تعليم الحج ووحدة المجتمع
محبّ عبد الوهاب
(محاضر في الدراسات العليا بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا
نائب رئيس معهد تطوير المعاهد الإسلامية في الجمعية المركزية المحمدية)
إن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليست مجرد صراع على الهيمنة أو تنافس أيديولوجي بين الإسلام والرأسمالية الليبرالية الغربية، بل هي أيضًا حرب تختبر إيمان الأمة الإسلامية ووحدتها وبما أن إيران كانت الطرف الذي تعرّض للهجوم أولًا، فإنها وفق القانون الدولي تُعد في موقع الدفاع عن النفس وحماية سيادتها وكرامتها الوطنية
أما بالنسبة للعالم الإسلامي، فإن هذا العدوان يمثل اختبارًا حقيقيًا للإيمان فهل يكتفي المسلمون بدور المتفرج ويتركون ما يرونه ظلمًا وعدوانًا أم أن الانقسامات المذهبية والسياسية تجعلهم غير مبالين بما يجري خصوصًا مع اختلاف الانتماءات المذهبية بين السنة والشيعة
لقد دخلت الحرب أسبوعها الخامس منذ اندلاعها في 28 فبراير وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تأثيرها في وحدة العالم الإسلامي سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا خاصة مع وجود دول إسلامية تسمح باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية
ويبدو أن اعتبارات الأمن والمصالح الاقتصادية دفعت بعض الدول مثل السعودية والبحرين وقطر والإمارات والعراق والأردن وعُمان والكويت إلى تقديم دعم مباشر أو غير مباشر للولايات المتحدة وإسرائيل وهو ما دفع الحرس الثوري الإيراني إلى استهداف قواعد عسكرية وسفارات أمريكية في تلك الدول باعتبارها أهدافًا مشروعة ضمن إطار الدفاع عن النفس
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذا النمط من الحروب غير المتكافئة ألحق خسائر كبيرة بالولايات المتحدة وإسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا ومعنويًا نتيجة الخسائر البشرية وتعطل أنظمة الدفاع وتدمير بعض المنشآت الحيوية
غير أن هذه الحرب لا تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تشمل أبعادًا نفسية وروحية وحضارية واقتصادية ترتبط بالسيطرة على مصادر الطاقة والأسلحة وفي هذا السياق، يمكن استخلاص دروس مهمة للأمة الإسلامية أهمها أن الوحدة تمثل مصدر القوة
فقد أظهرت إيران، رغم الحصار والعقوبات المستمرة منذ عام 1979، قدرة على الصمود والتطور في مجالات متعددة، وهو ما يعكس أهمية الاعتماد على الذات وتعزيز القدرات الداخلية
وإذا ربطنا ذلك بموسم الحج الذي يقترب موعده، فإن الحاجة تبرز لإعادة صياغة مفهوم التربية على وحدة الأمة من خلال قيم الحج فالحج ليس مجرد أداء شعائر دينية، بل هو مدرسة تربوية تعزز قيم الأخوة والتعاون والوحدة الإنسانية
فكيف يمكن للحج أن يغرس في نفوس الحجاج روح التضامن والعمل المشترك رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية ولماذا لا يزال العالم الإسلامي عرضة للانقسام والصراعات الداخلية وكيف يمكن تجاوز هذه الخلافات لتحقيق وحدة حقيقية
وفي هذا السياق، يُستشهد بتصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث التي أشار فيها إلى أن الإسلام السني والشيعي يمثلان خصمًا واحدًا من منظورهم وهو ما يعكس رؤية تعتبر الإسلام تهديدًا بغض النظر عن اختلافاته الداخلية
عقلية العبادة
إن الهدف من العبادة في الإسلام لا يقتصر على أداء الواجب، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق المعاني الروحية العميقة فإذا اقتصرت العبادة على الشكل دون الجوهر فقدت قيمتها
فالصلاة مثلًا ليست مجرد حركات وأقوال، بل هي وسيلة لتربية النفس على الانضباط والابتعاد عن المعاصي وكذلك الحج، ينبغي أن يُفهم باعتباره تجربة روحية وتربوية متكاملة
إن مناسك الحج تحمل في طياتها رسائل عميقة يمكن توظيفها في تعزيز وحدة الأمة من خلال قيم المساواة والتجرد من الفوارق الاجتماعية والتعاون بين المسلمين
فالحج يعلم أن الوحدة تتحقق عبر التعايش والاحترام المتبادل وليس عبر الصراع أو الكراهية
جوهر وأهداف التربية على الوحدة
يقوم الإسلام على مبدأ التوحيد الذي لا يقتصر على توحيد الله، بل يشمل أيضًا توحيد الأمة وجمعها على قيم مشتركة
فالتوحيد يشكل أساس رؤية المسلم للحياة ويؤدي إلى تحقيق التوازن بين العبادة الفردية والمسؤولية الاجتماعية
ومن هنا، فإن التربية على الوحدة من خلال الحج تهدف إلى بناء عقلية وسلوك يعززان التعايش والتكامل وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية
وتتجلى هذه القيم في ممارسات الحج مثل الإحرام والطواف والسعي التي تعكس المساواة والتضامن بين جميع المسلمين
كما تهدف هذه التربية إلى تنمية الوعي الاجتماعي وتعزيز ثقافة التسامح والاحترام في المجتمعات المتنوعة مثل المجتمع الإندونيسي
ومن خلال هذه التجربة، يُتوقع أن يكتسب الحجاج مهارات التعاون والانضباط والعمل الجماعي، وهو ما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقوة
وفي النهاية، فإن الحج يمثل فرصة لبناء وعي جديد قائم على الوحدة والتكامل بما يعزز قوة الأمة الإسلامية وقدرتها على مواجهة التحديات
والله أعلم بالصواب
(يتبع)
تم نشر هذا المقال في مجلة التبليغ العدد 04/25
