عندما يتحول التعليم العالي إلى رفاهية

عندما يتحول التعليم العالي إلى رفاهية

محمد نور ريانتو العارف

أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا، والأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين، وعضو الهيئة الإدارية لرابطة الاقتصاديين الإسلاميين بإندونيسيا، وعضو الهيئة الإدارية لجمعية الاقتصاديين الإندونيسيين فرع جاكرتا، وموجه في مجلس الاقتصادي للإسلام الشعبي التابع لمجلس العلماء الإندونيسي.

قبل بضعة عقود، كان التعليم العالي يُنظر إليه باعتباره سلم الحراك الاجتماعي، فكان ابن الفلاح يمكنه أن يصبح طبيباً، وابن العامل البسيط يمكنه أن يصبح محاضراً جامعياً، وابن التاجر الصغير يمكنه أن يصبح اقتصادياً أو مهندساً، حيث شكل الحرم الجامعي مساحة تتيح للمرء القفز فوق القيود الاقتصادية نحو حياة أفضل، بيد أن هذه السردية بدأت تتغير اليوم. فالتعليم العالي الذي كان يُعد أداة لتكافؤ الفرص، تحول تدريجياً إلى سلعة تزداد غلاءً، حيث ارتفعت رسوم الالتحاق بالجامعات، وتم تعديل نظام الرسوم الدراسية الموحدة صعوداً، وقابل ذلك قفزة في تكاليف معيشة الطلاب في المدن الكبرى، في وقت تشهد فيه القدرة الشرائية للمجتمع، ولا سيما الطبقة المتوسطة، ضغوطاً ليست بالهينة.

والمفارقة هنا، هي أن المجموعة الأكثر تضرراً ومحاصرة ليست الطبقة الغنية ولا الفقيرة، فالأغنياء لا يواجهون صعوبة تذكر في دفع تكاليف التعليم، والفقراء لا يزال بإمكانهم الوصول إلى خطط الدعم الحكومية المختلفة والمنح الدراسية وبرامج التمكين الإيجابي، أما الطبقة المتوسطة القابعة في المنتصف، فهي التي تواجه معضلة تزداد ثقلاً يوماً بعد يوم، إذ تُصنف بأنها أغنى من أن تحصل على المساعدات، ولكنها ليست غنية بما يكفي لدفع تكاليف التعليم العالي الآخذة في الارتفاع، ومن هنا، لم تعد قضية التعليم العالي مجرد مسألة تعليمية بحتة، بل تحولت إلى قضية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، ومستقبل لبناء الأمة.

إن النقاش حول غلاء التعليم لا يمكن فصله عن واقع الطبقة المتوسطة في إندونيسيا اليوم، وتظهر بيانات الهيئة المركزية للإحصاء أن حجم الطبقة المتوسطة في البلاد شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث انخفض عدد أفراد هذه الطبقة بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية، وفي المقابل، ارتفعت نسبة الفئة المؤهلة لدخول الطبقة المتوسطة، وتكشف هذه الظاهرة أن العديد من الأسر تعيش تحت وطأة ضغوط اقتصادية دفعت بها للهبوط من الطبقة المتوسطة إلى فئات أكثر هشاشة. وتشير الهيئة أيضاً إلى أن الطبقة المتوسطة والفئة المؤهلة لدخولها تساهمان بالجزء الأكبر من الاستهلاك المحلي، مما يجعل وجودهما صمام أمان للاستقرار الاقتصادي الإندونيسي، ويعود هذا التراجع إلى مزيج من العوامل بدءاً من تداعيات الجائحة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضخم أسعار الغذاء، وعدم اليقين في سوق العمل، وصولاً إلى نمو الدخل الذي لا يواكب الارتفاع المتسارع في تكاليف الاحتياجات الأساسية، وفي ظل هذه الظروف، يصبح التعليم العالي الباهظ عبئاً إضافياً ثقيلاً.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن التفسير الأكثر شيوعاً لارتفاع التكاليف هو ظاهرة مرض التكلفة، وهو المفهوم الذي قدمه الاقتصادي وليم بومول ليوضح أن قطاع التعليم يواجه صعوبة في زيادة إنتاجيته بشكل جذري مقارنة بقطاع الصناعة، فالمحاضر الذي يدرّس لمجموعة من الطلاب يقوم جوهرياً بنفس العمل الذي كان يقوم به محاضر في العقود الماضية، لكن رواتب المحاضرين، وتكاليف تشغيل الجامعات، وتكنولوجيا المعلومات، والمختبرات، والمكتبات، والمرافق الأخرى تستمر في الارتفاع، ونتيجة لذلك، تميل تكلفة التعليم إلى الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الإنتاجية. وفي إندونيسيا، تتفاقم هذه المشكلة بفعل عوامل إضافية منها انخفاض نسبة الدعم المالي الذي تقدمه الدولة لتغطية التكاليف التشغيلية للجامعات وخاصة مع تحول العديد من الجامعات الحكومية إلى هيئات قانونية مستقلة، وتزايد متطلبات تدويل الجامعات ودخول التصنيفات العالمية وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة، بالإضافة إلى التسابق بين الجامعات في بناء بنى تحتية ومرافق فيزيائية تزداد رفاهية وفخامة، ومتطلبات الرقمنة وتحديث التكنولوجيا المستمرة التي تستنزف ميزانيات ضخمة، ونتيجة لكل ذلك، يتم تحميل جزء من هذه التكاليف في نهاية المطاف على كاهل الطلاب عبر زيادة الرسوم الدراسية الموحدة أو الرسوم التعليمية الأخرى.

وفي السنوات الأخيرة، أشعلت قضية رفع الرسوم الدراسية الموحدة احتجاجات طلابية متكررة في مختلف الجامعات الحكومية، ورغم أن هذا النظام صُمم لتحقيق دفع أكثر عدالة بحيث يدفع الطلاب المقتدرون مالياً مبالغ أكبر بينما يدفع الطلاب الأقل اقتداراً مبالغ أقل، إلا أنه في الواقع العملي تشعر الكثير من أسر الطبقة المتوسطة أن النظام لا يعكس بدقة قدراتهم الاقتصادية الحقيقية، فالعائلات قد تمتلك دخلاً يبدو كبيراً على الورق، لكنها في الواقع مثقلة بأقساط السكن، ووسائل النقل، وتكاليف الرعاية الصحية للوالدين، وااحتياجات الأبناء الآخرين، والالتزامات المالية الأخرى، وبالتالي، عندما يُقبل الابن في الجامعة ويُصنف تحت شريحة رسوم عالية، تواجه العائلة ضغطاً مالياً خانقاً. وتظهر هذه الظاهرة بوضوح أكبر في المدن الكبرى مثل جاكرتا، وباندونغ، وسورابايا، ويوغياكارتا، حيث تكاليف معيشة الطلاب مرتفعة للغاية، إذ لا تمثل الرسوم الدراسية سوى جزء من إجمالي الإنفاق على التعليم، فهناك مصاريف السكن، والتنقل، والطعام، والكتب، والإنترنت، والأجهزة الرقمية، والمتطلبات الأكاديمية الأخرى، وإذا ما جُمعت هذه المصاريف معاً، فإن تكلفة التعليم العالي قد تصل إلى مبالغ طائلة خلال فترة الدراسة.

وفي النظرية الاقتصادية، يُنظر إلى التعليم كاستثمار في رأس المال البشري حيث يستثمر الفرد في التعليم على أمل الحصول على دخل أعلى في المستقبل، لكن سوق العمل الحالي يمر بتغيرات متسارعة جداً، ويواجه العديد من الخريجين تحديات في العثور على وظائف تناسب مجالات دراستهم، وبدأت تظهر ظاهرة التعليم الزائد عن الحاجة عندما يكون المستوى التعليمي للفرد أعلى من متطلبات الوظائف المتاحة، ومن جهة أخرى، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والرقمنة تعيد تشكيل هيكل العمالة، ونتيجة لذلك، بدأت بعض الأسر تتساءل عما إذا كانت تكاليف الجامعات الباهظة تتماشى مع المنافع الاقتصادية التي سيتم جنيها مستقبلاً، ويصبح هذا التساؤل أكثر إلحاحاً عندما تستمر تكاليف التعليم في الارتفاع، بينما يسير نمو دخل الأسر بوتيرة أبطأ بكثير. إن الخطر الأكبر لغلاء التعليم العالي لا يكمن فقط في مسألة التكلفة المادية، بل في نخبوية وحصرية الوصول إلى التعليم، فإذا أصبح التعليم العالي حكراً على من يملك المال، فإن فرص دخول أفضل الجامعات ستُهيمن عليها الطبقات الاقتصادية العليا، ومستقبلاً، سيؤدي هذا الوضع إلى إعادة إنتاج التفاوت الطبقي والاجتماعي، حيث يحصل أبناء الأغنياء على أفضل تعليم، ثم ينالون أفضل الوظائف، ليرتفع دخلهم، ويحصل أبناؤهم بدورهم على أفضل تعليم، وفي المقابل، سيواجه أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة عقبات متزايدة لدخول دائرة الفرص هذه، وإذا تُرِك الأمر على حاله، فلن يصبح التعليم أداة للحراك الاجتماعي، بل سيتحول إلى أداة لترسيخ الفوارق الطبقية.

وتتمتع إندونيسيا حالياً بالعائد الديموغرافي حيث تقع غالبية السكان ضمن الفئة العمرية الإنتاجية، وهي فرصة ذهبية للتحول نحو مصاف الدول المتقدمة، ولكن هذا العائد لا يضمن التقدم تلقائياً، بل لن يكون بركة ونعمة إلا إذا كانت القوى العاملة تمتلك رأسمالاً بشرياً عالي الجودة، وهنا يبرز الدور الاستراتيجي للتعليم العالي، فإذا أصبح الوصول إليه صعب المنال بالنسبة للطبقة المتوسطة، فإن جودة رأس المال البشري الإندونيسي مهددة بالتعثر، ونتيجة لذلك، قد يتحول العائد الديموغرافي الذي من المفترض أن يكون محركاً للنمو الاقتصادي إلى عبء اجتماعي إذا لم يرافقه ارتقاء في جودة التعليم وإتاحتها. وتقف الطبقة المتوسطة في موقع فريد، فهم ليسوا فقراء تماماً ليحصلوا على الدعم الكامل، وليسوا أغنياء ليتحملوا التكاليف دون تضحيات جسيمة، وتلجأ العديد من الأسر المتوسطة إلى استراتيجيات قاسية مثل تقليص المدخرات، وتأجيل شراء المسكن، وزيادة الديون، وسحب أموال التقاعد، وخفض الاستهلاك الأسري، وعلى المدى القصير، قد تساعد هذه الحلول في تمويل تعليم الأبناء، لكنها على المدى الطويل تضعف المرونة والصلابة المالية للأسرة، وبما أن الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للاستهلاك المحلي، فإن تضررها سينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني بأكمله.

لقد واجهت عدة دول مشكلات مماثلة وطورت حلولاً لها، ففي الدول الإسكندنافية مثل فنلندا والنرويج، تُمول الدولة التعليم العالي بالكامل تقريباً مما يجعل الرسوم منخفضة جداً، وفي أستراليا، يوجد نظام القروض التعليمية القائم على الدخل حيث لا يبدأ الخريج في سداد القرض إلا بعد حصوله على وظيفة ذات دخل محدد، وفي ألمانيا، لا تفرض معظم الجامعات الحكومية رسوماً دراسية مرتفعة لأن التعليم يُنظر إليه كاستثمار عام، وطبعاً، لا يمكن لإندونيسيا استنساخ هذه النماذج بحذافيرها، لكن تجارب الدول تظهر أن التعليم العالي يجب أن يُعامل كاستثمار وطني، وليس مجرد مسؤولية فردية. ولحل هذه المعضلة في إندونيسيا، نحتاج إلى حلول شاملة تبدأ من توسيع مظلة المنح الدراسية للطبقة المتوسطة الهشة عبر تطوير منح جزئية، وصياغة نظام قروض تعليمية عادل يُسدد بعد التخرج والحصول على وظيفة بدخل معين لتقليل المخاطر المالية على الطلاب، وتعزيز شفافية التكاليف الجامعية لمعرفة مكونات الرسوم المفروضة بدقة مما يعزز المساءلة ويدفع نحو كفاءة إدارة الجامعات، مع زيادة الاستثمار الحكومي في التعليم العالي للتأكد من أن الميزانيات تساهم فعلياً في تيسير الوصول وتحسين الجودة، بالإضافة إلى دعم التعليم المهني والمسارات البديلة والتدريب القائم على المهارات لتقديم خيارات مرنة للمجتمع، وإشراك قطاع الأعمال والشركات عبر برامج المنح والابتعاث الداخلي المرتبط بالتوظيف والتدريب مدفوع الأجر وتمويل البحوث لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

وفي نهاية المطاف، إن قضية غلاء التعليم العالي لا تتعلق بمجرد أرقام ورسوم دراسية، أو تكاليف سكن، أو فواتير فصلية، بل هي قضية تمس مستقبل الحراك الاجتماعي للأمة برمتها، فالأمة المعافاة هي التي تتيح لكل طفل أن يحلم بأعلى الطموحات دون أن تحده الظروف الاقتصادية لعائلته، وعندما يصبح التعليم العالي باهظ الثمن، فإن ما يتعرض للتهديد ليس مجرد ميزانيات الأسر المتوسطة، بل مبدأ تكافؤ الفرص الذي يمثل ركيزة البناء الحديث. إن إندونيسيا تحتاج إلى طبقة متوسطة قوية، وفي المقابل، تحتاج هذه الطبقة إلى تعليم متاح وميسور التكلفة للحفاظ على جودة حياتها والارتقاء بها، والعلاقة بينهما تكاملية وتراكمية، ولذا، فإن الحفاظ على تيسير تكاليف التعليم العالي ليس عبئاً أو إنفاقاً، بل هو استثمار طويل الأجل لمستقبل البلاد، فإذا استمر التعليم كسلعة غالية لا ينالها إلا القلة، فإن العائد الديموغرافي قد يفقد معناه، أما إذا ظل مشرع الأبواب أمام الجميع، فستعود الجامعات لتكون سلماً للأمل، ومكاناً يحول فيه كل طفل إندونيسي حلمه إلى حقيقة

، علماً بأن هذا المقال قد نُشر في عمود الرأي بصحيفة كومباس الشهيرة.