جرائم الأحوال الزوجية في قانون العقوبات
الأستاذ الدكتور رمادي أحمد، ماجستير في الشريعة
(أستاذ كرسي في كلية الشريعة والقانون بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا،
ومستشار خبير لوزير حقوق الإنسان في جمهورية إندونيسيا)
بعد دخول القانون رقم (1) لسنة 2023 بشأن قانون العقوبات الإندونيسي (KUHP) حيّز النفاذ رسميًا في 2 يناير 2026م، ثار جدل واسع في أوساط المجتمع حول الجرائم الجنائية المرتبطة بالزواج. ويبدو هذا الجدل لافتًا؛ إذ إن صياغة هذه الجرائم عند إعداد القانون لم تشهد آنذاك نقاشًا حادًا يُذكر. غير أن أصوات بعض الفئات التي تعترض على أحكام الجرائم الجنائية المتعلقة بالزواج باتت مرتفعة، بل ذهب بعضها إلى اعتبار هذه الأحكام متعارضة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
ينظم قانون العقوبات الجديد الجرائم المتعلقة بالزواج في الباب الرابع عشر المعنون بـ الجرائم ضد النسب والزواج، والذي يضم خمس مواد، هي المواد من 401 إلى 405.
وتُعد المواد 402 و403 و404 محور الجدل الأساسي. حيث تنص المادة (402) على ما يلي:
(1) يُعاقَب بالسجن مدة لا تتجاوز أربع سنوات وستة أشهر، أو بغرامة لا تتجاوز الحد الأقصى للفئة الرابعة، كل من:
أ. أبرم عقد زواج مع علمه بوجود زواج قائم يُشكِّل مانعًا قانونيًا صحيحًا لإبرام هذا الزواج؛
ب. أبرم عقد زواج مع علمه بأن الطرف الآخر مرتبط بزواج قائم يُشكِّل مانعًا قانونيًا صحيحًا لإبرام الزواج.
(2) وإذا قام الشخص المشار إليه في الفقرة (1/أ) بإخفاء وجود الزواج القائم، الذي يُشكِّل مانعًا قانونيًا صحيحًا، عن الطرف الآخر؛ فيُعاقَب بالسجن مدة لا تتجاوز ست سنوات، أو بغرامة لا تتجاوز الحد الأقصى للفئة الرابعة.
ويُوضِّح شرح المادة (402) أن المقصود بـ «الزواج القائم الذي يُشكِّل مانعًا قانونيًا صحيحًا» هو الزواج الذي يمكن الاستناد إليه سببًا قانونيًا لمنع أو إبطال الزواج اللاحق الذي يُجريه أحد أطراف الزواج القائم، وذلك وفقًا لأحكام قانون الزواج.
أما المادة (403) فتنص على أن:
كل من أبرم عقد زواج ولم يُبلِّغ الطرف الآخر بوجود مانع قانوني صحيح لديه، ثم يُقضى بعد ذلك بعدم صحة الزواج استنادًا إلى هذا المانع؛ يُعاقَب بالسجن مدة لا تتجاوز ست سنوات، أو غرامة لا تتجاوز الحد الأقصى للفئة الرابعة.
ويُبيِّن شرح هذه المادة أن المقصود بـ «المانع القانوني الصحيح» هو الشروط القانونية الواجب توافرها لصحة الزواج، كما هو منصوص عليه في قانون الزواج.
أما المادة (404) فتنص على أن:
كل من لم يلتزم بالإبلاغ إلى الجهة المختصة، وفقًا لأحكام القوانين واللوائح المعمول بها، عن واقعة الولادة أو الزواج أو الطلاق أو الوفاة؛ يُعاقَب بغرامة لا تتجاوز الحد الأقصى للفئة الثانية.
ويُوضِّح شرح هذه المادة أن المقصود بـ «القوانين واللوائح المعمول بها» هو قانون الزواج ولوائحه التنفيذية، إلى جانب القوانين الأخرى المتعلقة بتسجيل الوقائع المدنية، ولا سيما الولادات والوفيات.
فهل تُعد هذه الأحكام جديدة بالكامل؟
الجواب: لا. فقد كانت جرائم الزواج منصوصًا عليها في قانون العقوبات القديم، وتحديدًا في المادتين 279 و280. بل يمكن القول إن المادتين 402 و403 في قانون العقوبات الجديد هما في جوهرهما إعادة صياغة موسَّعة وأكثر تفصيلًا لنصوص القانون القديم. أما الجريمة التي تُعد جديدة نسبيًا، فهي تلك الواردة في المادة (404)، والتي يُنظر إليها بوصفها تهديدًا جنائيًا لممارسي الزواج غير الموثق (النكاح السري).
تعدد الزوجات والزواج السري: هل هما جريمة؟
تنظم المادتان 402 و403 في جوهرهما تجريم الزواج الذي يُعقد رغم وجود مانع قانوني يحول دون إبرامه.
وبالرجوع إلى القانون رقم (1) لسنة 1974 بشأن الزواج، نجد أن موانع الزواج منصوص عليها في المادتين 8 و9. إذ تحظر المادة (8) الزواج بين شخصين تربطهما:
أ. قرابة دموية في الخط المستقيم صعودًا أو نزولًا؛
ب. قرابة دموية في الخط الجانبي؛
ج. علاقة مصاهرة؛
د. علاقة رضاع؛
هـ. علاقة قرابة بسبب المصاهرة في حال تعدد الزوجات؛
و. أي علاقة أخرى يُحرِّمها الدين أو القوانين المعمول بها.
أما المادة (9)، فتنص على أنه لا يجوز لمن كان مرتبطًا بعقد زواج قائم أن يعقد زواجًا آخر. غير أن المادة 3 الفقرة (2) تفتح المجال لتعدد الزوجات بشرط الحصول على إذن من المحكمة، وبناءً على رضا الأطراف المعنية، وذلك في حالات محددة.
كما تتضمن مدونة الأحكام الإسلامية (KHI)، الصادرة بالتعليمات الرئاسية رقم 1 لسنة 1991، أحكامًا مماثلة في شأن موانع الزواج، مع بعض الإضافات، مثل تحريم الزواج بين الأديان، والزواج أثناء العدة.
وبناءً على ذلك، فإن وصف قانون العقوبات الجديد بأنه يجرّم تعدد الزوجات على نحوٍ مطلق وصف غير دقيق. فالتجريم يقتصر على تعدد الزوجات الذي يتم بالمخالفة لأحكام القانون، كإجرائه دون إذن قضائي أو دون تسجيل رسمي، وهو ما يُعرف بالزواج السري.
فالزواج السري في إطار تعدد الزوجات يمكن أن يُعاقَب عليه استنادًا إلى المادتين 402 و403. أما الزواج السري بين طرفين غير مرتبطين بزواج سابق، فلا تترتب عليه عقوبة سالبة للحرية، وإنما يخضع فقط لغرامة وفق المادة (404)، باعتباره إخلالًا بالالتزام القانوني بتسجيل الزواج، كما نصت على ذلك المادة 2 الفقرة (2) من قانون الزواج، وأكدته المواد 34 إلى 38 من قانون الإدارة المدنية.
هل تسجيل الزواج مسألة إدارية فحسب؟
يذهب بعضهم إلى أن تسجيل الزواج مسألة إدارية مدنية بحتة، ينبغي حلها بوسائل إدارية دون اللجوء إلى العقوبة الجنائية. وهذا الرأي في ذاته ليس خاطئًا؛ إذ ينبغي أن تُعامَل العقوبة الجنائية باعتبارها الملاذ الأخير (Ultimum Remedium).
ولهذا يمنح قانون الإدارة المدنية مهلة ستين يومًا لتسجيل الزواج غير الموثق، وهي ـ في تقدير الكاتب ـ مدة كافية لمن تحلّى بحسن النية لتسوية أوضاعه الإدارية، أو للجوء إلى إثبات الزواج قضائيًا.
غير أنه إذا لم تُتخذ هذه الخطوات، فهل يجوز للدولة تجريم هذا الفعل؟
الجواب: نعم؛ لأن الدولة، من خلال أدواتها القانونية، مُلزَمة بحماية قدسية مؤسسة الزواج، وضمان الحقوق القانونية للأطراف المتعاقدة.
وفي الفقه الإسلامي تُعرف القاعدة:
«درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح».
فالزواج دون حماية قانونية يُعد مفسدة يجب تفاديها. والعقوبة هنا لا تستهدف الزواج ذاته، وإنما تستهدف مخالفة أوامر وليّ الأمر.
إن تجريم مخالفات الزواج يندرج ضمن السياسة الشرعية، ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، التي تهدف إلى تحقيق المصلحة ودفع الفساد، أي: تقريب الناس إلى الصلاح وإبعادهم عن الفساد. ويتجلى هذا المبدأ بوضوح في قانون العقوبات الجديد.
ويبقى التساؤل مشروعًا حول سبب كون عقوبة جريمة الزنا في قانون العقوبات الجديد أخف (السجن سنة واحدة أو غرامة من الفئة الثانية) مقارنة بعقوبات جرائم الزواج، التي قد تصل إلى أربع أو ست سنوات مع غرامات أعلى. وهذا اعتراض وجيه، ولا سيما أن جريمة الزنا تُعد من جرائم الشكوى، في حين تُصنَّف جرائم الزواج ضمن الجرائم العامة.
وقد يُفضي هذا التفاوت إلى انطباع بأن جرائم الزواج تُعد أخطر من جريمة الزنا، وهو أمر يظل في النهاية مرهونًا بتقدير القاضي. غير أن هذا الخلل التشريعي يظل مزعجًا، ويستدعي المراجعة والتصحيح مستقبلًا.
نُشِر هذا المقال في صحيفة ميديا إندونيسيا، يوم الثلاثاء، 13 يناير 2026م.
