عندما تكف الديموغرافيا عن كونها ميزة
أ. د. محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين (ADI)
عضو المجلس التنفيذي المركزي للرابطة الإندونيسية للاقتصاديين الإسلاميين (IAEI)
عضو الجمعية الاقتصادية الإندونيسية (ISEI) فرع جاكرتا
عضو الهيئة التوجيهية لمعهد تنمية الاقتصاد والأمة بمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)
لعقود خلت، أُدرج مفهوم "العائد الديموغرافي" بوصفه "التذكرة الذهبية" لنيل رؤية إندونيسيا الذهبية 2045. وتكرر التأكيد في العديد من الخطابات الرسمية، ووثائق تخطيط التنمية، والمنتديات الأكاديمية على أن هيمنة السكان في سن العمل ستشكل المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي. إن المنطق البنيوي لهذا المفهوم بسيط في جوهره؛ فعندما يفوق عدد السكان في سن العمل الفئات غير الإنتاجية بفارق كبير، تتضاعف الإنتاجية، ويتعزز الاستهلاك، وينمو الاستثمار، وينطلق الاقتصاد بخطى حثيثة.
بيد أن السؤال الجدير بالاطراح اليوم هو: هل لا يزال العائد الديموغرافي يشكل ميزة وعائداً حقيقياً؟ إن طرح هذا السؤال لا ينبع من نزعة سوداوية أو تشاؤمية، بل هو قراءة تقويمية لمؤشرات متعددة تدل على أن التفوق الديموغرافي لا يتحول تلقائياً إلى تفوق اقتصادي. بل إن هذا العائد يظهر في كثير من الحالات أعراضاً تحوله إلى عبء ديموغرافي ثقيل ما لم يُدر بحكمة وكفاءة.
تخوض إندونيسيا بالفعل غمار مرحلة العائد الديموغرافي؛ إذ تشير تقديرات هيئة الإحصاء المركزية (BPS) إلى أن هذه الحقبة امتدت منذ عام 2012 وتستمر حتى عام 2035 تقريباً، وسط هيمنة واضحة للشريحة السكانية المنتجة. ففي عام 2025، بلغت نسبة السكان في سن العمل نحو 68.95%، مع معدل إعالة يناهز 45%؛ ما يعني أن كل 100 فرد في سن الإنتاج يعولون نحو 45 فرداً من الفئات غير المنتجة. ومن الناحية النظرية، تشكل هذه الوضعية الزخم الأمثل لدفع عجلة النمو الاقتصادي وتدشين طفرة تنموية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه إندونيسيا اليوم لم يعد ينحصر في نقص الأيدي العاملة، بل يكمن في "جودة" هذه القوى العاملة. وتظهر بيانات هيئة الإحصاء المركزية أن معدل البطالة المكشوفة انخفض إلى 4.68% في فبراير 2026، بينما ارتفع إجمالي المشتغلين إلى نحو 147.67 مليون شخص. ورغم أن هذه الأرقام تبدو مشجعة في ظاهرها، إلا أن الإحصاءات التجميعية تخفي في طياتها معضلة أكثر عمقاً؛ إذ إن قطاعاً واسعاً من الوظائف المستحدثة يتركز في قطاعات ذات إنتاجية متدنية وأجور منخفضة، يغلب عليها الطابع غير الرسمي. ولا تزال الغالبية العظمى من فرص العمل الجديدة تُستوعب في مجالات الزراعة التقليدية، والتجارة الصغيرة، والمهن غير الرسمية ذات المردود الإنتاجي المحدود.
وبعبارة أخرى، فإن أعداد العاملين تشهد نمواً عدديّاً، بيد أن القيمة الاقتصادية المضافة الناتجة عنها لا تنمو بمعدل متكافئ. وهنا تحديداً يفقد العائد الديموغرافي معناه؛ إذ إنه لا يختزل في مجرد زيادة أعداد المشتغلين، بل يتحقق عندما تتسم القوى العاملة بإنتاجية عالية، وقدرة على الابتكار، وإسهام فعلي في رفع الناتج القومي. وإذا اقتصر عمل ملايين السكان في سن الإنتاج على التنقل بين المهن غير الرسمية، فإن النتيجة لن تكون فرصة ديموغرافية، بل ركوداً ديموغرافياً.
وتتجلى المعضلة التالية في ظاهرة "عدم التوافق" (Mismatch) بين المخرجات التعليمية ومتطلبات سوق العمل. ومن المفارقات أن ارتفاع المؤهل العلمي للفرد لا يعني بالضرورة سهولة حصوله على وظيفة تتناسب مع كفاءته. وتؤكد أحدث دراسات هيئة الإحصاء المركزية أن معدل البطالة بين الشباب يناهز ضعف المعدل الوطني، وأن أكثر من ثلث الشباب يعملون في مجالات لا تتطابق مع مستوياتهم التعليمية. وتؤدي ظواهر زيادة المؤهل العلمي أو قصوره عن متطلبات الوظيفة إلى تراجع الإنتاجية وضغط مستويات الأجور نحو الانخفاض.
وتفسر هذه الظاهرة أسباب التحاق الكثير من خريجي الجامعات بقطاعات لا تتطلب أي كفاءة أكاديمية مما درسوه؛ ليغدو الاستثمار المكلف في التعليم عاجزاً عن إحداث الارتفاع المأمول في الإنتاجية، وهو ما يفقد العائد الديموغرافي أحد أركانه الأساسية.
ومن التحديات المتعاظمة أيضاً التحولات الهيكلية في الاقتصاد الناجمة عن الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI). فقد باتت المهن الإدارية، والروتينية، والإجرائية تتجه نحو الأتمتة والرقمنة. ولم تعد قطاعات الأعمال تبحث عن أعداد غفيرة من العمالة، بل باتت تشترط امتلاك المهارات الرقمية، والقدرات التحليلية، والإبداع، والمرونة العالية في التكيف. وفي المقابل، لا يزال النظام التعليمي الإندونيسي يتسم بالبطء في مواكبة هذه التحولات؛ إذ يُزود الكثير من الخريجين بالمعارف التلقينية بدلاً من مهارات حل المشكلات. ولم ترتقِ مهارات التفكير النقدي، والدراية الرقمية، وإدارة البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والعمل التعاوني إلى موقع الكفايات المحورية بعد.
ومع ذلك، فإن العائد الديموغرافي في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقترناً بالأعداد المجردة، بل بجودة العنصر البشري. فالدول التي نجحت في توظيف عائدها الديموغرافي لم تكن الأكثر سكاناً، بل تلك التي امتلكت القدرة على تحويل رأس المال البشري إلى رأس مال اقتصادي. وعلى النقيض من ذلك، وقعت دول نامية كثيرة في فخ الاكتظاظ السكاني في سن العمل دون توفر فرص عمل إنتاجية؛ مما أدى إلى تفشي البطالة المقنعة، واتساع القطاع غير الرسمي، وهجرة العقول، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي.
وتزداد تعقيدات العائد الديموغرافي في إندونيسيا لتزامنه مع انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن. ومع انقضاء مرحلة العائد الديموغرافي خلال عقد من الزمن تقريباً، ستلج مرحلة الشيخوخة السكانية؛ مما يعني أن الفرصة المتاحة اليوم لن تتكرر مجدداً.
إن العائد الديموغرافي نافذة زمنية عابرة؛ وإذا لم تستغل هذه المرحلة لتطوير جودة الموارد البشرية، وتسريع التصنيع، وتوليد فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية، وتعزيز الابتكار، ستواجه البلاد تحديات أشد قسوة مع تعاظم نسبة كبار السن في المجتمع.
وفي منظور اقتصاد التنمية، لا يعد العائد الديموغرافي سوى فرصة مجردة وليس ضمانة حتمية للنجاح. فهو لا يؤتي ثماره إلا إذا استند إلى مقومات هيكلية متينة، تتمثل في تعليم عالي الجودة، ورعاية صحية متكاملة، وإنتاجية مرتفعة، وحوكمة رشيدة، واقتصاد قادر على توليد وظائف ذات قيمة مضافة.
بناءً على ذلك، يتوجب على سياسات التنمية المستقبلية التحول من مجرد استهداف خفض أرقام البطالة إلى التركيز على خلق "وظائف نوعية فائقة الجودة". وينبغي توجيه الاستثمارات التعليمية نحو امتلاك العلوم والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال. كما يتوجب على الصناعة الوطنية الارتقاء نحو الصناعات التحويلية متوسطة وعالية التقنية لتستوعب العمالة الماهرة ذات الإنتاجية المرتفعة. وفي الوقت ذاته، يتعين إعادة تصميم منظومة التدريب المهني لتكون أكثر مرونة ومواكبة لمتطلبات سوق العمل، بما يضمن تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الصناعي.
فضلاً عن ذلك، فإن النجاح في استثمار العائد الديموغرافي لا يُقاس بحجم الانخفاض في معدلات البطالة فحسب، بل بالمعيار الأهم وهو مدى تمكن السكان في سن العمل من الحصول على فرص عمل لائقة وإنتاجية تتيح لهم ارتقاءً معيشياً واجتماعياً حقيقياً.
وفي المحصلة، سيخلد التاريخ أن العائد الديموغرافي لا تصنعه الكثرة الكاثرة من السكان، بل تصوغه جودة السياسات القادرة على تحويل الإنسان إلى رأس مال تنموي. وإذا أُهدرت هذه الفرصة الذهبية، فلن تفقد إندونيسيا مكاسبها الديموغرافية فحسب، بل ستخسر أكبر زخم في مسيرتها نحو مصاف الدول المتقدمة. ولعل الوقت قد حان لتغيير النظرة السائدة؛ فالواقع الذي نعيشه ليس مجرد منحة ديموغرافية، بل هو الاختبار الأكبر لمدى قدرة إندونيسيا على تحويل التفوق العددي إلى تفوق نوعي. وما لم يتحقق ذلك، سيفقد العائد معناه تدريجياً، ولن يتبقى سوى أرقام ديموغرافية صماء تجرّد الاقتصاد من عوامل نهضته ومقومات تقدمه.
نُشر هذا المقال في زاوية الرأي بصحيفة Kata Data يوم السبت، 08 أغسطس 2026.
