جيل بلا تجدد
- 07 مايو 2026
- 5 قراءة دقيقة
- 48
تانتان هيرمانساه
محاضر علم الاجتماع الحضري في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
يشيخ العالم اليوم في صمتٍ يبعث على القلق. وإذا ما قمنا بتحليل البيانات العالمية الراهنة بدقة، فإن البشرية تدخل مرحلة تُعرف باسم “ما دون مستوى الإحلال السكاني” (Below Replacement).
وهي ظاهرة وجودية تنخفض فيها معدلات الخصوبة العالمية بشكل حاد.
ففي ستينيات القرن الماضي، كانت المرأة الواحدة في العالم تنجب في المتوسط خمسة أطفال. أما اليوم فقد انخفض هذا الرقم بصورة كبيرة ليصل إلى ما بين 2.1 و2.3 طفل فقط.
في حين أن النظريات الديموغرافية المتفق عليها ترى أن مستوى الإحلال السكاني — أي الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استمرار السكان وعدم اندثارهم — يجب أن يبلغ 2.1 طفل لكل امرأة.
غير أن الواقع السوسيولوجي يكشف حقيقة أكثر إثارة للقلق؛ إذ إن أكثر من نصف دول العالم تسجل اليوم معدلات ولادة تقل بكثير عن هذا الحد الأدنى.
بل إن بعض التوقعات تشير إلى أنه خلال فترة ليست بعيدة، سيعيش ثلثا سكان العالم في واقع تقل فيه معدلات الخصوبة عن مستوى الإحلال السكاني.
وفي الدول المتقدمة تبدو الصورة أكثر إثارة للدهشة، حيث لا تتجاوز معدلات الخصوبة متوسط 1.5 طفل لكل امرأة.
إننا لا نتحدث هنا عن انخفاض موسمي أو مؤقت، بل عن تحول بنيوي عالمي سيغيّر وجه الحضارة الإنسانية إلى الأبد، وهو تحدٍّ ينبغي التفكير فيه مبكرًا.
قنبلة موقوتة داخل النظام الأسري
ليس من المستغرب أن تظهر توقعات قاتمة تقول إنه بحلول عام 2080 سيفوق عدد كبار السن عدد الأطفال.
وبشكل جدلي، يعني هذا أننا نتجه نحو وضع يصبح فيه كل شخص يشيخ ويموت بلا بديل يعوضه.
فما الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لذلك؟
إنها الظاهرة التي تُعرف بـ “القنبلة الديموغرافية الموقوتة”.
فعندما تتزايد الأعباء المالية على الدولة لتمويل عدد متضخم من كبار السن، في الوقت الذي يتراجع فيه عدد القوى العاملة المنتجة، فإن النمو الاقتصادي سيتباطأ حتمًا.
علينا أن ندرك أن تسارع الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على وفرة الفئات العمرية المنتجة القادرة على ملء سوق العمل. ومن دون تجدد الأجيال، فإن محرك النمو الاقتصادي مهدد بالتوقف الكامل.
ومع ذلك، تُوجَّه الأنظار غالبًا إلى جيل “زد” (Gen-Z) باعتباره الجيل الذي لا يرغب في الإنجاب.
لكن الرواية التي تصف جيل زد بأنه جيل كسول أو رافض للإنجاب ليست دقيقة تمامًا، بل تبدو سطحية إلى حد بعيد.
فقرارهم بعدم الإنجاب لا ينبع من فراغ، ولا من أنانية مرتبطة بأسلوب الحياة، بل هو نتيجة حسابات عقلانية مدروسة وسط واقع ضاغط.
فهناك عوامل واضحة تدفع هذا الجيل إلى العزوف عن الإنجاب؛ فتكاليف المعيشة المرتفعة، وأسعار العقارات التي أصبحت بعيدة المنال، تجعل من الصعب عليهم حتى امتلاك مسكن دائم.
كيف يمكن تخيل تربية طفل في منزل غير مستقر أو في مساكن إيجار مرهقة؟
وفوق ذلك، فإن بنية “اقتصاد الأعمال المؤقتة” (Gig Economy) — كما ناقشتُ في مقال سابق — تتوسع باستمرار، لكنها في الوقت نفسه تنتج حالة من انعدام اليقين الاقتصادي.
وفي بيئة عمل غير مستقرة، من دون ضمانات تقاعدية أو صحية متينة، يصبح إنجاب الأطفال مخاطرة مالية كبيرة للغاية.
وهنا يحدث التحول من مفهوم تكوين الأسرة إلى مفهوم تحسين الذات الفردية. فجيل زد يفضل أولًا ضمان نجاته وسط العاصفة الاقتصادية، بدلًا من جلب حياة جديدة قد تغرق معهم في الأزمة نفسها.
أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي
من منظور سوسيولوجي، تمثل هذه الظاهرة أزمة حادة في إعادة الإنتاج الاجتماعي.
وإذا استخدمنا الإطار الفكري لكل من بيير بورديو أو أنطوني غيدنز، فإن قضية الإنجاب ليست مجرد مسألة بيولوجية.
بل إنها تتضمن أبعادًا اجتماعية وثقافية متعددة، مثل الثقافة الطبقية، والمؤسسات الاجتماعية، وانتقال القيم التي تشكل تفضيلات المجتمع.
وعندما تنقطع سلسلة التجدد السكاني، تظهر مشكلة بنيوية عميقة؛ إذ تتوقف تلقائيًا عملية انتقال “الهابيتوس” والقيم النبيلة والبنى الاجتماعية عند الأجيال الأكبر سنًا.
إن “جيلًا بلا تجدد” يعني اضطرابًا منهجيًا في واقع إعادة الإنتاج الاجتماعي. فما نملكه اليوم من رؤى وتصورات للمستقبل سيتوقف طبيعيًا، لأنه لن يكون هناك “خلف” يحمل تلك الأفكار ويواصلها.
وكأن هذا الوضع يوقف النظرية القديمة التي طالما أثرت في تفكيرنا، وهي نظرية توماس روبرت مالتوس. فقد حذر مالتوس من أن السكان ينمون أسرع من قدرة الغذاء على التوسع. أما اليوم فقد انقلب هذا المنطق رأسًا على عقب.
فمشكلتنا اليوم ليست فائض البشر، بل نقص الأجيال القادمة.
نقد للأجيال السابقة
ينبغي أن نفهم موقف جيل زد لا بوصفه سطحية في التفكير، بل بوصفه قراءة نقدية للمشكلات الكبرى التي ورثها عن الأجيال السابقة.
فهم يدركون أنهم الجيل الذي “ورث سوء الحظ” نتيجة أفعال من سبقوهم، بدءًا من أزمة المناخ وصولًا إلى الأنظمة الاقتصادية الاستغلالية. إنهم يتحملون النتائج من دون أن يُمنحوا فرصة المشاركة في صناعة الحلول.
ومن هنا يمكن استخلاص نتيجة كبرى:
إن “الجيل بلا تجدد” هو حالة يفشل فيها النظام الاجتماعي والاقتصادي في توفير الشروط المادية والثقافية والنفسية اللازمة لاستمرار الأجيال.
فقرار عدم الإنجاب ليس مجرد خيار أناني، بل نقد حاد للأزمة البنيوية القائمة.
وفي النهاية، يبقى سؤال كبير معلقًا ويطالبنا بالإجابة:
“هل يُعد القرار المتطرف الذي اتخذه جيل زد التعبير النهائي عن فقدانهم الثقة في المستقبل؟”
يبدو أنهم اختاروا ألا يضحوا بأطفالهم داخل نمط حياة مجهول المصير، تمامًا كما أُجبروا هم اليوم على مواجهة مستقبل لم يُصمَّم لهم بشكل عادل من قبل الأجيال السابقة.
نُشر هذا المقال في صحيفة كومباس يوم الإثنين (4/5/2026).