رمضان ومفارقة الاستهلاك
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ جامعي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية، رئيس القيادة الفرعية للمحمدية – جاكرتا الشرقية)
في كل مرة يحلّ فيها شهر رمضان، يتغير مشهد المدينة. فالطرق التي تعج عادةً في الصباح تصبح هادئة، لكنها قبيل الغروب تتحوّل إلى بحر من الناس. تمتلئ الأرصفة ببائعي وجبات الإفطار، وتزدحم مراكز التسوق، وتمتلئ عربات التسوق، وتغصّ الهواتف بإشعارات التخفيضات. وفي الوقت نفسه، تظل الخطب الدينية تذكّر الناس بضبط النفس، البساطة، والتعاطف مع الفقراء.
هاتان الحقيقتان تتعايشان جنبًا إلى جنب، ولكنهما متناقضتان. رمضان شهر الامتناع عن الشهوات، لكنه أيضًا موسم الاستهلاك الأكبر. يعلمنا رمضان تقليل الرغبات، لكنه في الوقت ذاته يحفّز الإنفاق المتزايد. يذكّر بالبساطة، لكنه يرفع المعايير الاجتماعية إلى مستويات أعلى وأغلى. وهنا يكمن التناقض: الصيام يضعف الجسد، لكنه يقوي السوق.
وقد بيّن الله تعالى الهدف من الصيام في كتابه الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
فالهدف من الصيام هو التقوى، لا مجرد الجوع. والتقوى تعني القدرة على ضبط النفس، لا سيما تجاه ما هو مباح ولكنه بحاجة إلى ضبط. لذلك، لم يُشرع رمضان لنقل المتعة أو صرفها، بل لتنظيمها وضبطها.
هذه الظاهرة ليست مجرد مفارقة أخلاقية فردية، بل نمط اجتماعي واقتصادي يتكرر كل عام. إنه نمط منتظم أكثر من أن يكون صدفة، وأوسع من أن يكون خطأً شخصيًا. فقد أصبح رمضان في المجتمعات الحديثة ليس مجرد عبادة روحية، بل دورة اقتصادية سنوية.
في أبسط معانيه، الصيام هو تقليل. ليس الصيام تغيير وقت الطعام، بل تقليل سيطرة الحاجة البيولوجية على وعي الإنسان. يُستعمل الجوع كأداة للتأمل، فحين تضعف الدوافع الجسدية، تتسع مساحة الروح.
لذلك، منطقًا، يفترض أن يقلّ الاستهلاك. وقد أكّد القرآن مبدأ الاعتدال في الطعام فقال:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31)
الآية لا تحرّم الأكل، لكنها تنهى عن الإسراف. المشكلة إذًا ليست في الاستهلاك نفسه، بل في العجز عن التوقف عند الحدّ. لكن الواقع الاجتماعي يشير إلى العكس.
فموائد الإفطار غالبًا ما تكون أكثر تنوعًا من وجبات الغداء الاعتيادية، من الحلويات والمقليات والمشروبات السكرية وحتى الأطباق الرئيسية تُقدّم جميعها مرة واحدة. الصيام لا يقلّل الاستهلاك، بل يتركّز الاستهلاك في فترة محددة.
الطاقة المخصصة للتأمل تتحول إلى انتظار الطعام. قبيل المغرب، لا ينشغل الناس بالتفكير أو القراءة، بل باختيار المأكولات. الوقت الذي يُفترض أن يكون ذروة الوعي، يتحوّل إلى ذروة النشاط الاستهلاكي. هنا يظهر التحوّل من ضبط النفس إلى إدارة وقت المتعة.
اقتصاديًا، رمضان حالة استثنائية لكنها متكررة بثبات. الطلب على المواد الغذائية يرتفع، أسعار السلع الأساسية ترتفع، وحجم المعاملات التجارية يتضاعف. بل إن بعض القطاعات تعتمد على هذا الشهر لضمان استمرارية أعمالها.
ما تغيّر ليس الحاجة البيولوجية، بل توقعات المجتمع لكيفية قضاء الشهر. الناس لا يأكلون أكثر لأنهم أشدّ جوعًا، بل لأن التوقعات الاجتماعية ارتفعت. كانت موائد الإفطار الجماعية وسيلة بسيطة للتواصل، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى طقس اجتماعي بمعايير غير مكتوبة. والقرآن يربط التقوى بالعناية الاجتماعية وليس بالترف الرمزي:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8)
المفارقة أن أفضل الأطعمة تُقدَّم أحيانًا للضيوف على حساب الفقراء.
وتدرك الصناعة أن رمضان هو أكبر لحظة عاطفية جماعية، فتنتج سلعًا دينية، وتروج لروحانية السوق، وتحوّل التدين إلى سلعة. وهنا تأتي آية أخرى ذات صلة:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (التكاثر: 1)
فالتكاثر قد يظهر في المنافسة الخفية: من يقدم أكبر مائدة، أو أوسع مأدبة، أو أفضل ضيافة. الاستهلاك يصبح وسيلة للمشاركة الثقافية.
نفسيًا، يشعر البعض بأنهم يستحقون المكافأة بعد صيام النهار، فيتحوّل ضبط النفس إلى تبرير للإفراط ليلاً. والغاية الحقيقية للصيام هي الصبر على الرغبة، وليس تأجيل الإشباع. ولذا ختم الله تعالى آية الصيام بغاية التقوى: “لعلكم تتقون”.
التقوى ليست مجرد الامتناع عن الطعام، بل القدرة على قول “كفى”. وارتفاع الأسعار في رمضان ليس مجرد مشكلة توزيع، بل سلوك جماعي. فالشراء المفرط يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإلحاق الضرر بالفقراء. وقد حذّر القرآن:
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: 27)
الآية تحذر ليس من الطعام الحرام، بل من الإسراف الذي يخلّ بالتوازن الاجتماعي. فالامتثال الحقيقي للدين يقاس بتأثيره على الفئات الضعيفة:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون: 1–3)
الحل ليس رفض النشاط الاقتصادي في رمضان، بل إعادة توجيهه من الاستهلاك إلى التوزيع، ومن رفع المعايير الرمزية إلى تعزيز روح العطاء. وقد رسم القرآن مبدأ الاعتدال في الإنفاق:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67)
البساطة ليست فقرًا، بل ضبطًا. رمضان يعود كل عام في نفس الموعد، لكن الإنسان لا يتجدد تلقائيًا. قد نغيّر أوقات الطعام، لكن الأهم تغيير علاقتنا بالرغبات.
نمتنع عن الأكل مؤقتًا، لكننا لا نتوقف عن الرغبة. ويكشف التناقض الاستهلاكي في رمضان أن ضبط الجوع أسهل من ضبط الرغبة في التملك. جوهر الصيام هو تعلّم الاكتفاء.
وربما يكون النصر الحقيقي ليس في امتلاء المائدة يوم العيد، بل في أن يشعر الإنسان بالرضا والاكتفاء بعده. فالصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بل تدريب على التحرر من الرغبة في الامتلاك المستمر.
تم نشر هذا المقال في صحيفة "سوارا المحمدية" يوم الإثنين، 16 فبراير 2026.
