عندما يصبح العلم سياسةً

عندما يصبح العلم سياسةً

الأستاذ الدكتور أحمد ثعلبي، ليسانس الشريعة، بكالوريوس الحقوق، ماجستير الحقوق، ماجستير الآداب
(نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

على مدى سنوات طويلة، أنتجت مؤسسات التعليم العالي آلاف المنشورات والأبحاث العلمية، في حين لا تزال الحكومة تواجه تحديات وقضايا متعددة في مجالات الغذاء والطاقة والصحة والصناعة، وهي قضايا تتطلب حلولاً قائمة على المعرفة. وغالباً ما يسير هذان العالمان جنباً إلى جنب، ولكنهما لا يلتقيان دائماً عند نقطة مشتركة واحدة. ومن هذا المنطلق، جاء "اللقاء الوطني لمؤتمر العلوم والتكنولوجيا والصناعة الإندونيسي" الذي عُقد في نهاية يونيو الماضي ليتيح فرصة ثمينة لتقليص هذه الفجوة. وقد أثار هذا المنتدى تساؤلاً جوهرياً ومحورياً: هل تدخل إندونيسيا عهداً جديداً تصبح فيه المعرفة العلمية الركيزة الأساسية للسياسات العامة؟

يأتي التساؤل حول ما إذا كانت إندونيسيا تلج مرحلة جديدة تتبوأ فيها العلوم صدارة السياسات العامة في وقت بالغ الأهمية؛ حيث اجتمع في جاكرتا آلاف الأكاديميين من رؤساء جامعات، وأساتذة، ومحاضرين، وباحثين، وعلماء. إن حضور هؤلاء الأكاديميين جنباً إلى جنب مع رئيس الجمهورية والوزراء في منتدى استراتيجي واحد يبعث برسالة قوية ومفادها أن الحكومة تضع المجتمع الأكاديمي كشريك رئيسي في رسم معالم مسيرة التنمية المستقبلية للبلاد.

منظومة السياسات العامة

يأتي هذا اللقاء الوطني (KSTI) استكمالاً للمبادرة التي انطلقت منذ مؤتمر العلوم والتكنولوجيا والصناعة الإندونيسي الأول في معهد باندونغ للتكنولوجيا (ITB). ويمثل هذا المنتدى حلقة من سلسلة اللقاءات المستمرة للرئيس برابوو مع رؤساء الجامعات منذ مستهل فترته الرئاسية. إن نمط التواصل القائم يعكس إدراكاً عميقاً بأن التنمية تتطلب علاقة أكثر وثوقاً بين الدولة، والجامعات، وقطاع الأعمال، ومؤسسات البحث العلمي. كما أشار رئيس الجمهورية إلى وضع الثقة في العديد من الأساتذة الأكاديميين (البروفيسورات) لتولي مناصب استراتيجية في الحكومة. وتكتسب هذه الرسالة أهميتها لأنها تشير إلى تنامي نهج صناعة السياسات القائمة على الأدلة (evidence-based policy)، وهي السياسات التي ترتكز على المعرفة العلمية والتحليل المنهجي الموثوق. وإندونيسيا بحاجة ماسة إلى هذا النهج في خضم مواجهتها لتحديات معقدة ومتشابكة؛ بدءاً من الأمن الغذائي، وتحول الطاقة، وتوطين الصناعات التحويلية، والتحول الرقمي، وصولاً إلى التغير المناخي المتسارع. وتظهر تجارب دول عديدة أن البلدان التي نجحت في الفكاك من مصيدة الدخل المتوسط هي تلك التي وضعت العلم والبحث في صدارة أدوات التنمية. فكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، شيّدت نهضتها الصناعية عبر الاستثمار طويل الأجل في الأبحاث، والتعليم العالي، وبناء شراكة وثيقة بين الحكومة والجامعات وقطاع الأعمال. وتبين تلك التجربة أن جودة المؤسسات البحثية لا تقل أهمية عن حجم الميزانيات المرصودة لها. وسوف يكتسب منتدى كهذا قيمة عملية أكبر عندما تحظى الأفكار المطروحة بمسارات متابعة وتنفيذ واضحة، بحيث تصبح توصيات الأكاديميين جزءاً لا يتجزأ من عملية صياغة السياسات، وتجد لها مكاناً في الموازنات العامة، وتنعكس في مؤشرات أداء الوزارات المختلفة. وبهذه الطريقة، يتحول الحوار بين الحكومة والجامعات إلى منظومة سياسات مستدامة وفاعلة.

أجندة بحثية ذات أثر ملموس

هناك مؤشرات وتطورات عديدة تبعث على التفاؤل؛ إذ أطلق وزير الزراعة مبادرة للتعاون مع الجامعات في منطقة شرق إندونيسيا لتعزيز الابتكار الزراعي ودعم أجندة الاكتفاء الذاتي من الغذاء. كما تواصل وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا دفع عجلة الأبحاث التي تقدم منافع مباشرة للتنمية الوطنية وتعزز الاستقلال الاقتصادي. وتنعكس هذه الرؤية أيضاً على القدرة الاستثمارية لإندونيسيا في مجال البحث العلمي؛ حيث تظهر بيانات اليونسكو أن إنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير لا يزال دون متوسط الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بل ويتأخر بكثير عن الدول التي حققت مستويات استثمار مرتفعة. ويبين هذا التفاوت أن التحدي الذي تواجهه إندونيسيا لا يقتصر على مجرد زيادة عدد الأبحاث، بل يكمن في المقام الأول في تعزيز الاستثمار، وتوثيق التعاون، وتوطين الابتكار وتحويله إلى منتجات صناعية كأساس للمنافسة الوطنية. وبالتأكيد، ليس حجم الاستثمار المالي وحده المحدد لنجاح الابتكار؛ فجودة حوكمة الأبحاث، واستدامة التمويل، والقدرة على بناء شراكات بين المؤسسات تلعب دوراً حاسماً وموازياً. إن الاستثمار الموجه بدقة سيسرع من ابتكار تقنيات جاهزة للاستخدام المجتمعي ويسهم في رفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وتمتلك إندونيسيا نماذج رائدة للابتكارات الجامعية التي تستحق التعميم والدعم؛ حيث نجحت عدة جامعات في استنباط سلالات زراعية ممتازة، وتطوير تقنيات تصنيع المنتجات البحرية، والهندسة الحيوية للمعدات الطبية، والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الطاقة المتجددة. وتتمثل الخطوة التالية في تسريع تبني هذه الابتكارات من قبل المزارعين، والصيادين، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والحكومات المحلية، والصناعات الوطنية؛ فعند هذه النقطة بالذات يكتسب البحث العلمي معناه الأسمى والأكمل.

إدارة البحث العلمي

إن فكرة توجيه الأبحاث العلمية لمعالجة القضايا والمشكلات الوطنية قد تطورت بشكل واسع في أدبيات سياسات الابتكار. فقد قدمت خبيرة اقتصاد الابتكار ماريانا مازوكاتو مفهوم "الابتكار الموجه نحو المهام" (mission-oriented innovation)، وهو استراتيجية تنموية توجه استثمارات الدولة، والجامعات، والقطاع الصناعي، ومراكز البحوث نحو حل التحديات الكبرى التي تواجه المجتمع. وبحسب مازوكاتو، فإن تحديد مهام واضحة ومحددة يحفز التعاون العابر للقطاعات، ويسرع وتيرة الابتكار، ويضمن تحقيق نتائج بحثية ذات منافع اقتصادية واجتماعية ملموسة. وتعد هذه الرؤية بالغة الأهمية لإندونيسيا وهي تسعى لتعزيز سيادتها في مجالات الغذاء، والطاقة، والصحة، والصناعات القائمة على التكنولوجيا المتطورة.

أولاً، يمكن للحكومة إنشاء صناديق تمويل بحثية مخصصة لمواجهة التحديات الوطنية؛ بحيث تحدد الحكومة سنوياً عدداً من القضايا ذات الأولوية القصوى، مثل زيادة الإنتاجية الزراعية، ورفع كفاءة الأسمدة، وتطوير بطاريات المركبات الكهربائية، ومعالجة الثروات البحرية، والحد من تقزم الأطفال (stunting)، وترشيد استهلاك المياه، أو تعزيز صناعة أشباه الموصلات. ويوجه تمويل الأبحاث لابتكار حلول عملية لهذه القضايا، ويقاس نجاح البحث بمدى تطبيق المجتمع للتكنولوجيا الناتجة، أو تبني الحكومة للسياسات المقترحة، أو دخول الابتكار حيز التنفيذ في قطاع الأعمال. إن هذا النهج من شأنه تقريب الاحتياجات التنموية للدولة من الإمكانات والقدرات المتميزة للجامعات، كما سيغير مسار التنافس البحثي؛ لتتسابق الجامعات في تقديم حلول واقعية يلمسها المجتمع، وتجد الحكومات المحلية شريكاً علمياً لحل مشكلاتها التنموية، ويحصل قطاع الأعمال على ابتكارات جاهزة للتطوير كمنتجات ذات قيمة مضافة.

ثانياً، يمكن تطوير برامج الخدمة المجتمعية لتصبح برنامج "الأستاذ الجامعي المرافق للصناعة والأقاليم"؛ حيث يقوم الأستاذ (البروفيسور) برفقة فريقه البحثي بتقديم الدعم والمرافقة العلمية للحكومات المحلية، أو التعاونيات، أو الجمعيات الزراعية والسمكية، أو أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة لفترة زمنية محددة. ويهدف هذا الدعم لتحقيق مستهدفات قابلة للقياس، مثل زيادة الإنتاجية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتوسيع منافذ التسويق، ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية. ومن خلال ذلك، سيشعر المجتمع بوجود الجامعة كجزء فاعل في تفاصيل حياته اليومية. كما يقدم هذا النموذج معياراً جديداً لقياس نجاح مؤسسات التعليم العالي؛ حيث يصبح الأثر الاجتماعي والاقتصادي جزءاً أساسياً من مؤشرات الأداء الأكاديمي، جنباً إلى جنب مع النشر العلمي، والاقتباسات (citations)، والسمعة الدولية للجامعة.

ثالثاً، ينبغي أن تصبح خارطة الطريق والأجندة الوطنية للبحث العلمي وثيقة عامة، مفتوحة، ديناميكية وتشاركية؛ تتاح فيها الفرصة لجميع الجامعات والمؤسسات التعليمية، بما فيها تلك الواقعة خارج جزيرة جاوة، لتقديم مرئياتها ومقترحاتها بناءً على المقومات والميزات النسبية لكل منطقة. إن هذا الانفتاح من شأنه إثراء جودة الأجندة البحثية الوطنية وتعزيز روح المسؤولية الجماعية والملكية المشتركة لدى كافة أطراف المنظومة العلمية والبحثية الإندونيسية. وتنطلق هذه الخطوات الثلاث من نفس المبدأ والروح: أن يتطور البحث العلمي تلبيةً لاحتياجات المجتمع، بينما يجني المجتمع ثمار التقدم العلمي على أوسع نطاق. وفي ختام اللقاء الوطني، أكد الرئيس برابوو التزامه بمتابعة المقترحات المتنوعة المقدمة من رؤساء الجامعات والعلماء، وهو التزام يبعث على الأمل في أن تصبح السياسات العامة أكثر استناداً إلى العلم والمعرفة، ويضع الجامعات أمام مسؤولية تقديم أبحاث وثيقة الصلة، وابتكارات ذات أثر ملموس، وحلول عملية لمتطلبات الوطن وتطلعاته.

نُشر هذا المقال في زاوية الرأي بصحيفة ميديا إندونيسيا (Media Indonesia) يوم الخميس (9/7/2026).