جيل بلا مرساة

جيل بلا مرساة

الدكتور تانتان هيرمانشاه
(محاضر علم اجتماع الحضر في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا)

تبدأ حياة الإنسان دائمًا من نقطة بداية واضحة. يبدأ الإنسان تاريخ حياته من الأسرة، ثم تُشكّل الأسرة مجتمعًا. وينتج المجتمع جماعة، ثم يتطور المجتمع ويقوى ليصبح دولة. ويغرس المحيط القيم، وتُشكّل القيم الإنسان.

وفي هذه النقطة يجد الإنسان مرساة إنسانيته. هذه المرساة تضع الإنسان بوصفه فاعلًا في التاريخ، وتمنحه اتجاهًا في مسار حياته، كما تشكّل هويته الاجتماعية.

وتنتج هذه المرساة رأس مال اجتماعيًا وثقافيًا ورمزيًا، ومن خلالها يبني الإنسان مسيرته المهنية، ويُنشئ علاقاته، ويكتب تاريخه الحياتي.

وبوجود مرساة واضحة، يضع الإنسان نفسه داخل سياق التاريخ الذي يُكتب ويُورَّث للأجيال القادمة بوصفه دليلًا للحضارة.

لكن واقع جيل Z يُظهر اتجاهًا مختلفًا. فهذا الجيل لم يعد يمتلك مرساة راسخة، إذ يعيش في ترابط رقمي لكنه يعاني من انقطاع اجتماعي.

تشير دراسة لشركة Cigna Healthcare إلى حقيقة مقلقة، إذ إن جيل Z يُعد أكثر الأجيال شعورًا بالوحدة في العالم اليوم. ورغم امتلاكهم وصولًا غير محدود إلى التواصل، حيث يرتبطون عبر الأجهزة الرقمية في كل وقت، ويستطيعون بناء علاقات عبر المسافات واللغات والثقافات، إلا أنهم ما زالوا يعانون من وحدة مزمنة، بل إن مستوى وحدتهم يفوق حتى كبار السن.

وتكشف هذه الحقيقة عن مفارقة العصر: فالتكنولوجيا توفر اتصالًا بلا حدود، بلا جدران، وبلا قيود إدارية، لكنها لا توفر القرب الحقيقي. فالعلاقات الرقمية لا تؤدي دائمًا إلى علاقات وجودية.

إن القرب بوصفه مرساة اجتماعية يتآكل تدريجيًا. والهاتف المحمول الذي يُمسك به باستمرار لا يتناسب مع عمق القرب الإنساني. وقد لا تتوافق اليد والعقل دائمًا مع القلب.

فالصداقة تبدو سهلة التكوين، لكنها أيضًا سهلة الانتهاء، تأتي بسرعة وتختفي بالسرعة نفسها.

إن القرب ينبغي أن يحافظ على جودة الإنسانية، إذ يبني التعاطف ويخلق الشعور بالانتماء. وعندما يختفي القرب، يفقد الإنسان اتجاهه الاجتماعي، وعندما يفقد الاتجاه يفقد مرساة حياته.

وتظهر مشكلة أخرى في جانب الالتزام، حيث يُظهر جيل Z ما يُعرف بتآكل الاستقرار المؤسسي. فقد بدأ هذا الجيل بالابتعاد عن المؤسسات الرسمية، ويميل إلى تأجيل الزواج أو رفضه، ويتجنب الارتباطات طويلة الأمد.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في إندونيسيا إلى تراجع معدلات الزواج في السنوات الأخيرة، وهذا التراجع يعكس تغيرًا في توجهات الحياة، حيث لم تعد الأسرة تُعتبر مرساة أساسية للحياة لدى الشباب.

ومع هذا، يصبح جيل Z أشبه برحّالة الهوية، إذ تتغير هويته وفق الخوارزميات، ولم تعد الجذور القيمية أو المجتمعية ثابتة، بل أصبحت الهوية سائلة ومرنة وهشة.

وهذا ما يُسمى بجيل بلا مرساة، إذ فقد القرب، وفقد الالتزام، وفقد الأصالة.

ويطرح السؤال الأساسي: لماذا يجب الحفاظ على المرساة الاجتماعية؟

أولًا: لأن كل حضارة تحتاج إلى نقل القيم، فالقيم تشكّل أساس الثقافة، والثقافة تحافظ على استمرارية المجتمع، وإذا تآكلت القيم بفعل العولمة والخوارزميات الرقمية فإن الحضارة تفقد أساسها.

ثانيًا: إن استمرارية الأجيال شرط لوجود الأمة، وإن رفض الزواج والإنجاب يهدد البنية الديموغرافية، مما ينعكس على الاقتصاد والسياسة والاستقرار الاجتماعي.

ثالثًا: إن الهوية المتجذرة شرط لصمود الفرد، فالفرد الذي بلا هوية راسخة يصبح عرضة للتقلبات وفقدان الاتجاه.

إن جيلًا بلا مرساة ليس مجرد ظاهرة ثقافية، بل هو مؤشر على أزمة حضارية.

فهو يعيش في وفرة تكنولوجية لكنه يعاني من نقص المعنى، ويمتلك اتصالات كثيرة لكنه يفتقر إلى العلاقات الحقيقية، ويتمتع بحرية الاختيار لكنه يفقد البوصلة.

وإذا استمر هذا الوضع، فإننا لن نفقد جيلًا فقط، بل نخاطر بفقدان المستقبل.

وقد نُشر هذا المقال في عمود صحيفة كومباس يوم الثلاثاء (20/4/2026).