برنامج الوجبات المجانية: بين مبررات الإيقاف وحتمية الإصلاح

برنامج الوجبات المجانية: بين مبررات الإيقاف وحتمية الإصلاح

الأستاذ الدكتور محمد نور ريانتو العارف

  • الأستاذ المبرّز بجامعة شريف هيداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا

  • الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين (ADI)

  • عضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة الاقتصاديين الإسلاميين في إندونيسيا (IAEI)

  • عضو الهيئة الإدارية لجمعية الاقتصاديين الإندونيسيين (ISEI) - فرع جاكرتا

  • موجه بمعهد التطوير الاقتصادي للأمة التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)

في خضم تحديات التنمية المتعددة التي تواجهها إندونيسيا، برز "برنامج الوجبات المغذية المجانية" كواحد من أكثر السياسات إثارة للجدل والنقاش خلال السنوات الأخيرة. ومنذ طرحه كبرنامج ذي أولوية قصوى لحكومة الرئيس فرابوو سوبيانتو، لم يُنظر إليه مجرد برنامج للمساعدات الاجتماعية، بل وُضع في إطار الاستثمار طويل الأجل للارتقاء بجودة الموارد البشرية الإندونيسية. وضمن السردية الكبرى للتنمية الوطنية، يحمل هذا البرنامج غاية نبيلة؛ إذ تسعى الدولة من خلاله إلى ضمان حصول كل طفل إندونيسي على وجبات مغذية وكافية تمكنه من النمو السليم، والتحصيل الدراسي الجيد، وامتلاك طاقات قصوى عند الولوج إلى سن الإنتاج. وبعبارة أخرى، يُتوقع لبرنامج الوجبات المغذية المجانية أن يكون حجر الأساس لتحقيق رؤية "إندونيسيا الذهبية 2045".

ومع ذلك، وعلى غرار السياسات العامة الضخمة، لم يسلم هذا البرنامج من النقد والجدل. فبينما يرى فيه البعض طفرة تستحق الإشادة، يشكك آخرون في فاعليته، واستدامته المالية، وآليات حوكمة برنامج يستنزف ميزانية هائلة. بل وصدرت مؤخراً أصوات تتساءل عما إذا كان هذا البرنامج يستحق الاستمرار أم أن الإلغاء هو الخيار الأمثل. واحتدم هذا السجال بشكل لافت عقب الكشف عن قضية فساد مزعومة تورط فيها ثلاثة مسؤولين كبار سابقين في "الوكالة الوطنية للتغذية"، وهي الجهة التي تمثل رأس الحربة في تنفيذ البرنامج. لم تكتفِ هذه القضية بهز ثقة الجمهور في المؤسسة المنفذة فحسب، بل أثارت تساؤلات جوهرية حول مستقبل البرنامج برمته. وإزاء هذا الوضع، هل ينبغي إيقاف البرنامج أم أن الأصح هو تجويده وتقويمه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكتسب أهمية بالغة؛ لأن الفشل في التنفيذ—في عرف السياسات العامة—لا يعني بالضرورة فشل الفكرة ذاتها.

إن الأزمات التي تواجه البرامج لا تعني حتمية إلغائها؛ ففي كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في أهداف البرنامج، بل في منظومة الحوكمة وآليات التطبيق. لا تزال إندونيسيا تواجه تحديات جسيمة في مجال التنمية البشرية؛ ورغم التحسن الذي شهدته المؤشرات الاجتماعية على مدار العقدين الماضيين، فإن مشكلة التغذية لم تُحل بالكامل. ومع أن معدلات التقزم (Stunting) تظهر منحى نزولياً، إلا أن أعداد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النمو لا تزال مرتفعة نسبياً. وفي مناطق عدة، لا سيما النائية منها وفي أوساط الفئات ذوي الدخل المحدود، يظل الحصول على الغذاء الصحي معضلة يومية.

ولا يمكن اختزال هذه المعضلة في الشق الصحي فحسب؛ إذ ينعكس سوء التغذية لدى الأطفال مباشرة على قدراتهم الاستيعابية، وإنتاجيتهم، وجودة الموارد البشرية مستقبلاً. وتؤكد دراسات متعددة أن الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية في سنوات عمرهم الأولى يميلون إلى امتلاك قدرات إدراكية أدنى مقارنة بأقرانهم ممن حصلوا على رعاية غذائية كافية. ومن هذا المنطلق، يكتسب برنامج الوجبات المغذية المجانية مشروعيته؛ حيث ينطلق من قناعة راسخة بأن الاستثمار في تغذية الطفل هو أحد أكثر الاستثمارات ربحية للدولة. فكل روبية تُنفق اليوم لتحسين نمط تغذية الأطفال تحمل في طياتها عوائد اقتصادية تضاعف قيمتها مستقبلاً.

وتُظهر تجارب دول عدة أن برامج التغذية المدرسية يمكن أن تغدو أداة فاعلة للارتقاء بجودة التعليم والصحة العامة في آن واحد. فقد أثبتت دول مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وفنلندا، وغيرها، قدرة هذه البرامج على تحسين جودة التعلم وترسيخ الوعي المجتمعي بالأنماط الغذائية السليمة. وبناءً على ذلك، فإن برنامج الوجبات المغذية المجانية يستند—من الناحية المفاهيمية—إلى أرضية صلبة.

بيد أن السجال المحتدم حول البرنامج ينبع من ضخامة حجمه؛ إذ تستهدف الحكومة نحو 82.9 مليون مستفيد يشملون طلاب المدارس، والأطفال دون الخامسة، والحوامل، والمرضعات. ولتحقيق هذا المستهدف، رصدت الدولة ميزانية تُقدر بمئات التريليونات من الروبيات سنوياً. وفي موازنة الدولة لعام 2026، خُصص للبرنامج نحو 335 تريليون روبية قبل إجراء التعديلات المالية التي استقرت به عند 268 تريليون روبية. هذه الأرقام الفلكية تجعل من برنامج الوجبات المغذية المجانية أحد أكبر البرامج الاجتماعية في تاريخ إندونيسيا الحديث. وإذا ما قورن ببرامج الدعم الأخرى، فإن حجمه يبدو أضخم بكثير، مما يتطلب منظومة لوجستية معقدة تشمل آلاف المطابخ المركزية، وملايين الموردين للمواد الخام، وشبكة توزيع تغطي كافة أرجاء الأرخبيل الإندونيسي.

إن هذا الحجم الهائل يعكس من جهة جدية الحكومة في بناء الرأسمال البشري، ولكنه من جهة أخرى يفرض تحديات جمة. فكلما تضخمت الميزانية المرصودة، تعاظمت المخاطر المصاحبة؛ بدءاً من الهدر، والخطأ في تحديد الفئات المستهدفة، وضعف كفاءة التوزيع، وصولاً إلى شبح الفساد. وهنا مكمن المعضلة الكبرى للبرنامج.

ورغم الانتقادات، لا يمكن إنكار العوائد الإستراتيجية للبرنامج؛ فأولاً، يمتلك القدرة على تحسين المستوى الغذائي للمجتمع، لا سيما الفئات الهشة. وبالنسبة للأسر الفقيرة، فإن توفير وجبة مغذية واحدة يومياً يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية ويرفع جودة استهلاك الأطفال. وثانياً، يدعم البرنامج العملية التعليمية؛ فالطفل الذي يحصل على تغذية جيدة يمتلك قدرة أعلى على التركيز مقارنة بمن يعاني نقصاً غذائياً. وثالثاً، يخلق البرنامج تأثيراً اقتصادياً مضاعفاً (Multiplier Effect)؛ إذ إن الطلب الهائل على المواد الغذائية سينعش قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والسمكية المحلية. وإذا أُدير البرنامج بحصافة، فإنه سيتحول إلى أداة لتمكين اقتصاد القرى وتعزيز الأمن الغذائي القومي. ورابعاً، يحمل البرنامج بعداً يتصل بالعدالة الاجتماعية؛ ففي ظل الفوارق الاقتصادية القائمة، يمثل البرنامج أداة للدولة لضمان تكافؤ الفرص لأطفال الأسر الفقيرة في الحصول على غذاء صحي. وبناءً على هذه المنافع، لا غلو في وصف البرنامج بأنه استثمار اجتماعي حيوي لمستقبل الأمة.

ومع ذلك، فإن عظم المنافع لا يعني تبرئة البرنامج من العيوب. يتعلق النقد الأول بالاستدامة المالية؛ إذ إن ميزانية تبلغ مئات التريليونات سنوياً تشكل عبئاً ثقيلاً. وفي ظل الضغوط التي تواجهها الإيرادات العامة، يتعين على الحكومة ضمان أن كل روبية تُنفق تحقق أقصى عائد ممكن. والسؤال الملح هنا: هل تقوى إندونيسيا على تمويل برنامج بهذا الحجم على نحو مستدام؟ إن هذا التخوف مشروع تماماً؛ إذ ستتزايد الاحتياجات التمويلية طردياً مع اتساع رقعة المستفيدين وارتفاع أسعار السلع الغذائية. مالم يُدر البرنامج بحذر شديد، فإنه قد يخلق ضغوطاً مالية خانقة في المستقبل؛ لذا يجب ألا يتحول إلى برنامج شعبي (Populis) يستنزف خزينة الدولة، بل يجب الإبقاء عليه كبرنامج إستراتيجي يصنع فارقاً حقيقياً في جودة الموارد البشرية.

أما المعضلة الأكبر حالياً، فلا تكمن في الشق المالي، بل في منظومة الحوكمة. وقد تأكدت هذه المخاوف حينما وجهت النيابة العامة اتهامات لثلاثة مسؤولين سابقين في الوكالة الوطنية للتغذية بتهم الفساد. ويمثل هذا الحادث أحد أقسى الاختبارات التي واجهها البرنامج منذ انطلاقه. والمفارقة هنا أن الشبهات لم تطل صغار المنفذين، بل قيادات تبوأت مواقع إستراتيجية في الهيكل المؤسسي للوكالة، وشملت التجاوزات المزعومة ترسية عقود على شركاء مقربين من صناع القرار، وممارسات تعاقدية تفتقر لأبسط مبادئ الحوكمة الرشيدة.

تبعث هذه القضية برسالة واضحة مفادها أن أفضل البرامج قد تفقد مشروعيتها إذا أُديرت بشكل سيئ. فضلاً عن ذلك، فإن الفساد في البرامج الاجتماعية يحمل آثاراً أكثر فداحة من الفساد في مشاريع البنية التحتية؛ فإذا كان الفساد في تشييد الطرق يقلل من جودة الإسفلت، فإن الفساد في برامج التغذية يسلب الأطفال حقهم في غذاء كريم. إن كل روبية تتسرب من هذا البرنامج هي في الجوهر حق ضائع للمجتمع؛ ولذا لا يمكن التعامل مع قضايا الفساد كمسألة ثانوية، بل هي النقطة الحرجة التي تحدد نجاح البرنامج أو فشله. ويجب أن تتحول القضية الأخيرة إلى قوة دفع لإجراء تقييم شامل لمنظومة حوكمة البرنامج، تدرك من خلاله الحكومة أن المشاريع العملاقة تتطلب آليات رقابة أشد صرامة من البرامج العادية.

وفي غمرة هذه الانتقادات، اقترحت بعض الأطراف إلغاء البرنامج بالكامل، وهو مقترح قد يبدو منطقياً من منظور كفاءة الموازنة. لكن التحليل المعمق يظهر أن الإلغاء ليس الخيار الصائب لعدة أسباب؛ أولاً: لأن الخلل يكمن في التطبيق لا في الأهداف، فالغاية المتمثلة في رفع الكفاءة الغذائية لا تزال ملحة وضرورية. ثانياً: إن ملايين المستفيدين قد تلمسوا بالفعل عوائد هذا البرنامج، وإيقافه الفجائي قد يحدث اضطراباً اجتماعياً واسعاً. ثالثاً: أنشأت الحكومة بنى تحتية ومطابخ تكبدت ميزانيات ضخمة، وإلغاء البرنامج يعني هدر تلك الاستثمارات. رابعاً: لا ينبغي اتخاذ الفساد ذريعة لإلغاء البرامج التنموية؛ فهذا المنطق خطير لأن كل مشروع حكومي معرض للإنحراف، والمعركة يجب أن تُوجه ضد الفساد ذاته لا ضد البرنامج. وعليه، فإن الخيار العقلاني يكمن في الإصلاح لا الإلغاء.

وكي يتحول برنامج الوجبات المغذية المجانية إلى استثمار فاعل في الموارد البشرية، يتعين تنفيذ خمسة محاور كبرى؛ أولاً: تعزيز الحوكمة المؤسسية، إذ كشفت القضية الأخيرة عن حاجة ملحة لإعادة هيكلة الوكالة الوطنية للتغذية، بجعل آليات المشتريات أكثر شفافية، وإجراء عمليات تدقيق مالي دورية، وسد منافذ تضارب المصالح. ثانياً: رقمنة سلسلة التوريد بأكملها، عبر توظيف التكنولوجيا لمراقبة عمليات الشراء، والتوزيع، وصرف الميزانيات لحظة بلحظة للحد من أي تسريب.

ثالثاً: تجويد آليات الاستهداف، بمنح الأولوية القصوى للمناطق التي تسجل مستويات مرتفعة من الفقر، والتقزم، وانعدام الأمن الغذائي، حيث يسهم الاستهداف الدقيق في رفع كفاءة الإنفاق. رابعاً: ربط البرنامج بالاقتصاد المحلي، عبر إشراك المزارعين، ومربي الماشية، والصيادين، والتعاونيات، والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر في توريد المواد الغذائية، ليتحول البرنامج إلى محرك لاقتصاد المجتمع المحلي وليس مجرد أداة لتحسين التغذية. خامساً: بناء نظام تقييم قائم على النتائج (Outcomes)، بحيث لا تُقاس كفاءة البرنامج بعدد الوجبات الموزعة، بل بمدى انخفاض معدلات التقزم، وتحسن الوضع الصحي للأطفال، ونسب الانضباط المدرسي، وجودة التحصيل العلمي.

ختاماً، يعكس الجدل الدائر حول برنامج الوجبات المغذية المجانية حواراً أكبر حول بوصلة التنمية في إندونيسيا: هل تنصب الجهود على البنية التحتية المادية فحسب، أم تمتد لتشمل بناء الإنسان؟ يمثل هذا البرنامج أحد أكثر صور الاستثمار في الإنسان مادية وملموسة، بيد أن هذا الاستثمار لن يثمر إلا إذا تسلح بحوكمة راشدة. لقد قدمت قضية الفساد الأخيرة درساً بليغاً بأن أضخم البرامج مآلها الفشل إذا وهنت نزاهتها المؤسسية، وفي المقابل، فإن البرامج الطموحة تصنع معجزات إذا أُديرت بمهنية، وشفافية، ومساءلة.

لا يحتاج برنامج الوجبات المغذية المجانية إلى إيقاف، بل إن ما يجب إيقافه واجتثاثه هو ممارسات الفساد، وهدر الميزانيات، وتضارب المصالح، وكافة الانحرافات التي تقوض غاياته النبيلة. إن إندونيسيا بحاجة ماسة إلى جيل معافى، ذكي، ومنتج؛ ولتحقيق ذلك، تحتاج الدولة إلى أدوات سياسة عامة حصيفة، ويمثل هذا البرنامج إحدى تلك الأدوات. غير أن نجاحه لن يُقاس بضخامة الأموال التي تُضخ في شريانه، بل بجودة الحوكمة التي تطوق مساره.

إذا ما استطاعت الحكومة تحويل قضية الفساد في الوكالة الوطنية للتغذية إلى فرصة للإصلاح الجذري، فإن برنامج الوجبات المغذية المجانية يمتلك فرصة تاريخية ليغدو واحداً من أهم المواريث في سجل السياسات الاجتماعية لإندونيسيا. أما إذا تُركت مكامن الخلل تتكرر، فإن البرنامج يغامر بفقدان مشروعيته الشعبية وفشله في بلوغ مقاصده. وبناءً على ذلك، فإن الخيار الأوحد والأصح ليس إيقاف البرنامج، بل هندسته وتجويده بشكل شامل؛ فما تحتاجه الأمة ليس مجرد برنامج لإطعام البطون بالمجان، بل تحتاج برنامجاً لبناء الإنسان يتسم بالفاعلية، والنزاهة، والاستدامة. وهناك تماماً سيتحدد مستقبل هذا البرنامج.

> نُشر هذا المقال في عمود صحيفة "كومباس" (Kompas) يوم الثلاثاء (16 يونيو 2026).