بناء الحضارة يبدأ في الحرم الجامعي
أحمد ثولابي خارلي
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
موقع ريبوبليكا الإخباري، جاكرتا -- في وسط الصخب السياسي، والتباطؤ الاقتصادي العالمي، والاضطراب التكنولوجي، وأزمة المناخ، إلى النزاعات الجيوسياسية الممتدة، هناك سؤال أساسي يحق لنا أن نطرحه: من أين تُبنى حضارة المستقبل حقاً؟
سيتجه البعض بالإشارة إلى الدولة، أو البرلمان، أو السوق باعتبارها الفاعل الرئيسي. وهناك من يعتقد أن التغيير يولد من القوة الاقتصادية، أو التقدم التكنولوجي، أو التفوق العسكري. وكل هذه العوامل تلعب دوراً مهماً. ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن الحضارات التي صمدت طويلاً كانت تبدأ دائماً تقريباً من صروح العلم ومساحات المعرفة. فمن هناك تولد الأفكار، والقيم، والقيادات التي تحرك المجتمعات بعد ذلك.
لا توجد حضارة عظيمة نمت دون أن تكون الجامعات، أو المدارس، أو الأكاديميات، أو المراكز العلمية قلباً نابضاً لها. فأثينا أنجبت الفلاسفة الذين شكلوا أسس الفكر الغربي. وبغداد في العصر العباسي جعلت من بيت الحكمة مركزاً للترجمة، والبحث، والابتكار العلمي.
وقرطبة قدمت تقاليد فكرية جمعت بين الإسلام، واليهودية، والمسيحية في حوار علمي. والأزهر لأكثر من ألف عام ظل مرجعاً للفكر الإسلامي العالمي. وكل ذلك يظهر نمطاً واحداً متماثلاً: وهو أن الحضارة تنمو عندما ينال العلم مكانة رفيعة في الحياة العامة.
وتملك إندونيسيا مقومات لا تقل عظمة. فما يزيد عن ستة عقود، أنجبت الجامعات الإسلامية الحكومية (PTKIN) ملايين الخريجين المنتشرين الآن في جميع قطاعات الحياة تقريباً. فهم حاضرون كعلماء، وقضاة، وأكاديميين، وبيروقراطيين، ودبلوماسيين، ومعلمين، وسياسيين، وصحفيين، وناشطين، ورجال أعمال، وقادة مجتمعيين في مختلف المناطق. إن هذه الشبكة الواسعة النطاق تُعد في الحقيقة إحدى القوى الإستراتيجية للأمة التي لم تُقرأ بعد بكامل طاقتها كأصل من أصول التنمية الوطنية.
محرك التغيير
طالما قُيس نجاح الجامعات من خلال المؤشرات الأكاديمية الداخلية، مثل: الاعتماد الأكاديمي، وعدد المنشورات العلمية، والارتقاء في التصنيفات، أو تخرج الطلاب. وكل هذه المعايير مهمة لأنها تعكس جودة الحوكمة الأكاديمية. ومع ذلك، فإن تلك المعايير لم تعد كافية لتجسيد مدى قدرة الجامعة على تغيير حياة المجتمع من خلال أفكارها وخريجيها.
إن الجامعة في جوهرها ليست مجرد مكان لتخريج الطلاب، بل هي مساحة لبناء الشخصية، ومختبر للقيادة، ومركز لتوليد الأفكار التي تؤثر في توجهات الأمة. وعندما يتخرج الطلاب، تبدأ في الواقع رحلة العطاء والحرم الجامعي يدخل مرحلة جديدة. وفي النهاية، لا تتحدد سمعة الجامعة فقط بما يُدرَّس في قاعات المحاضرات، بل يكمن الجانب المهم أيضاً في المساهمة الحقيقية لخريجيها في معالجة قضايا المجتمع.
وفي هذا السياق، يصبح الخريجون امتداداً للجامعة في الفضاء العام. ومن خلالهم، تتحول القيم الأكاديمية إلى سياسات، وخدمات عامة، وابتكارات اجتماعية، وقيادة يلمس المجتمع أثرها. وبناءً على ذلك، لا يمكن فهم العلاقة بين الجامعة وخريجيها على أنها علاقة بروتوكولية تتوقف عند حدود لم الشمل أو أنشطة الحنين إلى الماضي؛ بل هي شراكة فكرية مستمرة مدى الحياة.
وفي ظل التحولات العالمية السريعة، لا يكفي أن تظل الجامعة برجاً عاجياً يقتصر على إنتاج البحوث العلمية. بل يُنتظر منها أن تكون مساحة للحوار، ومركزاً للابتكار، وشريكاً إستراتيجياً للدولة والمجتمع في رسم معالم المستقبل. ولم يعد نجاح الجامعة يُقاس بعدد المقالات المنشورة في المجلات المرموقة فحسب، بل بمدى قدرة الأفكار المولودة من رحم الجامعة على تغيير الحياة العامة.
ويؤدي الخريجون دوراً محورياً في تحقيق هذه التطلعات؛ فهم يحملون الهوية الأكاديمية إلى مختلف ميادين العمل. وعلى أيدي الخريجين يلتقي العلم بالواقع، والنظرية بالسياسات، والقيم بالتطبيق. وعندما تتحرك شبكات الخريجين بروح التعاون، لا تعود الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل تنمو لتصبح قوة اجتماعية فاعلة ومستمرة من خلال أبنائها.
إن مستقبل إندونيسيا لا يتحدد فقط بحجم مواردها الطبيعية أو قوتها الاقتصادية، بل يتحدد أيضاً بجودة الأفكار القادرة على البروز والتحول إلى سياسات وحركات اجتماعية تعود بالنفع على المجتمع. وفي هذه العملية، تحتل الجامعة موقعاً لا يمكن استبداله.
إن بناء الحضارة يتطلب بالفعل دولة قوية، واقتصاداً سليماً، وتكنولوجيا متقدمة. غير أن كل ذلك سيفقد اتجاهه إذا لم يُدعم بتراديف وتقاليد علمية راسخة. لقد علمنا التاريخ أن كل قفزة حضارية كبيرة تبدأ دائماً بِنَهْضَةٍ علمية. فمن قاعات الدراسة، والمختبرات، والمكتبات، والمنتديات الأكاديمية، تولد الأفكار التي تغير العالم بعد ذلك.
ولذلك، فإن بناء الحضارة يبدأ حقاً من الجامعة؛ من جامعة تفكر بوضوح، وتبحث بتأنٍ، وتحاور بانفتاح، وتربي جيلاً يجعل من العلم طريقاً للعطاء. وعندما تسير الجامعة والخريجون والمجتمع في مسعى واحد، لن تكون إندونيسيا مجرد متلقٍ للتغيرات العالمية، بل ستسهم أيضاً في تقديم الأفكار والقيم التي تثري الحضارة الإنسانية.
ويوفر المنتدى الوطني لرابطة خريجي الجامعات الإسلامية الحكومية (PTKIN) المنشأ حديثاً فرصة مهمة لتعزيز هذه العلاقة. فحضوره ليس مجرد إضافة لإحدى منظمات الخريجين في إندونيسيا، بل يملك هذا المنتدى إمكانات ليكون مساحة لترسيخ الفكر والعطاء الربط بين الجامعة واحتياجات الوطن.
ولطالما كانت طاقات خريجي PTKIN متفرقة في مختلف القطاعات دون وجود رابط قوي يجمع كل هذه الإمكانات. ومع ذلك، ففي نظرية رأس المال الاجتماعي التي طرحها روبرت د. بوتنام (2000)، تُعد شبكات الثقة، والقيم المشتركة، والتعاون عوامل حاسمة تُحدد قدرة المجتمع على تحقيق التقدم الجماعي. بل إن بيير بورديو (1986) يضع رأس المال الاجتماعي كأحد الموارد الإستراتيجية التي يمكن تحويلها إلى نفوذ، وقدرة، وتغيير اجتماعي.
وإذا أمكن ربط ملايين الخريجين في شبكة إنتاجية، فإن إندونيسيا تمتلك في الواقع واحدة من أكبر المنظومات الفكرية في العالم الإسلامي. وهذه الإمكانية تتجاوز بكثير الدور التقليدي لمنظمات الخريجين؛ إذ يمكن أن تتطور لتصبح مساحة للتعاون بين التخصصات والمهن والأجيال المختلفة لصياغة حلول للقضايا الوطنية.
مركز الحضارة
نحن نعيش في عصر تتزايد فيه تحديات التنمية تعقيداً. فقضية الفقر لا يمكن حلها بالنهج الاقتصادي وحده، وأزمة البيئة تتطلب بعداً أخلاقياً ورؤية روحية، والتحول الرقمي يستلزم توجيهاً أخلاقياً لتبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسانية، والاستقطاب الاجتماعي يتطلب قيادة قادرة على رعاية الحوار والتماسك الوطني. وكل هذه التحديات تتطلب مساهمة علمية تتجاوز حدود التخصصات الأكاديمية الضيقة.
وتتمتع الجامعات الإسلامية الحكومية بموقع فريد في مشهد التعليم العالي الإندونيسي. فالتقاليد العلمية التي طوّرتها لا تفصل الدين عن الواقع الاجتماعي، بل يُفهم الدين باعتباره مصدراً للقيم التي تدفع نحو العدالة، والمصلحة العامة، واحترام الكرامة الإنسانية، والمسؤولية تجاه الكون. وتتيح هذه الرؤية مجالاً لولادة حلول تجمع بين الأبعاد الأخلاقية والفكرية والسياسات العامة في وقت واحد.
وبناءً على ذلك، ينبغي ألا تقتصر مساهمة خريجي PTKIN على تعزيز مؤسساتهم الفردية، بل إن الأهم هو بناء منظومة فكرية قادرة على توجيه التنمية الوطنية. فالجامعة بحاجة إلى تشجيع ثقافة البحث العلمي المرتبط باحتياجات المجتمع، والخريجون بحاجة إلى المشاركة في صياغة السياسات العامة، وتطوير الابتكار الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي للأمة، وتعزيز الاعتدال الديني، والقيام بالدبلوماسية الإنسانية على المستوى الدولي.
وهنا تجد فكرة بناء الحضارة معناها الملموس. فالحضارة ليست مجرد صروح صلبة أو إنجازات مادية، بل هي قدرة الأمة على إنتاج القيم، والعلم، والمؤسسات التي تعزز حياة الإنسان. تكتمل الحضارة عندما يقترن العلم بالنزاهة، وتُقاد السلطة بالأخلاق، ويظل التقدم التكنولوجي مستنداً إلى الإنسانية.
وتملك إندونيسيا جميع المقومات للاضطلاع بهذا الدور؛ فالعائد الديموغرافي، والاستقرار السياسي النسبي، وتقاليد التنوع، والخبرة الطويلة في إدارة مجتمع متعدد، كلها أصول قيمة للغاية. وما يحتاج إلى تعزيز هو القدرة على ربط كل هذه الأصول في منظومة معرفية إنتاجية، وتظل الجامعة هي الحلقة الأساسية في هذه المنظومة. (نُشر المقال في صحيفة Republika، يوم الأربعاء 15 يوليو 2026. انظر https://analisis.republika.co.id/berita/ti6yij451/membangun-peradaban-dimulai-dari-kampus-part4)
