جيلٌ بلا لغة معيارية
الدكتور تانتان هيرمانساه
أستاذ علم الاجتماع الحضري بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
في الآونة الأخيرة، بتنا نشعر بدهشة ملحوظة إزاء المصطلحات والكلمات الغريبة التي بدأت تتدفق على ألسنة الأطفال في أحاديثهم اليومية. وفجأة، أصبحوا يستخدمون تعبيرات هجينة ومبتكرة وغير مألوفة لدى الأجيال التي نشأت على القواميس التقليدية ودروس اللغة الرسمية في المدارس. وعندما نستفسر منهم عن سر هذه الكلمات، يوضحون ببساطة أنها مستقاة من مقاطع الفيديو المنتشرة على شبكات الإنترنت. بل إنهم يؤكدون أن هذه المصطلحات جرى نحتها وتشكيلها عمداً لتحل محل الكلمات الأصيلة، بهدف الإفلات من الرقابة الرقمية وتفادي الحظر أو القيود التي تفرضها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي. وفي بادئ الأمر، قد تبدو هذه الظاهرة عادية وعابرة، إذ لطالما كان لكل جيل لغته الدارجة وتعبيراته الخاصة التي تختفي بمرور الوقت وتحل محلها موجات أخرى، ولذلك يميل الكثيرون إلى اعتبار هذه التعبيرات الجديدة مجرد شكل من أشكال الإبداع الشبابي في العصر الرقمي.
ومع ذلك، إذا أمعنا النظر في عمق هذه الظاهرة، سنجد أن هناك تحولاً أخطر وأكبر يحدث خلف الكواليس؛ فالأمر لا يقتصر على تغير المفردات فحسب، بل يمتد ليشمل الطريقة التي تُصنع بها اللغة، والجهة التي تملك سلطة صياغتها، وطبيعة المعرفة الناتجة عنها. ونحن نعلم أنه على مر القرون، كانت المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات العلمية، والدولة هي الحارس الأمين للغة، حيث كانت تضمن امتلاك المجتمع لمرجعية موحدة تفاعلية لفهم الكلمات والمعاني وسياقات التواصل، وهو ما يُعرف باللغة المعيارية أو الفصحى. بناءً على ذلك، لم تكن اللغة الرسمية مجرد مسألة قواعد نحوية صحيحة أو خاطئة، بل كانت بمثابة الجسر الحضري الذي يمكن البشر من التفاهم العابر للزمان والمكان. وكمثال حي، يستطيع الحفيد من خلال لغة مشتركة ومستقرة أن يفهم تفاصيل حياة جده، وبفضل هذه اللغة المصانة، يمكن قراءة أفكار ونظريات العلماء واستيعابها بعد مرور عقود أو قرون على رحيلهم، لتصبح اللغة الأداة الأساسية لتوارث المعرفة وحفظ الذاكرة الجماعية للحضارات.
اليوم، يتغير هذا المشهد التاريخي بشكل متسارع، وللمرة الأولى في التاريخ، لم يعد معلم اللغة الأكثر تأثيراً في حياة الأبناء هو المدرسة أو الأسرة، بل أصبحت الخوارزمية هي الموجه الأول. وبات اختيار الكلمات لا ينبع من دقتها في وصف الواقع، بل من مدى قبولها لدى المنصات الرقمية؛ فلم يعد المرء يتساءل عن الكلمة الأكثر بلاغة، بل عن الكلمة التي تضمن له عدم حظر محتواه. ونتيجة لذلك، بدأت اللغة طواعية تتكيف مع متطلبات الآلة، لينحرف توظيفها عن غايته الأصلية، فبعد أن كانت اللغة تُستخدم لتوضيح الواقع وكشف تفاصيله، أصبحت تُستخدم في كثير من الأحيان للتمويه والمواربة والتخفي. ولم تعد الكلمات الجديدة تولد لإثراء المعنى وتوسيع المدارك، بل بدافع الحاجة إلى التفاوض مع الأنظمة الرقمية المعقدة.
قد يبدو هذا التغير طفيفاً في ظاهره، لكن تداعياته جوهرية وعميقة على التطور الفكري للأجيال القادمة. فالأجيال الحديثة من جيل الشباب والناشئة تنمو وتترعرع في بيئة تواصلية ترسخ في أذهانهم أن نجاح الحديث وقيمته لم يعودا مرتبطين بعمق الفكرة أو رصانة الحجة، بل بالقدرة على التكيف مع منطق المنصة وجاذبيتها. وقد اعتاد هؤلاء على تقديم أفكارهم باختصار شديد وسرعة فائقة لمجرد لفت الانتباه، مما جعل التقدير الاجتماعي والرقمي يذهب للمحتوى الذي يحقق انتشاراً واسعاً في ثوانٍ معدودة، وليس للأطروحات الناضجة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فاللغة ليست مجرد أداة لنقل الرسائل، بل هي القالب الذي يصوغ طريقة التفكير البشري، وعندما تصبح اللغة مقتضبة، وسريعة، ومتشظية، فإن الأنماط العقلية للإنسان مهددة بالوقوع في فخ التسطيح ذاته.
لقد بدأنا نعتاد على التواصل عبر الاختصارات، والرموز التعبيرية، والصور الساخرة، والشفيرات التي لا تفهمها إلا مجموعات مغلقة، في حين أن النقاشات العميقة والثرية تتطلب حصيلة لغوية واسعة، وصبرًا عقليًا، وقدرة على ترتيب الأفكار وصياغتها في سياق متكامل. وإذا تأملنا مجرى التاريخ، سنجد أن الحضارات الكبرى والتحولات الإنسانية العظيمة لم تُبنَ أبداً بعبارات مجتزأة وجمل قصيرة، بل قامت وازدهرت بفضل قدرة الإنسان على شرح الأفكار المعقدة بلغة رصينة يمكن توريثها للأجيال المتعاقبة. والمثير للقلق أن هذه "اللغة الخوارزمية" تحولت إلى ما يشبه رأس المال الاجتماعي الجديد في الفضاء الرقمي، حيث يصبح أولئك القادرون على ملاحقة أحدث المصطلحات وفهم الرموز الرقمية السائدة، هم الأكثر قبولاً واندماجاً في المجتمعات الافتراضية.
وفي المقابل، نجد أنفسنا أمام مفارقة جديدة ومؤلمة؛ فالكثير من المعلمين، والجامعيين، وأولياء الأمور، وحتى القادة الإداريين، باتوا يجدون صعوبة بالغة في فهم التعبيرات واللغة التي يتحدث بها جيل الشباب، مما أدى تدريجياً إلى نشوء فجوة تواصلية تتسع يوماً بعد يوم. وهذا الخلل لا يعود إلى رغبة أي من الطرفين في الانعزال، بل لأنهم يعيشون في عوالم رمزية مختلفة تماماً؛ فالمعلم يتحدث بلغة الحجة والبرهان، بينما الطالب غارق في لغة الخوارزمية، والأستاذ يطلب مقالاً تأملياً طويلاً، في حين أن الطالب اعتاد تلقي معلوماته عبر مقاطع فيديو قصيرة لا تتجاوز الدقيقة الواحدة، والأبوان يشرحان قيم الحياة من خلال حكايات ممتدة ومتعددة الطبقات، بينما الأبناء يسبحون في تدفق معلوماتي يتغير كل بضع ثوانٍ. إنهم يتواجدون جسدياً في الفضاء نفسه، لكنهم في الحقيقة لا يتحدثون اللغة ذاتها.
وعلى المدى القصير، قد لا تبدو هذه المعضلة بمثابة أزمة تؤثر على مجريات الحياة اليومية، ولكن على المدى البعيد، ستكون آثارها وخيمة على مستقبلنا المشترك. إن بقاء أي حضارة واستمرارها مرهون بقدرتها على نقل المعارف والخبرات بكفاءة من جيل إلى جيل، وتحول اللغة وتطورها يعد أمراً طبيعياً في تاريخ البشرية، لكن يتعين على الجهات الفاعلة والمؤسسات توجيه هذا التحول ليكون إثراءً للفكر الإنساني لا تضييقاً له. وإذا تخلت الأجيال عن مهارات القراءة والكتابة والمحاجة العميقة لصالح تواصل هش يعتمد على مصطلحات مؤقتة وعابرة، فإن الرهان حينها لن يقتصر على خسارة أسلوب لغوي معين، بل سيمتد ليفقد المجتمع قدرته على فهم ذاته وتخيل معالم مستقبله.
نُشر هذا المقال في قسم الآراء بصحيفة "كومباس" (Kompas) الصادرة يوم الاثنين، الخامس عشر من يونيو عام ألفين وستة وعشرين.
