رعاية إندونيسيا بروح الطبيعة

رعاية إندونيسيا بروح الطبيعة

أحمد ثولابي شارلي
(أستاذ جامعي ونائب رئيس جامعة UIN شريف حيدياتولا جاكرتا للشؤون الأكاديمية)

يحتفل المسلمون كل عام بعيد الفطر كعلامة على انتهاء شهر رمضان. هذا العيد يمثل لحظة روحية تدعو الإنسان إلى العودة إلى الفطرة، أي حالة النفس النقية، القلب الصافي، والوعي الأخلاقي الذي يجد مجددًا طريق الخير.

في التقليد الإسلامي، تُفهم الفطرة على أنها نقاء الفرد، الذي يحتوي بداخله إمكانيات الإنسان للنمو نحو الحق والعدالة والمحبة. وقد ورد عن رسول الله ﷺ أن كل إنسان يولد على الفطرة، أي على حالة مستقيمة ونقية خالية من المصالح التي تشوه الضمير.

يأتي رمضان كمجال للتربية الروحية، يوجه الإنسان لتنقية نفسه من جمود الطمع، والكراهية، والأنانية. وبعد شهر من التدريب على ضبط النفس، يُتوقع من الإنسان أن يعود إلى وعيه بفطرته.

لذلك، فإن عيد الفطر لا يقتصر على معنى الانتصار على الجوع والعطش فحسب، بل يمثل أيضًا انتصار الإنسان على نفسه من خلال التحكم في الشهوات التي قد تقوده إلى قسوة القلب وضيق الأفق. هذا الانتصار يوجه الإنسان لرؤية الآخرين بقلوب متسعة.

الفطرة والوعي الأخلاقي

في المجتمع الإندونيسي، ينعكس معنى الفطرة في تقاليد عيد الفطر المميزة؛ حيث يزور الناس بعضهم البعض، ويتصافحون، ويتبادلون الصفح. المنازل مفتوحة للعائلة والجيران والأصدقاء، وتتلاشى تدريجيًا الحواجز الاجتماعية التي كانت تبدو جامدة. حتى المسافات التي كانت تفصل بين الناس بسبب اختلاف الطبقات أو السياسة أو المعتقدات، تبدو متلاشية في أجواء الصلة الاجتماعية.

هذه التقاليد تتجاوز العادات الاجتماعية البحتة، فهي تحمل قيمًا أخلاقية عميقة تتمثل في الاستعداد للتسامح وإحياء روح الأخوة. وفي سياق الحياة الوطنية، تحمل هذه القيم أهمية كبيرة؛ فعظمة الأمة تقوم على التقدم الاقتصادي والتكنولوجي جنبًا إلى جنب مع صدق المواطنين في رعاية الحياة المشتركة.

إندونيسيا أمة قائمة على التنوع، فاختلاف الأعراق، الأديان، اللغات، والثقافات جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية. في هذا السياق، يجب فهم الوطنية على أنها وعي ينشأ من القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية القوية، وهنا تكمن أهمية الفطرة التي يُحتفل بها في عيد الفطر.

تعلم الفطرة الإنسان العودة إلى صفاء القلب، ومن القلب الصافي تولد المواقف الاحترامية، والتعاطف مع الآخرين، والرغبة في الحفاظ على الانسجام الاجتماعي. عندما يعود الإنسان إلى فطرته، لا تستطيع الأحكام المسبقة والكراهية السيطرة بسهولة على قلبه، وينمو وعيه بأن لكل إنسان كرامته الخاصة.

الفطرة كطاقة للتغيير

لقد شدد علماء الإسلام، ومنهم أبو حامد الغزالي (توفي 1111م)، في كتابه "إحياء علوم الدين"، على أن قلب الإنسان مستعد أساسًا لتلقي الحق. وقد شبه الغزالي القلب بالمرايا النقية التي قد تتسخ بالذنوب والطمع والحسد، والتي تُنظف من خلال العبادة والتدريب الروحي لتتمكن من عكس نور الحق والمحبة.

وهذا يوضح أن الصلاح الروحي يولد الصلاح الاجتماعي؛ فالقلب النقي لا يثمر العداوة بل يزرع الرغبة في الحفاظ على الإنسانية.

في عيد الفطر، يجسد الزكاة جانبًا من هذه الرسالة الاجتماعية، إذ تعلم أن السعادة لا ينبغي أن تُحس وحدها، بل يجب مشاركتها مع الآخرين.

وفي سياق الحياة الوطنية، تحمل هذه الرسالة أهمية كبيرة، خاصة في ظل التفاوت الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، وانتشار لغة الكراهية، التي تهدد الوحدة. يذكر عيد الفطر الناس بقيم التسامح والمشاركة وتعزيز الأخوة، ويحثهم على رفض كل ما يضر بالحياة المشتركة.

دور الفطرة في المجتمع الحديث

أكد علماء ومفكرون معاصرون، مثل الشيخ يوسف القرضاوي (1926–2022)، أن الهدف من العبادة في الإسلام لا يقتصر على الطقوس الفردية، بل يجب أن تنتج إنسانًا صالحًا قادرًا على تحسين الحياة الاجتماعية. بمعنى آخر، للصلاح في الإسلام بُعد تحويلي، إذ يشكل شخصية فاعلة في الحفاظ على العدالة وخدمة المجتمع.

في تاريخ إندونيسيا، كانت القيم الدينية مصدرًا للأخلاق الوطنية، حيث أدرك مؤسسو الأمة دور الروحانية في تشكيل شخصية المجتمع. وبالتالي، فإن عيد الفطر يذكّرنا بأسس الأخلاق هذه، ويعلّم أن الوحدة تنمو مع الصدق في التسامح.

من القلب الذي يعود إلى الفطرة تنشأ المسؤولية الاجتماعية التي تعزز الحياة المشتركة، وتنبت الطهارة الروحية التي تحفز الالتزام بالوطن، والحفاظ على الإنسانية والعدالة. في قلب يتسامح، تجد الأمة قوتها الأخلاقية لتسير معًا نحو مجتمع أكثر حضارة ورقيًا.

تم نشر هذا المقال في detiknews يوم الأربعاء، 18 مارس 2026.

العلامات:
أستاذ جامعي في UIN جاكرتا