لأكثر من قرن من الزمان، عاش المجتمع الحديث تحت فرضية واحدة لم تكن محلاً للشك تقريباً: ألا وهي أن الإنسان يجب أن يعمل. فلم يكن العمل مجرد وسيلة لكسب الدخل لتلبية متطلبات الحياة فحسب، بل كان أيضاً علامة فارقة للهوية الملازمة لشخصية المرء؛ فالمهنة لا تشرح فقط ما يعمله الشخص، بل توضح أيضاً من هو. ولهذا السبب، كان الشخص في الماضي إذا أصبح معلماً يظل يُنادى بـ "يا أستاذ" حتى بعد دخوله مرحلة التقاعد. والتكاتف التجاري يظل معروفاً بأنه تاجر، والرجل الديني يُذكر دائماً بصفته تلك، وكذلك المسؤول الحكومي، أو العسكري، أو الطبيب، أو الصحفي. لقد تحولت المهنة تدريجياً إلى هوية تتجاوز فترة النشاط الفعلي للمرء، وحتى بعد وفاته، يظل المجتمع يذكره من خلال العمل الذي كان يمارسه.
وفي هذه النقطة بالتحديد، تجد فكرة كاستيلس (Castells) في كتابه "قوة الهوية" (1997) أهليتها؛ فبالنسبة لكاستيلس، ليست الهوية مجرد سمة شخصية، بل هي قوة اجتماعية تُشكِّل وتَتَشَكَّل في الوقت نفسه بواسطة البنية المجتمعية. وتغدو الهوية هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الاجتماعية، والثقافة، بل وحتى اتجاه تطور الحضارة. وفي هذا السياق، لا تُفهم المهنة كنشاط اقتصادي مجرد، بل كفضاء يحصل فيه الإنسان على الاعتراف، والمشروعية، ولمعنى وجوده.
ثم يأتي جيدنز (Giddens) ليكمل هذا الطرح بمفهوم "المشروع التأملي للذات" (1991). فوفقاً لرأيه، يبني الإنسان الحديث ذاته من خلال سرد سيريّ مستقر نسبياً؛ إذ يشكل التعليم، والعمل، والترقية الوظيفية، وصولاً إلى التقاعد، مساراً حياتياً يُعتبر طبيعياً. وهنا يصبح المسار المهني (Career) هو العمود الفقري لهذا السرد؛ فالمرء يتعرف على ذاته من خلال مسار مهنته، بينما يقيّم المجتمع الفرد بناءً على اتساق واستمرار رحلته المهنية.
ومن وجهة النظر تلك، نبع منطق اجتماعي أُحيط بقدسية تكاد تُقبل كـ "عقيدة"؛ ففي داخل العمل يوجد مسار مهني، وفي المسار المهني تكمن آفاق الدخل، وفي الدخل تتجلى فرص الرفاهية. وقد غُرست هذه الخطيّة المباشرة بشكل منهجي عبر الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التعليمية، وعالم العمل، وحتى الثقافة الشعبية. وتضافرت جميع الأدوات الاجتماعية لتأكيد القناعة بأن الحياة الطيبة هي الحياة التي تمتلك مساراً مهنياً واضحاً.
ولا عجب إذن أن يكون السؤال الأكثر تكراراً الموجه للطالب قبل تخرجه هو: "بعد التخرج، أين تريد أن تبني مسارك المهني؟" بل إن بعض الجامعات أنشأت مراكز تحت مسمى "مركز المسار المهني". وعلى الرغم من أن الأمر يبدو بسيطاً، إلا أنه يخفي افتراضاً مفاده أن كل شخص يجب أن يمتلك مساراً مهنياً واحداً، وكأن الحياة لا تصح إلا إذا اتبعت المخطط المرسوم من قبل المجتمع.
وهذه الظاهرة هي ما ولد لاحقاً ما يمكن تسميته بـ "مجتمع المسار المهني" (Career Society). ففي مثل هذا المجتمع، يُقاس المرء لا بجودة ذاته فحسب، بل بالمنصب المهني الذي نجح في الوصول إليه. أما أولئك الذين لا يملكون مساراً مهنياً مستقراً، فغالباً ما يُنظر إليهم على أنهم حادوا عن الطريق الطبيعي للحياة.
ولكن، رويداً رويداً، بدأ هذا البناء الضخم يظهر تشققاته. فالذي ينهار في الحقيقة ليس أخلاقيات العمل، بل طريقة فهم المجتمع للعلاقة بين العمل، والهوية، ومعنى الحياة. ويصف زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) هذا التغير بأنه عرض من أعراض "الحداثة السائلة". ففي المجتمع السائل، لم تعد هناك مؤسسات راسخة تماماً؛ إذ فقد العمل، والتنظيمات، وحتى الهويات صفتها الدائمة. وما كان مستقراً في الماضي أصلح مؤقتاً، وما كان يقيناً أصلح متأرجحاً. وفي عالم دائم الحركة، لم يعد الوفاء لعمل واحد يجلب الأمان دائماً، كما لم تعد التنقلية مرادفة لعدم الولاء.
وفي وسط هذا التغير، نشأ الجيل الجديد (Gen Z) بشكل مختلف عن الأجيال السابقة؛ فهم لا يبنون حياتهم من خلال مسارات مهنية خطية، بل يبنون ذواتهم من خلال خبرات متنوعة، ومشاريع، وشبكات تواصل، وكفاءات تتطور في وقت واحد. فالتعليم الرسمي مهم، ولكنه لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة أو الشرعية؛ فهم يتعلمون في قاعات الدراسة، ولكنهم يتعلمون أيضاً عبر الإنترنت، والمجتمعات الرقمية، ومساحات العمل المشتركة، المقاهي، والمنتديات الإلكترونية، بل ومن المحادثات التي تدور بلا حدود جغرافية. إنهم يكتسبون المهارات من التجربة، والتعاون، والتجريب الذي غالباً ما لا يُدرّس على مقاعد الدراسة. ولهذا، لم يعد من الممكن تفسير هويتهم بالكامل من خلال الشهادات أو المهن الرسمية.
لقد ميزت هانا أريندت (Hannah Arendt) سابقاً بين الجهد (Labor)، والعمل (Work)، والفعل (Action)؛ فالجهد يرتبط بالحفاظ على الحياة، والعمل ينتج أثراً يستمر بعد صاحبه، بينما يشكل الفعل الفضاء الذي يعرض فيه الإنسان ذاته أمام العلن. وفي حياة الجيل الجديد، أصبح الفصل بين هذه الأبعاد الثلاثة أمراً صعباً للغاية؛ فهم يحصلون على الدخل من خلال أنشطة متعددة، وينتجون أعمالاً عبر منصات مختلفة، ويشيدون وجودهم الاجتماعي في الوقت نفسه عبر شبكات رقمية متنامية. لم يعد العمل هو المسرح الوحيد الذي تُصنع فيه الهوية.
ولهذا السبب أرى أننا ندخل مرحلة جديدة جليلة تُسمى "مجتمع المحفظة" (Portfolio Society). ففي مجتمع المحفظة، لا تعتمد الهوية الاجتماعية، والدخل، والسمعة، ومعنى الحياة، والفائدة العملية على مهنة واحدة يمارسها المرء طوال حياته. بل يتوزع كل ذلك على محافِظ متعددة من المشاريع، وشبكات التعاون، ومساحات التفاعل، والكفاءات التي تتطور باستمرار مع تغيرات العصر. فالذي يمنح القيمة ليس طول فترة بقاء الفرد dalam مؤسسة واحدة، بل قدرته على صياغة تلك التجارب المتنوعة لتصبح رأسمالاً اجتماعياً منتجاً.
كما يصف كاستيلس المجتمع المعاصر بأنه "مجتمع الشبكات" (Network Society) (1996)، وهو مجتمع تسنده الشبكات لا التنظيمات الهرمية فحسب. وفي مثل هذا المجتمع الشبكي، لا تتحدد قيمة الفرد بالمنصب الرسمي، بل بالقدرة على بناء العلاقات، وإنتاج المعرفة، والتعاون عبر الحدود. وهنا تغدو "المحفظة" (Portfolio) أكثر معنى من مجرد السيرة الوظيفية.
وهذه الظاهرة هي ما نشهده اليوم لدى الجيل الجديد (Gen Z)؛ إذ يمكن للفرد منهم أن يكون صانع محتوى، ومصمماً، ومعلماً عبر الإنترنت، ومسوقاً، ومطور تطبيقات، ومستشاراً، ورائد أعمال في الوقت نفسه. إنهم لا يفقدون بوصلتهم، بل يشكلون هويتهم عبر فضاءات متعددة بالتوازي.
لذلك، ربما نكون مخطئين إذا واصلنا التساؤل عن سبب عدم ولاء الجيل الجديد لعمل واحد. بل إن السؤال الأكثر جوهرية هو: هل ما زال المجتمع يوفر مساحة للمرء لبناء مسار مهني واحد طوال حياته؟ إن ما يفعله هذا الجيل هو في الحقيقة نقد صامت لنظام العمل التقليدي الذي بات يعجز عن استيعاب تغيرات العصر. إنهم لا يرفضون العمل، بل يرفضون جعل العمل المصدر الوحيد لهويتهم.
وأمام هذا التغير، لا ينبغي للمجتمع القديم أن يستعجل في إصدار الأحكام، بل عليه أن يفتح باب التفاوض مع الرؤية الجديدة التي يحملها الجيل الصاعد. فالذي يتغير ليس مجرد الخيارات المهنية، بل الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته.
قد يكون هذا أحد أهدأ التحولات في التاريخ الحديث؛ عندما يغادر المجتمع رويداً رويداً حضارة "المسار المهني" ليدخل حضارة "المحفظة".