قوية وراسخة في عمق روحها وبنائها المعنوي.
إن عيد الأضحى في هذا العام يأتي بمثابة مذكر لطيف وفي الوقت ذاته حازم وقوي. إنه يدعونا للعودة إلى الله، والعودة إلى رحاب الأسرة، والعودة إلى جادة الصدق، والعودة إلى إندونيسيا الأكثر تحضراً ورقياً. يدعونا لنتعلم من إبراهيم، وهاجر، وإسماعيل، وكذلك من قادتنا الأبطال الذين امتلكوا الشجاعة لدفع الثمن باهظاً مقابل حبهم الصادق لتراب هذا الوطن.
وفي نهاية المطاف، فإن هذا الوطن لن ينقذه أولئك الذين يحسنون تنميق الكلام والخطب الرنانة؛ بل سينقذه أولئك الذين لا يزالون قادرين على التضحية بكل تجرد وإخلاص: الأب الذي يكبح جماح أناه من أجل عائلته، والأم التي ترعى الأمل وتصنعه في صمت، والشاب الذي لا يستسلم لروح السخرية والانهزامية، والقائد الذي يخشى الله ويتقيه قبل أن يخشى فقدان كرسيه ومنصبه، والشعب الأبي الذي يحافظ على مكارم أخلاقه وقيمه حتى وإن ضاقت به سبل العيش.
وفي غمرة هذا الإعياء والجهد الذي نعيشه اليوم، فإن "زمزم" الذي نحتاجه بشدة هو ينابيع الإخلاص التي تنبثق من ثنايا الأسر الإندونيسية، لتدفق بعد ذلك ببطء ولكن بثبات، متحولة إلى قوة عاتية تحمي الوطن وتصون مستقبله.
> ملحوظة: نُشر هذا المقال في موقع "دِتِك" (Detik) يوم الأحد، 24 مايو 2026.