ظاهرة "العيش الاقتصادي" وضغوط الطبقة الوسطى

ظاهرة "العيش الاقتصادي" وضغوط الطبقة الوسطى

بقلم: البروفيسور الدكتور محمد نور ريانتو العارف

أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا

الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين

عضو الإدارة المركزية للرابطة الإندونيسية للاقتصاديين الإسلاميين

عضو إدارة جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين فرع جاكرتا

موجه مجلس تنمية الاقتصاد الشعبي بالمرصد الإندونيسي للعلماء

نشهد في الوقت الحالي تغيرات ملموسة في سلوك المستهلكين. فبينما كانت المطاعم تكتظ بالرواد والمراكز التجارية تزدحم بالمتسوقين الحاملين لأكياس المشتريات الوفيرة خلال عطلات نهاية الأسبوع قبل بضع سنوات، أصبح المشهد اليوم مختلفًا تمامًا. لا يزال الزوار يأتون، لكن معظمهم يكتفي بالتجول، ومقارنة الأسعار، أو البحث عن التخفيضات. بل إن كثيرًا منهم بات يفضل جلب طعامه من المنزل، أو إلغاء الاشتراكات في بعض منصات الترفيه الرقمي، أو تأجيل شراء السلع التي يرغبون فيها بشدة في الأصل.

هذا التحول في السلوك ليس مجرد صرعة عابرة، بل هو انعكاس للواقع الاقتصادي الذي تواجهه الطبقة الوسطى في إندونيسيا. ففي السنوات الأخيرة، واجهت هذه الفئة — التي طالما شكلت العمود الفقري للاستهلاك المحلي — ضغوطًا متزايدة؛ بدءًا من ارتفاع تكاليف المعيشة، مرورًا بعدم الاستقرار الوظيفي، والأقساط الشهرية المرتفعة، وصولاً إلى تباطؤ نمو الدخل. كل هذه العوامل دفعت إلى بروز نمط حياة يعرف اليوم باسم "العيش الاقتصادي" (Frugal Living).

في واقع الأمر، لا يعد مصطلح "العيش الاقتصادي" مفهومًا جديدًا؛ ففي أدبيات الاقتصاد السلوكي، يشير هذا المصطلح إلى نمط حياة يتسم بالادخار والتركيز على النفقات الضرورية والابتعاد عن الاستهلاك المفرط. ومع ذلك، فإنه في السياق الإندونيسي الحالي، لم يعد هذا السلوك مجرد خيار اختياري لنمط الحياة، بل تحول بشكل متزايد إلى استراتيجية بقاء تلجأ إليها شريحة واسعة من الطبقة الوسطى.

تستدعي هذه الظاهرة اهتمامًا وتحليلاً دقيقًا لما تحمله من تناقض. فمن ناحية، يمكن أن يكون العيش الاقتصادي عادة إيجابية تعزز السلامة المالية للأسر. ولكن من ناحية أخرى، إذا كان هذا السلوك وليد ضغوط اقتصادية مطولة، فإنه يصبح مؤشرًا واضحًا على ضعف القدرة الشرائية للمجتمع. وعندما يقرر قطاع واسع من الطبقة الوسطى خفض استهلاكه، فإن تداعيات ذلك لا تقتصر على الأسر الفردية فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد الوطني ككل.

وقد تصاعد الاهتمام بوضع الطبقة الوسطى في إندونيسيا بعد أن أظهرت بيانات متعددة انكماش حجم هذه الشريحة خلال السنوات الأخيرة. وتشير بيانات الهيئة المركزية للإحصاء إلى أن أعداد الطبقة الوسطى في إندونيسيا في تراجع مستمر منذ ما قبل الجائحة وحتى عدة سنوات بعدها. ففي عام ألفين وأربعة وعشرين، سُجل عدد أفراد الطبقة الوسطى بنحو سبعة وأربعين مليوناً وتسعمائة ألف نسمة، وهو انخفاض حاد مقارنة بسبعة وخمسين مليوناً وثلاثمائة ألف نسمة في عام ألفين وتسعة عشر. بل وتظهر أحدث البيانات أنه بحلول عام ألفين وخمسة وعشرين، انخفض هذا العدد مجددًا ليصل إلى حوالي ستة وأربعين مليوناً وسبعمائة ألف نسمة.

وفي المقابل، ارتفعت أعداد "الطبقة الوسطى الطامحة" أو calon kelas menengah لتصل إلى حوالي مائة واثنين وأربعين مليون نسمة. يوضح هذا الوضع أن جزءًا متزايدًا من المجتمع بات يقف على خط التماس الفاصل بين الطبقة الوسطى والفئات الهشة اقتصادياً. وتكمن أهمية هذه الظاهرة في الدور الاستراتيجي الذي تلعبه الطبقة الوسطى؛ وحسب الهيئة المركزية للإحصاء، تشكل الطبقة الوسطى والفئة المؤهلة لصعودها أكثر من ستة وستين في المائة من إجمالي سكان إندونيسيا، وتساهم بأكثر من إحدى وثمانين في المائة من إجمالي الاستهلاك العائلي الوطني.

وهذا يعني أنه عندما تضعف الطبقة الوسطى، فإن المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي الوطني يفقد قوته وقدرته على الدفع. وعلاوة على ذلك، تؤكد الدراسات المختلفة أن الاستهلاك العائلي لا يزال المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا. بناءً على ذلك، فإن الصحة الاقتصادية للطبقة الوسطى هي في الحقيقة المرآة التي تعكس الصحة الاقتصادية للبلاد.

العوامل الدافعة للضغط على الطبقة الوسطى

ثمة عدة عوامل رئيسية تفسر وتوضح الأسباب وراء تعرض الطبقة الوسطى لضغوط متزايدة في الوقت الراهن، ويأتي على رأسها عامل ارتفاع تكاليف المعيشة بمعدل أسرع من نمو الدخل. فقد واجه المجتمع في السنوات الأخيرة ارتفاعًا في أسعار مختلف الاحتياجات الأساسية، بدءًا من الغذاء، والتعليم، والصحة، والنقل، وصولاً إلى السكن. وعلى الرغم من أن التضخم الإجمالي لا يزال تحت السيطرة نسبيًا، إلا أن الواقع يشير إلى أن بعض مكونات الإنفاق العائلي ترتفع بوتيرة تفوق نمو الدخل. وتجد الطبقة الوسطى نفسها في وضع خانق؛ فهم ليسوا فقراء بدرجة تؤهلهم للحصول على المساعدات الاجتماعية الحكومية، وفي الوقت ذاته ليسوا أغنياء بما يكفي لتجاهل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، مما أدى إلى ضيق المساحة المالية المتاحة للأسر.

وينضم إلى ذلك عامل ثانٍ يتعلق بتزايد حالة عدم اليقين في سوق العمل؛ فعلى الرغم من أن التحول الاقتصادي الرقمي قد خلق فرصًا جديدة، إلا أنه أحدث أيضًا اضطرابات في قطاعات تقليدية متعددة. فالعديد من الوظائف التي كانت تُعتبر مستقرة في الماضي باتت اليوم تواجه مخاطر الأتمتة، أو خطط الكفاءة، أو إعادة هيكلة الشركات. وتفيد التقارير أن العديد من موظفي القطاع الرسمي شهدوا جمودًا في دخولهم بعد الجائحة رغم الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، بل إن بعضهم تعرض لتراجع في جودة العمل، منتقلين من القطاع الرسمي إلى القطاع غير الرسمي.

كما يبرز عبء الديون العائلية المرتفع كعامل ثالث يثقل كاهل الأسر، إذ غالباً ما يتم تمويل شراء المنازل، والسيارات، وتكاليف تعليم الأبناء، والاحتياجات الاستهلاكية الأخرى عبر القروض. وعندما لا ينمو الدخل وفق التوقعات، تتحول الأقساط الشهرية إلى عبء ثقيل يرهق كاهل الأسرة. وتظهر بيانات معهد مانديري أن غالبية أفراد الطبقة الوسطى في إندونيسيا يقعون تحت طائلة أقساط أو التزامات مالية دورية. وفي ظل ظروف اقتصادية متقلبة، تحد هذه الديون من المرونة المالية للأسرة بشكل كبير.

ويكتمل هذا المشهد بعامل رابع يكمن في التغير الهيكلي للبنية الاقتصادية العامة؛ فلا يزال النمو الاقتصادي في إندونيسيا يحافظ على معدل يقارب خمسة في المائة في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن هذا النمو لم ينجح بشكل كامل في توليد وظائف عالية الجودة بأعداد كافية. ولا تزال معظم الوظائف الجديدة تتركز في قطاعات ذات إنتاجية منخفضة وأجور متدنية. ونتيجة لذلك، أصبح الحراك الاجتماعي نحو الطبقة الوسطى أكثر صعوبة، في حين يواجه جزء من الطبقة الوسطى الحالية خطر الهبوط إلى طبقة أدنى.

تحول اتجاهات الإنفاق إلى هوية اجتماعية جديدة

في ظل هذه الظروف، ولدت ظاهرة العيش الاقتصادي وحظيت بشعبية متزايدة بين مختلف الفئات، لا سيما الشباب والأسر من الطبقة الوسطى. وباتت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالمحتوى الذي يعلم طرق التوفير؛ مثل جلب الغداء إلى العمل، وتقليص ارتياد المقاهي، والحد من استخدام بطاقات الائتمان، وتتبع التخفيضات، وشراء السلع المستعملة ذات الجودة العالية، وتأجيل شراء المستلزمات غير الضرورية.

من الناحية النظرية، يعد هذا السلوك عقلانيًا تمامًا؛ ففي علم الاقتصاد، يقوم المستهلك بتعديل نمط استهلاكه عندما يواجه محدودية في الموارد. وعندما ينخفض الدخل الحقيقي أو يزداد عدم اليقين، تميل الأسر إلى زيادة الادخار وتقليص الإنفاق الاستهلاكي.

غير أن المثير للاهتمام هو تحول العيش الاقتصادي إلى هوية اجتماعية جديدة. فبينما كان نمط الحياة الباذخ يُنظر إليه سابقًا كرمز للنجاح، أصبح العيش البسيط اليوم يُعتبر دليلاً على الذكاء المالي. ولم يعد جيل الشباب مهتمًا برموز الفخامة المفرطة، بل باتوا يثمنون الاستقرار المالي، والحرية المالية، والتجارب الحياتية ذات المعنى. ومن هذا المنظور، تحمل هذه الظاهرة جانبًا إيجابيًا؛ إذ تشجع المجتمع على إدارة المال بحكمة، والابتعاد عن النزعة الاستهلاكية، وبناء مرونة اقتصادية للأسر.

ومع ذلك، يتعين علينا التمييز بين العيش الاقتصادي كخيار واعٍ، وبينه كاستجابة مجبرة للضغوط الاقتصادية. فإذا اختار الفرد العيش باقتصاد رغم امتلاكه للقدرة المالية الكافية، فإن ذلك يعد قرارًا صحيًا. أما إذا كان هذا التقشف ناتجًا عن عجز الدخل عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، فإن الظاهرة تصبح إشارة خطر تنبئ بوجود مشكلات هيكلية في الاقتصاد.

إن إحدى السمات الرئيسية للطبقة الوسطى هي قدرتها على الإنفاق الاختياري، وهو الإنفاق المتجاوز للاحيتاجات الأساسية؛ كشراء أحدث الأجهزة الذكية، والسفر، وتناول الطعام في المطاعم، والاشتراك في الخدمات الترفيهية. هذا النوع من الإنفاق يمثل الوقود الذي يحرك مختلف القطاعات الاقتصادية. ولكن مع اشتداد الضغوط الاقتصادية، تتغير أولويات الأسر؛ فيكون الإنفاق الترفيهي أول ما يتم تقليصه، يليه الإنفاق على الاستجمام، والأزياء، وصولاً إلى تأجيل شراء السلع المعمرة.

لقد تحولت الكثير من الأسر من نمط استهلاك قائم على الرغبات إلى استهلاك يقتصر على الاحتياجات. ويتضح هذا في الإقبال المتزايد على المنتجات المخفضة، والعلامات التجارية الاقتصادية، وأسواق المستعمل، والمنصات الرقمية التي تقدم أسعارًا أرخص. نفسيًا، ينتقل المجتمع الآن من وضع الاستهلاك إلى وضع البقاء، حيث لا يعود التركيز منصبًا على تحسين جودة الحياة عبر الشراء، بل على حماية الاستقرار المالي وتجنب المخاطر.

التداعيات الكلية والحلول الاستراتيجية

إن اتساع رقعة العيش الاقتصادي يحمل بالتأكيد تداعيات على الاقتصاد الكلي. ففي المدى القصير، يساعد التقشف الأسر على تحسين أوضاعها المالية. لكن إذا مارست ملايين الأسر من الطبقة الوسطى هذا السلوك بشكل جماعي، فإن الأثر السلبي على الاقتصاد الكلي لا يمكن التغاضي عنه. فعندما يضعف الاستهلاك، يشهد قطاع التجزئة تراجعًا في المبيعات، وتفقد صناعة الأغذية والمشروبات زبائنها، وتتباطأ حركة السياحة، وتتقلص خطط التوسع لدى قطاع الأعمال، وينتهي المطاف بتباطؤ وتيرة خلق فرص العمل.

هذه المخاوف تستند إلى أسس واقعية؛ إذ يرى العديد من المحللين أن انكماش الطبقة الوسطى يهدد آفاق النمو الاقتصادي في إندونيسيا كون الاستهلاك العائلي هو المحرك الأساسي للاقتصاد. وفي هذا السياق، قد يكون العيش الاقتصادي مؤشرًا مبكرًا على أن القدرة الشرائية للمجتمع ترزح تحت وطأة ضغوط شديدة. لذا، يجب على الحكومة توخي الحذر في قراءة هذه الظاهرة، وألا تُعتبر مجرد صرعة في نمط الحياة، بينما هي في الواقع تعبير عن قلق اقتصادي عميق.

إن مواجهة الضغوط المفروضة على الطبقة الوسطى تتطلب نهجًا شاملاً يستند إلى حزمة من الخطوات العملية المتكاملة. ويتصدر هذه الخطوات ضرورة خلق فرص عمل نوعية؛ فلا يكفي إندونيسيا مجرد توفير وظائف بأعداد كبيرة، بل الأهم هو خلق وظائف تتميز بإنتاجية عالية وأجور مجزية تتيح للمواطنين الارتقاء الاقتصادي الحقيقي.

ويجب أن يترافق ذلك مع الارتقاء بجودة التعليم والمهارات؛ فالتحول الرقمي المستمر سيعيد تشكيل سوق العمل، ومن ثم فإن الاستثمار في التعليم والتدريب هو المفتاح لرفع تنافسية العمالة الإندونيسية. كما يتوجب على الحكومة كقضية حيوية الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية؛ فالسيطرة على التضخم شرط لا غنى عنه لحماية القدرة الشرائية المتهالكة للطبقة الوسطى.

ومن جانب آخر، يتطلب الوضع توجيه الائتمان نحو الإنتاج وتوسيع نطاق الوصول إلى التمويل الإنتاجي؛ حيث يقع الكثير من الأسر في فخ الديون الاستهلاكية، بينما يساعد التمويل الإنتاجي على بناء المشاريع المجدية وزيادة الدخل. كقاعدة أساسية أخيرة، تبرز أهمية تعزيز نظام الحماية الاجتماعية التكيفي؛ فالطبقة الوسطى الهشة معرضة للسقوط في براثن الفقر عند تعرضها للصدمات الاقتصادية كفقدان الوظيفة أو الأزمات الصحية، لذا نحن بحاجة إلى نظام حماية قادر على إسناد هذه الفئة قبل انهيارها الفعلي.

خلاصة القول؛ إن تراجع أعداد الطبقة الوسطى في إندونيسيا من حوالي سبعة وخمسين مليون نسمة في عام ألفين وتسعة عشر إلى قرابة سبعة وأربعين مليون نسمة بين عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو رسالة حية لصناع القرار بأن ثمار النمو الاقتصادي لم تجد طريقها للتوزيع العادل بعد. إن قوة الأوطان واستقرارها يُقاسان تاريخيًا بقوة وتماسك طبقتها الوسطى؛ وعندما تضطر هذه الطبقة المؤثرة إلى شد الحزام والدخول في وضع البقاء، فإن مستقبل النمو الاقتصادي برمته يصبح في مهب الريح.

نُشر هذا المقال في قسم الآراء بصحيفة "كومباس" (Kompas) الصادرة يوم الأربعاء، السابع عشر من يونيو عام ألفين وستة وعشرين.