تهديد إزالة التصنيع المبكر في إندونيسيا

تهديد إزالة التصنيع المبكر في إندونيسيا

محمد نور ريانتو العارف

(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا/ الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين/ عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي/ عضو الجمعية الإندونيسية للاقتصاد – فرع جاكرتا)

عندما تسعى دولة ما إلى بلوغ مستوى أعلى من الازدهار والرفاه، فإن هناك مرحلة أساسية لا بد من تجاوزها، وهي مرحلة ترسيخ الصناعة. فالبنية الاقتصادية المتينة، وتنوع قاعدة الإنتاج، والقدرة على توظيف التكنولوجيا والعمالة المنتجة، كلها مفاتيح أساسية في هذا المسار.

غير أن رحلة إندونيسيا في هذا الاتجاه لم تكن دائمًا سلسة. فبالنسبة لبعض خبراء الاقتصاد، بدأت مسألة كانت تُطرح نظريًا في السابق تدخل حيز الواقع، وهي ظاهرة “إزالة التصنيع المبكر”.

في الماضي، كانت الصناعة أحد أعمدة التنمية الاقتصادية في إندونيسيا. ففي الفترة ما بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، ارتفعت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 9% في أوائل السبعينيات إلى أكثر من 25% عام 1996. وقد شكل ذلك مرحلة مفصلية وضعت إندونيسيا ضمن خريطة الدول النامية التي نجحت في مسار التصنيع.

حتى في أوائل الألفية الجديدة، وبعد الأزمة المالية الآسيوية 1997–1998، لم تنهَر مساهمة الصناعة بشكل حاد كما حدث في بعض الدول المجاورة. لكن منذ بداية الألفية، بدأ الاتجاه يتغير تدريجيًا. فقد ظهرت مؤشرات لما يسميه بعض الاقتصاديين “إزالة التصنيع المبكر”، وهي مرحلة لا يُظهر فيها الهيكل الاقتصادي تعزيزًا قويًا للتصنيع، بل يبدأ في الانحراف عن المسار الصناعي المتوقع.

إزالة التصنيع تعني ببساطة تراجع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، بالتزامن مع تراجع دور التصنيع كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية. وتشير البيانات إلى أن مساهمة قطاع التصنيع التي بلغت ذروتها في الماضي، لم تعد تتجاوز 17.39% في الربع الثالث من عام 2025. وهذه النسبة تعد راكدة نسبيًا وأقل من المستوى الذي كان يُعد مؤشرًا على التصنيع القوي.

ولا يمثل هذا التراجع مجرد رقم إحصائي، بل يعد مؤشرًا أوليًا على تحول هيكلي. إذ إن نمو قطاع التصنيع الذي غالبًا ما يكون أقل من معدل النمو الاقتصادي العام يدل على فقدانه الزخم الذي كان يفترض أن يقود التنمية طويلة الأمد.

وقد سجلت جمعية رجال الأعمال الإندونيسيين (APINDO) أن مساهمة التصنيع في الناتج المحلي انخفضت منذ عام 2014 من نحو 21.3% إلى حوالي 17.39% في عام 2025. ويعكس هذا تراجع الدور المفترض للقطاع الصناعي بوصفه محركًا رئيسيًا لخلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة المحلية.

في المقابل، ترفض الحكومة عبر وزارة الصناعة القول بأن إندونيسيا تعاني من إزالة التصنيع. وتؤكد أن قطاع التصنيع سجل نموًا يفوق معدل النمو الاقتصادي الوطني خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2025. ووفقًا لبيانات هيئة الإحصاء الإندونيسية، بلغ نمو قطاع الصناعات التحويلية 5.54% في الربع الثالث من 2025، بانخفاض طفيف عن 5.68% في الربع الثاني.

كما بلغت مساهمة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي 17.39%، بزيادة عن الربع السابق الذي سجل 16.92%. وتشير بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن القيمة المضافة للتصنيع في إندونيسيا بلغت 265.07 مليار دولار أمريكي في عام 2024. كما تؤكد الحكومة تحسن صادرات المنتجات الصناعية غير النفطية، خاصة في مجالات الآلات والإلكترونيات والمواد الكيميائية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الواقع الميداني يكشف بعض التحديات. أولًا، رغم النمو الإيجابي، يبقى معدل نمو التصنيع في كثير من الأحيان أقل من النمو الاقتصادي الكلي، مما يعني أنه لم يعد المحرك الأساسي للاقتصاد. ثانيًا، أظهرت بعض مؤشرات مديري المشتريات (PMI) تراجعًا دون مستوى 50 في عام 2025، ما يشير إلى انكماش النشاط الصناعي. ثالثًا، ارتفعت حالات تسريح العمالة بشكل ملحوظ في النصف الأول من عام 2025، بما في ذلك في القطاع الصناعي، مما يثير مخاوف بشأن تراجع قدرة القطاع على استيعاب العمالة.

كما أن ثقة المستثمرين تتأثر غالبًا بالسياسات التحفيزية قصيرة الأجل أكثر من العوامل التنافسية الهيكلية. وتزيد حالة عدم اليقين العالمية، مثل اتفاقيات التعرفة مع الولايات المتحدة، من تردد المستثمرين في ضخ استثمارات جديدة.

إلى جانب ذلك، شهدت البنية الصناعية تحولًا من الصناعات كثيفة العمالة إلى التركيز على تصدير السلع الأولية مثل زيت النخيل والنيكل والمعادن الأخرى، وهي قطاعات لا توفر فرص عمل بعدد كبير كما يفعل التصنيع التقليدي. ويؤثر ذلك مباشرة في جودة النمو الاقتصادي وتوزيع الدخل.

تعود ظاهرة إزالة التصنيع المبكر إلى عدة عوامل مترابطة. أولها الاعتماد الكبير على السلع الأولية، خاصة خلال طفرة أسعار السلع في العقدين الماضيين، مما أدى إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاع الأولي بدلًا من التصنيع، فيما يُعرف بظاهرة “المرض الهولندي”. ثانيها ضعف التنافسية، حيث تبقى تكاليف الإنتاج في إندونيسيا أعلى مقارنة بدول مثل فيتنام وتايلاند، بسبب تكاليف الطاقة واللوجستيات والإجراءات الإدارية.

العامل الثالث يتعلق بالإنتاجية والتكنولوجيا، إذ لا يواكب تحسن الكفاءة الصناعية زيادة في استيعاب العمالة، مما يخلق مفارقة بين النمو التقني والتشغيل. أما العامل الرابع فهو غياب الاتساق في السياسات الصناعية، إذ يرى بعض المحللين أن الحماية الصناعية غير كافية وأن مناخ الاستثمار لا يدعم بشكل كامل الصناعات كثيفة العمالة.

إذا استمر هذا الاتجاه، فستكون له آثار واسعة. أولها تباطؤ خلق فرص العمل، إذ لطالما كان التصنيع مستوعبًا رئيسيًا لخريجي التعليم المتوسط والمهني. وثانيها هشاشة النمو الاقتصادي بسبب الاعتماد على أسعار السلع العالمية. وثالثها تباطؤ توسع الطبقة الوسطى، التي تشكل قاعدة الاستهلاك المستقر. وأخيرًا، خطر التخلف في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، مما يضعف موقع إندونيسيا في سلاسل القيمة العالمية.

معالجة هذه الظاهرة تتطلب تحولًا هيكليًا حقيقيًا. أولًا، اعتماد سياسة صناعية جريئة ومتسقة تعزز الصناعات ذات القيمة المضافة العالية والتكنولوجيا المتقدمة، وليس فقط تصدير المواد الخام. ثانيًا، تحسين جودة الموارد البشرية من خلال تعزيز التعليم المهني وتطوير المهارات المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والأتمتة والصناعة الخضراء. ثالثًا، تحسين التنافسية عبر خفض تكاليف الإنتاج وتبسيط الإجراءات ومنح حوافز استثمارية. رابعًا، تحقيق تناغم بين السياسات المالية والنقدية لدعم الاستثمار الصناعي طويل الأمد.

قضية إزالة التصنيع المبكر في إندونيسيا معقدة. فالحكومة تؤكد أن المؤشرات لا تزال إيجابية، بينما يرى عدد من المحللين أن التوجهات الهيكلية تشير إلى ضعف متزايد في قاعدة التصنيع. ربما لم يفت الأوان بعد، ما دام هناك التزام بسياسات مبتكرة ومتسقة.

تمتلك إندونيسيا موارد بشرية كبيرة وسوقًا محلية واسعة وإمكانات تكنولوجية واعدة. لكن من دون نهضة صناعية جديدة واستراتيجية، قد تجد نفسها عالقة في نمو اقتصادي راكد وغير عالي الجودة، مما يجعل تحقيق رؤية “إندونيسيا الذهبية 2045” هدفًا بعيد المنال.

نُشر هذا المقال في صحيفة كومباس يوم الأربعاء، 25 فبراير 2026.