جيل لا يعرف الراحة

جيل لا يعرف الراحة

تانتان هيرمانسياه
محاضر في علم الاجتماع بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا

كان هناك زمن كانت فيه مؤسسات العمل تُشكّل منظومات اجتماعية وثقافية مستقرة، بهياكل يمكن التنبؤ بها. بالنسبة إلى جيل إكس أو بدايات جيل الألفية، كان عالم العمل يقدّم “خريطة طريق” واضحة المعالم. فالشخص الذي يمتلك مهارات محددة كان يجد موقعًا مناسبًا لها، وكانت السلالم المهنية تُبنى على تراكم الخبرة، وطول الخدمة، ومتطلبات إدارية واضحة وقابلة للتحقق. في ذلك السياق، كان المستقبل قابلًا للحساب، وكان الراحة جزءًا مشروعًا من إيقاع الحياة.

أما اليوم، فقد انهارت تلك السردية. لقد برزت ظاهرة جديدة—وإن لم تكن حديثة تمامًا—مع دخول جيل زد (Gen-Z) إلى سوق العمل. يبدو أنهم لا يدخلون إلى بناء مستقر، بل يقعون في “مصيدة” تشبه أدوات صيد الأسماك التقليدية، التي تتيح الدخول بسهولة، لكنها تجعل الخروج شبه مستحيل.

حلقة مفرغة من تطوير المهارات والإنهاك

ما نشهده اليوم ليس مجرد ديناميات مهنية عادية، بل هو شكل من “الاحتراق الوظيفي الجماعي” المنظم. لم يعد جيل زد يسعى إلى تطوير مهاراته من أجل الترقي الوظيفي كما فعلت الأجيال السابقة.

بالنسبة لهم، أصبح تطوير الذات يوميًا آلية للبقاء، لا وسيلة للتحسن. وهذا ما يمكن وصفه سوسيولوجيًا بمفهوم “المشاية اللذّية” (hedonic treadmill)، حيث يركض الفرد بأقصى طاقته دون أن يتقدم فعليًا. يبذل الجهد، ويستنزف طاقته، فقط ليبقى في المكان ذاته.

في هذا السياق، لم يعد تطوير المهارات مرتبطًا بتحقيق الذات أو الطموح، بل أصبح وسيلة لتجنب القلق الوجودي. فالتوقف عن التعلم—even ليوم واحد—قد يعني الإقصاء من نظام تحكمه الخوارزميات والمنافسة العالمية القاسية.

ومن منظور علم الاجتماع المعاصر، تتقاطع هذه الظاهرة مع ما طرحه بيونغ-تشول هان في كتابه “مجتمع الإرهاق”، حيث لم يعد الإنسان خاضعًا لقوة خارجية، بل أصبح مستغِلًا لنفسه. إن جيل زد يضغط على ذاته باسم الإنتاجية والمرونة، ويشعر بالذنب عند الراحة.

والمفارقة أن مصدر التهديد لم يعد دائمًا رب العمل، بل بنية سوق العمل نفسها، التي باتت تهيمن عليها اقتصاديات العمل الحر (gig economy) وعقود العمل غير المستقرة. في هذا النظام، يمكن أن يفقد الفرد عمله في أي لحظة، دون إنذار. وهكذا، يصبح العمل مرادفًا للبقاء، لا لتحقيق الذات.

ويزداد هذا القلق بفعل ما أشار إليه يوفال نوح هراري بمفهوم “الطبقة غير النافعة” (useless class). فجيل زد لا ينافس البشر فقط، بل ينافس أيضًا الذكاء الاصطناعي. إنهم يركضون في سباق مع آلات لا تنام، ما يدفعهم إلى محو فكرة “الراحة” من حياتهم، ليصبحوا كأنهم آلات تعمل بمحرك القلق.

عزلة في زمن الاتصال

من الناحية الأنثروبولوجية، يُعد جيل زد أكثر الأجيال تعرضًا لعدم اليقين العالمي. لقد نشأوا في عالم تتفكك فيه البنى الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الواقع هو نتيجة تراكمات أجيال سابقة.

لذلك، لم تعد الراحة بالنسبة لهم فعل تعافٍ، بل خطر قد يؤدي إلى انهيار ما بنوه بشق الأنفس. إنهم يعيشون مفارقة قاسية: حضور واسع في الفضاء الرقمي، مقابل ضيق وجودي عميق، نتيجة الضغط المستمر ليكونوا “أفضل نسخة” من أنفسهم في كل لحظة.

نحو إعادة بناء فضاء العمل

لا يمكن ترك جيل زد يغرق في هذه الحالة من اللايقين. ثمة حاجة إلى وعي جماعي من قبل جميع الأطراف—الحكومة، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية—لإيجاد حلول واقعية.

أولًا، يجب إعادة تعريف مفهوم “الإنتاجية”. فالإنسان ليس آلة يمكن ترقيتها بلا حدود. ومن الضروري سنّ سياسات تحمي “الحق في الانفصال” (right to disconnect)، بما يتيح للفرد استعادة توازنه النفسي.

ثانيًا، ينبغي إعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي بشكل أكثر إنسانية في ظل الاقتصاد الرقمي، حتى لا تتحول مرونة العمل إلى غطاء للاستغلال المستمر.

إذا فشلنا في ذلك، فإننا نخاطر ببناء حضارة يفقد فيها الإنسان إنسانيته، لأنه أُجبر على أن يكون كيانًا يعمل بلا توقف. إن جيل زد ليس مجرد قوة عاملة، بل هو حامل المستقبل، ولا يجوز أن نتركه ينهار داخل “مصيدة” صنعناها نحن.

نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الاثنين (27/4/2026).

الوسوم:
أستاذ بجامعة UIN جاكرتا