د. طنطان هرمانسياه
محاضر وأستاذ علم الاجتماع الحضري
على مدى التاريخ الحديث، تميز كل جيل تقريباً بـ "دين سياسي" يمارسونه بإجلال وتعبد؛ فجيل عام 1945 قادته القومية الرومانسية، وجيل 1966 انقسم حول مناهضة الشيوعية وشغف البناء والتنمية، بينما تنفس "جيل الإصلاح" (1998) في رحاب قدر الديمقراطية والحريات المدنية.
بالنسبة لتلك الأجيال، لم تكن الأيديولوجيا مجرد خيار سياسي على ورقة الاقتراع، بل كانت طريقة حياة وجودية، ومنظوراً لرؤية العالم، وأداة لبناء الشبكات الاجتماعية أو تعزيزها، وهويةً تولد النضالية والجهاد. فقد كان الكثيرون مستعدين لفقدان وظائفهم، أو السجن، بل وحتى الموت في سبيل الدفاع عن وجهات نظرهم. هذا الولاء الأيديولوجي هو ما شكل على مدى عقود الفضاء الأساسي لبناء مجتمعنا.
لكن، كما يظهر بجلاء وأسف أمام أعيننا اليوم، عندما اعتلى "الجيل Z" (Gen Z) مسرح التاريخ، انهار ذلك المخطط السوسيولوجي ببطء وتدريجي.
انهيار السلطة وميلاد "الديمقراطيين القانعين"
الجيل Z هم أول بشر ينمون ليس في خضم الاحتكاكات والصراعات الأيديولوجية الكبرى، بل في أحضان فيضان المعلومات. لقد ولدوا بعد أن خفتت الحرب الباردة، ولم يعيشوا صدمات "النظام الجديد"، ولم يخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات عام 1998، ولم يعرفوا قط عالماً بلا إنترنت.
في أحضان الجيل Z، لا تتسلل الأيديولوجيا عبر الخطابات الحماسية، أو النبرات الجهورية المنبعثة، أو جمل الرنين التي تطرب وتخدر بالبلاغة الديناميكية، بل تأتي الأيديولوجيا في كلمات وسرديات قصيرة، لا تتجاوز أحياناً 30 ثانية. ومع ذلك، فإنها تنتج إدماناً موقفياً وسلوكياً شديد القوة.
ونتيجة لذلك، لم تعد علاقتهم بالقيم مسترشدة بالمؤسسات التقليدية — كالأسرة، أو المدرسة، أو الأحزاب السياسية، أو المنظمات الدينية — التي تعاني اليوم من تآكل سلطتها الرمزية. لقد انقطعت سلسلة التوريث القيمي، أو ضاعت، أو (ربما) لم تعد تُعرف.
حتى في الحرم الجامعي، على سبيل المثال، باتت سلطة الأستاذ الجامعي تنافس اليوم صناع المحتوى (content creators). وفي المنازل، أزيحت سلطة نصائح الوالدين لصالح نظام التوصيات القائم على التعليقات والإعجابات في وسائل التواصل الاجتماعي. وبشكل بطيء ومؤكد، حلت الخوارزميات تدريجياً محل الأيديولوجيا.
في علم الاجتماع الكلاسيكي، رأى كارل مانهايم الأيديولوجيا كنظام تفكير يربط الفرد بالمجموعة الاجتماعية. لكن منطق الخوارزميات لا يهتم بالسرديات المنسجمة طويلة الأمد؛ فالخوارزمية لا تسأل أبداً: "بماذا تؤمن؟"، بل تسأل: "ما هو المحتوى الذي شاهدته لأطول فترة؟"
تتجلى هذه الإزاحة بوضوح في انتخابات 2024؛ إذ إن الدعم الجارف من الناخبين الشباب لشخصيات سياسية معينة لم يكن مدفوعاً بالقرب الأيديولوجي أو بالبرامج الحزبية، بل بالاستراتيجيات البصرية الرقمية: مقاطع فيديو قصيرة لثوانٍ معدودة، والحركات الاستعراضية الجاذبة، والسرديات الشخصية الفضفاضة.
يطلق أبحاث برهان الدين مهتدي ورفاقه على هؤلاء اسم "الديمقراطيين القانعين" (complacent democrats)؛ حيث تُقبل الديمقراطية كشيء مسلم بوجوده الطبيعي، وليس كغاية يجب مواصلة النضال من أجلها. تحولت الديمقراطية من نضال إلى مجرد إجراءات. وعندما تتراجع جودتها، لا ينمو القلق بالشكل المتناسب مع الرضا الذي يشعرون به تجاه النظام القائم.
هنا لم تعد التفضيلات السياسية تُبنى على الذاكرة التاريخية، بل على الخبرات الرقمية السطحية؛ حيث لم تعد الخيارات السياسية تُصنع بشكل معقد وعميق، بل عبر أشياء صُنعية ومفتعلة للغاية.
لقد تجاوزت هذه الظاهرة حدود صناديق الاقتراع بوضوح. ففي الفضاء الاقتصادي والثقافة الشعبية، نشاهد ما أسماه زيجمونت بومان بـ "الحداثة السائلة" (liquid modernity)؛ حيث أصلح الولاء سلعة نادرة. اليوم يعجبون بعلامة تجارية أو بنجم معين، وغداً ينتقلون لغيره دون أي عبء نفسي.
تعمل هوية الجيل Z بطريقة نمطية تفكيكية (modular)؛ فقد يكون أحدهم ناشطاً بيئياً يوم الاثنين، ويتحدث عن الصحة النفسية يوم الأربعاء، وينغمس في اتجاهات الاستثمار في العملات المشفرة في عطلة نهاية الأسبوع. هذا التنقل ليس مجرد تناقض، بل هو مرآة تعكس أن هوية اليوم تشبه واجهة العرض (etalase): مؤقتة، سهلة التركيب والتفكيك، وتعتمد كلياً على دورات الانتشار الفيروسي.
وهكذا، في البنية العصبية والعقلية للجيل Z، تحولت السياسة إلى "منافسة على الانتباه" (attention competition). وبطبيعة الحال، يتضح أن الانتباه بات اليوم أغلى وأكثر جاذبية بكثير من الولاء.
التطلع إلى المستقبل: البحث عن مرساة القيم
بالتأكيد، إن النظر إلى هذه الظاهرة بنظرة أخلاقية — عبر اتهام الجيل Z بالكسل عن القراءة أو باللاأبالية — هو خطأ في التحليل؛ فهم ليسوا جيلاً فاقداً للذكاء، بل هم المجتمع الأكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة، والمرونة، والتحرر من التعصب Dogmatic.
لكن العواقب السوسيولوجية ليست بالهينة. فعندما تبنى جميع القرارات العامة على انطباعات لحظية، يواجه المجتمع خطر فقدان الالتزام طويل الأمد. إن ترسيخ حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وصولاً إلى إحياء المبادئ الوطنية (البانتشاسيلا) يحتاج إلى صلابة في التفكير النقدي، وليس مجرد محتوى يظهر في صفحة "For You Page" (FYP).
وهنا، لا نحتاج إلى إجبار الجيل Z على العودة إلى العقائد القديمة الجامدة. إن الواجب الوطني اليوم هو مرافقتهم للبحث عن "مرساة قيمية" تستطيع الصمود في وجه عواصف تدفق المعلومات.
إن الأمة لا تنهار أبداً لمجرد نقص التكنولوجيا، بل تفقد اتجاهها عندما يبرع جيلها الشاب في شرح ما يحبونه اليوم، بينما يعجزون ويجدون صعوبة في إجابة: لماذا يستحق هذا الشيء النضال من أجله غداً؟
وهنا تكمن حسرتنا وقلقنا؛ عندما لا تموت الأيديولوجيا بسبب هزيمتها أمام أفكار أخرى، بل تبخر هكذا ببساطة جراء تدفقات الانتباه الجارفة. وللأسف الشديد، نحن نقف صامتين.
