دولة تبخس معلميها حقهم

دولة تبخس معلميها حقهم

الأستاذ الدكتور أحمد ثولابي خارلي، الماجستير في الآداب، الماجستير في القانون

لطالما وُضع التعليم باعتباره الركيزة الأساسية لتقدم الأمم. وفي كل مرة تُثار فيها التساؤلات حول جودة التعليم، يتجه المعلمون وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات فوراً إلى بؤرة الاهتمام. 

ويُنتظر منهم تقديم تعليم إبداعي، وبناء شخصية المتعلمين، وإجراء أبحاث ذات سمعة دولية، وتعزيز الابتكار، وإعداد جيل قادر على المنافسة في الاقتصاد الرقمي. وتتزايد هذه التطلعات باستمرار مع مرور الوقت. 

وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه: هل يتطور تقدير الدولة لمهنة المعلم والمحاضر بالتوازي مع هذه المتطلبات المتزايدة؟ 
تتمتع إندونيسيا في الواقع بالتزام مالي قوي تجاه التعليم؛ إذ ينص المادة 31 من دستور عام 1945 على تخصيص ما لا يقل عن 20% من الميزانية العامة للدولة والميزانيات الإقليمية لقطاع التعليم. 

وفي ميزانية عام 2026، بلغت ميزانية التعليم 757.8 تريليون روبية، وهو الأعلى في التاريخ. وتوجه نحو 274.7 تريليون روبية للمعلمين والكوادر التعليمية، بما في ذلك البدلات المهنية لمعلمي الجهاز الإداري للدولة (ASN)، والمعلمين غير التابعين للجهاز الإداري، وكذلك المحاضرين غير الموظفين المدنيين. 

إن ضخامة هذه الميزانية تطرح سؤالاً أكثر جوهرية: إلى أي مدى يسهم الإنفاق على التعليم فعلياً في تعزيز مهنة المعلم باعتبارها رأسمالاً أساسياً للتنمية البشرية؟

هذا السؤال يتسم بالجمال والأهمية لأن جودة التعليم في نهاية المطاف تتحدد بجودة الأشخاص الذين يدرسون، ويوجهون، ويجرون البحوث، ويلهمون المتعلمين. 

أوضح خبيرا اقتصاد التعليم إريك أ. هانوشيك ولودجر وويسمان في كتابهما "الرأس المال المعرفي للأمم" (2015)، أن جودة المعلم تعد عاملاً حاسماً في تحديد جودة التعلم، وإنتاجية القوى العاملة، والنمو الاقتصادي طويل الأجل. 

وتظهر هذه النتيجة أن أكبر استثمار في التعليم يكمن في الحقيقة في جودة كواده التعليمية.

ارتفاع المعايير 
أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من خلال تقرير "نظرة على التعليم 2024" أن متوسط دخل المعلمين في الدول الأعضاء يقع في حدود 81 إلى 88 بالمائة مقارنة بالعاملين الآخرين الذين يحملون مستويات تعليمية متكافئة. 

وأكدت المنظمة أن رفاهية المعلمين، وآفاقهم المهنية، وبيئة عملهم تعد العوامل الرئيسية في جذب المعلمين ذوي الكفاءة العالية والاحتفاظ بهم. 
كما أظهر تقرير المنظمة أن 18 من أصل 21 دولة تتوفر لديهم البيانات عانت من نقص في المعلمين في بداية العام الدراسي 2022/2023. وتوضح هذه الظاهرة أن مهنة التعليم تواجه تحدياً عالمياً. 

وتستجيب العديد من الدول لهذا الوضع من خلال تحسين مستوى الرفاهية، والتطوير المهني، وتخفيف الأعباء الوظيفية. 

تواجه إندونيسيا قضية أكثر تعقيداً؛ فقد رفعت الحكومة قرابة مليون معلم متعاقد إلى صفوف موظفي الدولة بعقود عمل (ASN PPPK) خلال السنوات الخمس الماضية، وتعد هذه الخطوة إنجازاً مهماً.

وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك مئات الآلاف من المعلمين غير التابعين للجهاز الإداري ينتظرون حسم وضعهم الوظيفي.

وفي العديد من المدارس الخاصة، تتأثر رفاهية المعلمين بشكل كبير بالقدرة المالية للجهات المشرفة على التعليم، مما يجعل الفجوة في الدخل واضحة للعيان. 

ويظهر وضع مماثل في مؤسسات التعليم العالي؛ حيث خصصت ميزانية 2026 بدلات مهنية للمحاضرين غير الموظفين المدنيين لنحو 80,000 محاضر ممن يستوفون الشروط. 

ومع ذلك، لا يزال المحاضرون الدائمون في المؤسسات الخاصة بمختلف الجامعات الأهلية يواجهون تفاوتات في المكافآت، وفرص تمويل البحوث، وفرص التطوير الأكاديمي، والتنقل الدولي مقارنة ببعض نظرائهم في الجامعات الحكومية. 

وفي الوقت ذاته، تتزايد المتطلبات المهنية بسرعة فائقة؛ فالطاقم التعليمي مطالب بإتقان التعلم الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتعليم الشامل، والتقييم القائم على البيانات، ومختلف أنظمة التقارير. 

كما يواجه المحاضرون متطلبات إنهاء دراسة الدكتوراه، والنشر الدولي، والمنح البحثية، وتصنيف الجامعات، وتطبيق الابتكارات، فضلاً عن مؤشرات الأداء التي تزداد تفصيلاً.

تؤكد ليندا دارلينج هاموند في كتابها "العالم المسطح والتعليم" (2010) أن النظام التعليمي المتميز يعتمد دائماً على جودة المعلمين، والتطوير المهني المستمر، والدعم السياساتي المتناسق. 


في غضون ذلك، يوضح لي س. شولمان من خلال مفهوم "المعرفة البيداغوجية بالمحتوى" (1986) أن جودة التدريس هي مزيج بين إتقان المادة العلمية، والقدرة التربوية، والبيئة المهنية الداعمة. 

وهنا يتجلى تناقض السياسة التعليمية في إندونيسيا بوضوح؛ فبينما تتصاعد المعايير المهنية باستمرار، يسير تمكين المهنة وتطويرها بسرعات مختلفة. 

ولا تزال ظاهرة قيام المحاضر بالتدريس في أكثر من جامعة قائمة، خاصة في بعض الجامعات الخاصة، كاستراتيجية لتلبية الاحتياجات الاقتصادية وفي الوقت نفسه لسد احتياجات الكوادر الأكاديمية في مؤسسات متعددة. 

كما يبحث بعض المعلمين عن أعمال إضافية بعد انتهاء ساعات التدريس. والوقت المهني الذي كان ينبغي أن يُستغل في إثراء عملية التعلم غالباً ما تستهلكه المهام الإدارية المختلفة.

منظور جديد 
تقدم التجارب الدولية دروساً مثيرة للاهتمام؛ فنلندا تضع المعلم في مرتبة مهنية ذات prestige وتقدير عالٍ من خلال انتقاء صارم للغاية، واشتراط درجة الماجستير كحد أدنى، ومنح استقلالية مهنية واسعة. 

وسنغافورة تبني نظاماً وظيفياً يوفر مساحة لتطوير الكفاءات مدى الحياة. أما كوريا الجنوبية فتقدم تقديراً اقتصادياً واجتماعياً يجعل من مهنة التعليم خياراً مهنياً مرموقاً. 
والوجه المشترك بين هذه الدول يكمن في طريقة النظر إلى مهنة التعليم؛ حيث يُنظر إلى المعلم كاستثمار في التنمية البشرية. وبدأ الوعي بأهمية رفاهية المربين يحظى باهتمام أكبر في إندونيسيا.

ومن الخطوات التي تستحق الثناء المبادرة التي تقدمت بها جمعية المحاضرين الإندونيسيين (ADI) للتدخل كطرف معني في مراجعة القانون رقم 14 لسنة 2005 بشأن المعلمين والمحاضرين أمام المحكمة الدستورية (MK). 
وفي القضية رقم 272/PUU-XXIII/2025، تدفع الجمعية نحو إيجاد تفسير دستوري يمنح اليقين بشأن معايير دخل المحاضرين بما يتوافق مع كرامة المهنة الأكاديمية والحق في العيش الكريم. 

تستحق هذه الخطوة أن يُنظر إليها كمسعى دستوري لتعزيز نظام التعليم الوطني. 

ولا يتوقف التركيز في هذه النضالات عند حد حجم الدخل فحسب، بل يربط رفاهية المحاضر بجودة التعليم العالي، وإنتاجية البحوث، والابتكار الوطني، والقدرة التنافسية لإندونيسيا في المستقبل. 

وفي بيانها أمام المحكمة الدستورية، ذكرت جمعية المحاضرين الإندونيسيين أن متوسط راتب المحاضر في إندونيسيا يبلغ نحو 3.36 مليون روبية شهرياً، واقترحت تحديد معيار أكثر وضوحاً للراتب الأساسي للمحاضرين من خلال قرار المحكمة الدستورية. 
تغني هذه الفكرة النقاش العام بأن الانحياز للمحاضرين ودعمهم هو جزء من استراتيجية بناء الموارد البشرية، وليس مجرد مسألة علاقات عمل.

ويتوافق هذا الطرح مع نظرية رأس المال البشري التي طورها غاري س. بيكر (1993)؛ حيث يوضح بيكر أن الاستثمار في الإنسان يحقق منافع اقتصادية واجتماعية تمتد عبر الأجيال. 

ويحقق التعليم أفضل النتائج عندما تولي الدولة اهتماماً كبيراً بجودة الموارد البشرية التي تدير العملية التعليمية. 

يمكن تعزيز اتجاه السياسات في إندونيسيا من خلال خمس خطوات: أولاً، تحتاج الحكومة إلى إعداد "خارطة طريق رفاهية المعلمين والمحاضرين 2027–2045" كجزء من استراتيجية التنمية الوطنية. 

ثانياً، تضييق الفجوة في الرفاهية بين فئات المربين المختلفة تدريجياً. ثالثاً، يتطلب التطوير المهني دعماً للدراسات العليا، وتمويل البحوث، والتنقل الأكاديمي الدولي، والحماية الاجتماعية، والتقدير للابتكار في التعليم. 

رابعاً، تبسيط الأعباء الإدارية حتى تعود طاقات المعلمين والمحاضرين موجهة نحو التعليم، والبحث، والإشراف الأكاديمي. 

خامساً، مناقشة مشروع قانون نظام التعليم الوطني تعتبر فرصة لتأكيد أن الإنفاق على المعلمين والمحاضرين هو استثمار في رأس المال البشري يحدد القدرة التنافسية لإندونيسيا في المستقبل.

لقد وفرت إندونيسيا ميزانية ضخمة للتعليم، والتحدي التالي يكمن في الشجاعة لجعل المعلم والمحاضر الركيزة الأساسية لهذا الاستثمار. 

إن هذه الخطوة ستعزز مهنة التعليم، وتثري جودة التعلم، وتسرع من تحقيق موارد بشرية متفوقة نحو "إندونيسيا الذهبية 2045".

نُشر في عمود الرأي على موقع Kompas.com، يوم السبت 18 يوليو 2026. انظر المصدر: https://www.kompas.com/edu/read/2026/07/18/142500071/negara-yang-murah-kepada-gurunya?page=3