بناء علاقة بين الكيائي والطلاب

بناء علاقة بين الكيائي والطلاب

بقلم: سويندي

مدرس في كلية الدراسات العليا بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاارت

أثارت ظاهرة العنف الجنسي التي ارتكبها بعض الأفراد في عدد من المعاهد الإسلامية التراثية (الـ"بيسانترين") قلقًا عامًا في المجتمع. فمن ناحية، يطالب المجتمع بتوفير حماية بيئية ملائمة وموجّهة للطلبة ("السانتري") بصفتهم متعلمين؛ ومن ناحية أخرى، ثمة مخاوف من أن تؤدي هذه القضايا إلى وصمة عار تلغي المساهمات العظيمة التي قدمتها هذه المعاهد عبر القرون في بناء شخصية الأمة وأخلاقها وعلومها.

ولذلك، يتعين وضع هذه القضية في نصابها الصحيح وبشكل متناسب. إن العنف الجنسي ليس نتاجًا للتعاليم الدينية، ولا هو سلوك ينبثق من بيئة المعهد. وكما يحدث في المدارس العامة، والجامعات، والمنظمات الاجتماعية، بل وحتى في البيئة الأسرية، فإن العنف الجنسي يعود في جوهره -من بين أمور أخرى- إلى إساءة استخدام علاقات القوة (علاقات النفوذ). وبناءً على ذلك، لا ينبغي أن يقتصر التركيز في المعالجة على تحديد الجاني أو المؤسسة فحسب، بل يجب أن يمتد إلى كيفية بناء علاقة تربوية صحية، وحضارية، وآمنة لجميع الأطراف.

وفي سياق المعاهد الإسلامية، تشكل العلاقة بين "الكياني" (الشيخ أو المربي) و"السانتري" (الطالب) الركيزة الأساسية في العملية التعليمية. وهذه العلاقة لا تقتصر على الجانب البيداغوجي (التربوي) فحسب، بل هي علاقة روحية وأخلاقية واجتماعية. فالكياني لا يقتصر دورُه على تلقين العلوم، بل هو قدوة حية يتأسى بها الطلاب. ومن هنا، غدت تقاليد "التعظيم" أو احترام المعلم جزءًا من القيم النبيلة المتوارثة من جيل إلى جيل.

ومع ذلك، فقد أشار ابن خلدون في مؤلفه الشهير "المقدمة" إلى أن التربية الرشيدة لا تهدف إلى إنتاج الانقياد الأعمى، بل تسعى إلى تكوين إنسان يمتلك العقل، والشجاعة الأخلاقية، والمسؤولية الاجتماعية. ويتعين تربية الطالب ليكون شخصًا مهذبًا ومحترمًا (معظمًا) لمعلمه، ولكن مع امتلاكه القدرة على التعبير عن اعتراضه عندما يواجه أفعالًا تخالف الدين أو القانون أو الأخلاق.

وفي سياق متصل، أكد باولو فريري، أحد فلاسفة التربية البرازيليين، أن أي علاقة تربوية صحية لا بد أن تحافظ على التوازن بين السلطة والإنسانية (باولو فريري، 2005). فالسلطة التربوية ضرورية لإرشاد الطلاب وتوجيههم، ولكنها في الوقت ذاته لا يجوز أن تتحول إلى هيمنة مطلقة تغلق مساحات الحوار و/أو النقد. ووفقًا لفريري، عندما يتطور الاحترام ليصبح طاعة عمياء، فإن العلاقة التربوية تفقد وظيفتها التحريرية والتنويرية.

وهنا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه تعليم المعاهد الإسلامية المعاصرة. إن تقاليد احترام (تعظيم) الكياني يجب الحفاظ عليها، ولكن ينبغي أن تصاحبها وعي بأن الاحترام لا يعني الاستسلام اللامشروط (الطاعة المطلقة). ففي الإسلام، لا يوجد بشر معصوم من الخطأ. ويعلمنا مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أن كل شكل من أشكال الانحراف يجب منعه والتصدي له، بغض النظر عن هوية فاعله.

وقد أكد المفكر التربوي الأمريكي جون ديوي أن الغاية الأساسية من التعليم هي تنمية القدرة على التفكير التأملي والنقدي (reflective thinking). ويرى ديوي أن المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن تقتصر على إنتاج أفراد مطيعين للسلطة، بل يجب أن تشكل متعلمين قادرين على التفكير النقدي، ومراعاة عواقب أفعالهم، وتحمل المسؤولية في الحياة الديمقراطية (جون ديوي، 2025). وتتجلى أهمية هذه الفكرة في المعاهد الإسلامية اليوم؛ إذ يحتاج الطلاب إلى التربية على التمسك بالأدب والاحترام تجاه معلميهم، وفي الوقت ذاته امتلاك الشجاعة الأخلاقية لإبداء الاعتراض عند مواجهة أي سلوك ينتهك المعايير الدينية أو القانونية أو الأخلاقية.

بناءً على ذلك، ثمة حاجة لإعادة بناء العلاقة بين الكياني والسانتري لتصبح أكثر تشاركية دون خسارة جذورها التراثية الأصلية. يظل الكياني الرمز المحوري الذي يجب احترامه، على أن يُبنى هذا الاحترام من خلال القدوة، والنزاهة، وعمق العلم، لا من خلال فجوة السلطة والنفوذ التي لا تقبل النقاش. وفي المقابل، لا يتم تموضع الطالب كمجرد مفعول به يتلقى السلبية، بل كفاعل (شخصية محورية) في العملية التعليمية يمتلك كرامة وحقًا أصيلًا في الحماية.

وعلاوة على ذلك، فإن الوقاية من العنف الجنسي لا تكفي بالاعتماد فقط على الصلاح الشخصي للمربين. إذ يظهر التاريخ أن المؤسسة الصالحة لا تُبنى بمجرد وجود أشخاص صالحين أو شخصيات كاريزمية معينة، بل تُبنى كذلك بوجود نظام متميز ورصين. ومن ثم، يتعين على المعاهد تطوير آليات حماية واضحة؛ تبدأ من صياغة مدونة سلوك أخلاقية، والتثقيف بحدود التفاعل الصحي، وتوفير قنوات آمنة لتقديم الشكاوى، وصولاً إلى إجراءات شفافة للتعامل مع القضايا.

ولا تعني هذه الخطوات بأي حال من الأحوال عدم الثقة بـ"الكياني" في المعاهد، بل على العكس تمامًا، إنها تمثل جهدًا حثيثًا للحفاظ على هيبة المعهد ومكانته من احتمالات إساءة الاستخدام بذريعة سلطة معينة. وكما أن سور البيت يُبنى ليس لأن كل الناس لصوص، فإن نظام الحماية يُعاد بناؤه ليس لأن كل المربين سيرتكبون انتهاكات، بل لضمان حماية كل فرد في حال وقوع أي تجاوز.

وفي منظور التربية الإسلامية، فإن الغاية الأسمى للعلاقة بين الكياني والسانتري هي بناء الإنسان ذي الخلق الرفيع. ولن تتحقق هذه الغاية إلا إذا ضمنت البيئة التعليمية الشعور بالأمان، واحترام الكرامة الإنسانية، وحماية الفئات المستضعفة، بما في ذلك الطلاب. فلا يمكن للأخلاق أن تُلقَّن من خلال علاقة مفعمة بالترهيب، فضلًا عن العنف.

ختامًا، إن الأجندة الرئيسية للمعاهد الإسلامية اليوم ليست المفاضلة أو إيجاد تعارض بين الحفاظ على هيبة المؤسسة وبين حماية الطلاب؛ بل يجب أن يسير الأمران معًا جنبًا إلى جنب. إذ ستزداد هيبة المعهد رسوخًا عندما يشعر الطلاب بالأمان، وستعلو مكانة الكياني وترتقي عندما تتجسد قيادته في القدوة، والشفافية، والمسؤولية. وهذا الوضع بدوره سيعزز ثقة الجمهور بالمعاهد الإسلامية، حينما تثبت قدرتها على جعل تقاليد احترام المعلم تسير جنبًا إلى جنب مع احترام حقوق المتعلمين وكرامتهم.

عند هذه النقطة بالتحديد، تكتسب العلاقة بين الكياني والسانتري دلالتها العميقة: فهي ليست علاقة قوة ونفوذ تولد الخوف، بل هي علاقة تربوية تنمي العلم، والأخلاق، والثقة، والحماية. فالتربية التي تحفظ إنسانية الإنسان تبدأ دائمًا من الوعي بأن كل إنسان -بما في ذلك الطالب- هو أمانة يجب رعايتها وصونها، وليس مجرد تابع يتعين عليه الانصياع والتسليم.

نُشر هذا المقال في موقع وزارة الشؤون الدينية (Kemenag) يوم الاثنين، 8 يونيو 2026.