جيل بلا جسد واحد

جيل بلا جسد واحد

د. طنطان هيرمانسياه

(أستاذ علم الاجتماع الحضري بكلية الدعوة وعلم الاتصال، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

حتى ما قبل "جيل الزد" (Gen-Z)، كان من السهل نسبياً قراءة الهوية الإنسانية عبر مرساة واحدة فريدة: الجسد، والوجه، والاسم. وهذه الثلاثة بطبيعة الحال ليست مجرد علامات بيولوجية؛ فالجسد هو المستقر الذي تكتسب فيه الهوية شكلها الاجتماعي، والوجه يتصدر كأكثر التمثيلات سهولة في التعرف عليها، بينما يمثل الاسم العلامة التي تربط الفرد بتاريخه، وعائلته، وسمعته، وطبقته الاجتماعية، ومختلف العلاقات الاجتماعية التابعة له. قد يلعب المرء أدواراً متعددة، غير أن الجسد الذي يؤدي هذه الأدوار يظل واحداً ثابتًا؛ فقد يكون ابناً في المنزل، وطالباً في الجامعة، وموظفاً في المكتب، وصديقاً في محيطه الاجتماعي، أو فرداً في الفضاء العام. تتغير الأدوار، لكن الجسد الذي يحمل كل تلك الأدوار يبدأ وينتهي كما هو. وهنا تحديداً تجد الهوية الحديثة إحدى ركائزها: جسد واحد كمرساة لأدوار اجتماعية متكاثرة. إلا أن العالم الرقمي بدأ يزحزح هذه الركيزة؛ إذ ينشأ جيل الزد في واقع لم تعد فيه الهوية ملزمة بالسكن داخل جسد واحد، بل بات بمقدورها التنقل بين المساحات، والمنصات، والحسابات، والصور الرمزية (Avatars)، والتمثيلات المختلفة. يستطيع الفرد أن يحضر بشخصه الحقيقي، كما يمكنه الظهور بنسخة أخرى من ذاته لا يُتعرف عليها دائماً عبر جسده البيولوجي. إننا نلج عصراً لم يعد فيه السؤال "من أنا؟" يتطلب حتماً إجابة تختزل في اسم واحد، ووجه واحد، وجسد واحد.

من جسد واحد إلى حضور متعدد
يطرح إرفينغ غوفمان (1922-1982) رؤيته بأن البشر يتحركون كالممثلين بين مسارح الحياة المختلفة. ففي "الواجهة الأمامية" (Front Stage)، يعرض المرء ذاته بما يتوافق مع التوقعات الاجتماعية المرتبطة بدوره؛ فيضبط لغته، وهندامه، وإيماءاته، وتعبيراته، بل وحتى المعلومات التي يُسمح للآخرين بمعرفتها. في حين تمثل "الكواليس/الواجهة الخلفية" (Back Stage) مساحة تخف فيها إدارة الانطباعات وتسترخي. وفي هذا الإطار، لا تعتبر الذات كائناً مكتمل الصنع داخل الفرد بمفرده، بل تتشكل الذات (Self) عبر التفاعل، وتظل دائماً مرهونة بمن يشاهد، وفي أي ظرف يُشاهد، وما الدور الذي يمارسه. بيد أنه في الفضاء الرقمي، تحضر استعارة غوفمان بشكل أكثر تعقيداً؛ فإذا كان المجتمع السابق ينتقل فيه الإنسان من مسرح إلى آخر بنفس الجسد، فإن جيل الزد يستطيع الانتقال بين المسارح مع تغيير الجسد الممثل له في الوقت ذاته. ففي "إنستغرام" قد يظهر بوجه منسق ومنقح، وفي "تيك توك" يبدو عبر فلاتر محددة، وفي الألعاب الإلكترونية يحضر كشخصية رمزية (Avatar)، وفي "يوتيوب" كشخصية كرتونية متحركة، ثم يعود في المساحة المهنية لاستخدام اسمه ووجهه البيولوجي؛ بل قد يختار في مساحات أخرى ألا يكون له وجه على الإطلاق. وبناءً على ذلك، لم تعد المسألة مجرد عدد المسارح التي يمتلكها الفرد، بل كم عدداً من الأجساد الاجتماعية التي يمكنه بناؤها لتمثيل الحياة على تلك المسارح؟

عندما يمتلك المسرح جسده الخاص
من هنا تتجلى ظاهرة جيل الزد بشكل مثير للاهتمام؛ فهم لا يكتفون بمضاعفة المسارح كما يتصورها غوفمان، بل ينشئون مسارح يمتلك كل منها جسده الخاص. فالحساب الرئيسي قد يكون مساحة للصورة المنمقة، والحساب الثاني لتفريغ الهموم والشكون، بينما الحساب المجهول (Anon) يغدو مساحة لقول ما يستحيل تصريحه بالاسم الحقيقي. وهذا يعني أن الحدود بين الواجهة الأمامية والخلفية لم تعد واضحة دائماً، بل إنهما قد يظهران بالتوازي في مساحات مختلفة؛ وما يعتبره شخص ما "كواليس خلفية" قد يكون بحد ذاته "واجهة أمامية" لآخرين. وعليه، فإن الحساب المجهول الذي أُنشئ ليكون مساحة خاصة، قد يُكتشف ويُشارك ليصبح مشاعاً عاماً. وفي هذه النقطة، نجد أنفسنا أمام مفارقة جديدة: فالمساحة التي بُنيت لإخفاء الذات قد تجر إلى كونها المساحة التي تتجلى فيها الذات بأقوى صورها. نحن نعرف من نكون لأن هناك آخرين يستجيبون لوجودنا؛ فنحن نتعلم كيف نكون أبناءً لوجود الوالدين، ونغدو طلاباً لوجود المؤسسة التعليمية، ونصير عمالاً لوجود التنظيم وتقسيم العمل. إن الهوية تولد دائماً داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية، إلا أن "مجتمع الشبكات" قد غير شكل هذه الشبكة؛ فلم تعد العلاقات مشروطة بالحدوث في نفس المكان الفيزيائي، إذ يمكن للمرء نيل الاعتراف، أو الرفض، أو الشهرة، أو النقد، بل وحتى الشعور بالانتماء من أشخاص لم يلتقِ بهم المباشرة قط. ومن ثم تصبح الذات أكثر علاقاتية، وانعكاسية، وتشتتاً؛ فلا يكتفي الفرد بالتساؤل: "من أنا؟"، بل يتساءل أيضاً: "من أكون عندما أكون أمامهم؟". والمدهش أن هذا السؤال بات يحمل إجابات متعدده لأن هؤلاء "الآخرين" متعددون ومختلفون أيضاً.

وهنا يمكننا فهم لماذا يستطيع أبناء جيل الزد امتلاك هويات رقمية متعددة دون أن يروا في ذلك تناقضاً بالضرورة؛ فهم لا يشعرون دائماً بأنهم يتصنعون أو يرتدون أقنعة، بل قد يشعرون بأنهم يقدمون أجزاء وشظايا مختلفة من ذواتهم، وكلها قد تكون أجزاء حقيقية تشكل كيانهم.

عندما تغدو الشاشة مختبراً للذات
توضح شيري توركل (مواليد 1948)، في دراساتها حول حياة الإنسان مع التكنولوجيا الرقمية، أن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول إلى ما يشبه المختبر الذي يجرب فيه المرء احتمالات متعددة لذاته. فالشاشة ليست مجرد وسيلة اتصالات، بل إنها تصبح مكاناً للاختبار والتجريب على الذات (Self). يمكن للمرء أن يجرب كيف يكون أكثر جرأة، أو أكثر مرحاً، أو أكثر جمالاً، أو أكثر نقداً، أو أكثر ذكورة، أو أكثر أنوثة، أو أكثر إبهاماً، بل وحتى مختلفاً تماماً عن صورته في الحياة اليومية. إن ما كان يتطلب سابقاً شجاعة فائقة لتطبيقه في الواقع، بات ممكناً تجريبه أولاً في العالم الرقمي. ولذلك، فإن الصورة الرمزية ليست مجرد رسمة، والفلتر ليس مجرد ميزة تقنية، والاسم المستعار ليس مجرد هوية مزيفة؛ فجميعها أدوات لاختبار الذات. ويخوض جيل الزد هذه التجارب بكثافة لم تشهدها أي أجيال سابقة؛ فهم لم يأتوا إلى العالم الرقمي بعد نضج هوياتهم، بل على العكس من ذلك، تشكلت هويات أغلبيتهم من خلال هذا العالم الرقمي. وهذا فارق جوهري للغاية: فالأجيال السابقة دخلت الإنترنت وهي تحمل هويتها معها، بينما ينشأ جيل الزد وتتشكل هويته في أحيان كثيرة عبر الإنترنت.

الوجه لم يعد معطاً ثابتاً (Given)
في مجتمعات ما قبل الرقمية، كان الوجه معطاً ثابتاً مقدراً؛ نولد بوجه معين ونخوض الحياة به. يمكننا التزين، أو تغيير تسريحة الشعر، أو إجراء عمليات، أو تعديل المظهر، لكن الجسد البيولوجي يظل الأنسجة الأساسية للتمثيل. أما التكنولوجيا الرقمية فقد غيرت المنطق؛ فالوجه اليوم يمكن إضافة فلاتر عليه، وتنعيمه، واستبداله، وغير ذلك. وبناء عليه، لم يعد الوجه معطاً يجب القبول به كما هو، بل أصبح موضوعاً قابلاً للتفاوض. وهذا التحول البسيط في المفهوم ينطوي على تحول هائل في البنية الاجتماعية؛ فعندما يصبح الوجه قابلاً للتفاوض، تغدو الهوية الملتصقة به أكثر سيولة وسيولة. وفي هذا الفضاء، يواجه جيل الزد معضلة ليست باليسيرة؛ إذ يكتسبون الحرية في امتلاك أجساد اجتماعية متعددة، ولكنهم يعيشون في الوقت ذاته ضمن نظام يمتلك قدرة فائقة على إعادة الربط والجمع بين كل تلك الأجساد. وهنا يبرز التناقض المزدوج لمجتمع الشبكات: فهو يمنح حرية الكينونة كأشخاص متعددين، ولكنه يمتلك في نفس الوقت التكنولوجيا الكفيلة باكتشاف أن كل أولئك "الأشخاص" يختبئون خلف جسد بيولوجي واحد. ولعل الأصالة (Authenticity) لم تعد تكمن في التطابق بين التمثيل الرقمي والجسد البيولوجي، بل قد تكمن في مدى التوافق بين التجربة الباطنية للفرد والطريقة التي يختار بها الحضور في مساحة اجتماعية بعينها.

جيل بلا جسد أحادي
وعليه، فإن جيل الزد ليس جيلاً فقد جسده، بل هو جيل يشهد تعدداً وتنوعاً في أجساده الاجتماعية. يمتلكون جسداً بيولوجياً، ولكنهم يمتلكون أيضاً أجساداً رقمية. يمتلكون وجهاً، ولكن لديهم أيضاً وجوهاً قابلة للتفاوض. يمتلكون اسماً، ولكن لديهم أسماء أخرى متعددة. يمتلكون حياة بيولوجية واحدة، لكنهم يستطيعون إدارة عدة حيوات اجتماعية في آن واحد. فالذات لم تسكن يوماً بمفردها داخل الجسد، بل كانت دائماً محكومة بالعلاقات؛ وعندما انتقلت العلاقات الاجتماعية إلى الشبكة الرقمية، انتشرت الذات معها داخل تلك الشبكة. جيل الزد هو أحد أوائل الأجيال التي تعيش هذا الواقع بشكل مكثف؛ فليس لديهم مسارح متعددة فحسب، بل لديهم أجساد متعددة لتلك المسارح.

ولعلنا بحاجة إلى التوقف عن رؤية الجسد الرقمي كمجرد ظل للجسد البيولوجي؛ ففي مجتمع الشبكات، بدأ ذلك الظل رويداً رويداً يمتلك حياته الخاصة. جيل الزد ليس جيلاً بلا جسد، بل هو الجيل الأول الذي استطاع أن يعيش بأكثر من جسد اجتماعي واحد.

نُشر هذا المقال في صحيفة Kompas يوم الاثنين (10 أغسطس 2026).