إيقاد شعلة التعلم الرقمي
بقلم: أ. د. مايلا دينيا حسني رحيم
(أستاذة طفولة المبكرة والرعاية الاجتماعية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
لم تعد رقمنة التعليم مسألة هامشية في نقاشاتنا اليومية؛ بل تغلغلت في عمق الغرف الصفية، وفي طرق إعداد المعلمين للدروس، وفي مصادر تعلم الطلاب، وفي الكيفية التي تتصور بها الدولة تحقيق العدالة في جودة التعليم.
ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت المدارس بحاجة إلى التكنولوجيا أم لا، بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل تساهم هذه التكنولوجيا في تحسين جودة تعلم الطلاب، أم أنها مجرد أداة لإضفاء مظهر الحداثة على الفصول الدراسية؟
وخلال السنوات القليلة الماضية، عملت وزارة التعليم الأساسي والمتوسط على تعزيز النظام البيئي الرقمي للتعليم عبر حزمة من المنصات والأدوات، مثل: "السبورة الرقمية التفاعلية"، و"بيت التعليم"، و"فضاء الطالب"، و"فضاء المعلمين والكوادر التعليمية"، وحسابات (belajar.id)، و"مصادر التعلم الرقمية"، و"التدريبات الاختبارية"، ونظام الكتب المدرسية الرسمية (SIBI)، ومنصة الإثراء القرائي (BUDI). ورغم أن هذه المصطلحات تبدو تقنية وجافة، إلا أن جوهرها بسيط؛ إذ يمثل "بيت التعليم" المظلة الكبرى للخدمات الرقمية.
بينما يساهم "فضاء الطالب" في دعم عملية التعلم للمتعلمين، ويقود "فضاء المعلمين" قاطرة التطوير المهني للمعلمين والكوادر التربوية. وتعمل حسابات (belajar.id) بمثابة الهوية الرقمية، في حين توفر "مصادر التعلم" مقاطع فيديو، ومقالات، ومحتويات تفاعلية، وألعاباً تعليمية.
وتساعد "التدريبات الاختبارية" الطلاب على قياس مدى استيعابهم، ويوفر نظام (SIBI) المناهج والكتب المدرسية الرسمية، وتعمل منصة (BUDI) على إثراء الوعي القرائي للأطفال عبر الكتب الرقمية، والقصص المصورة، والوسائط السمعية والبصرية. إننا أمام نظام بيئي متكامل يضم: الأدوات، والمنصات، والمحتوى، والكتب، والتدريبات، والبيانات، وفضاءات التعلم المخصصة للمعلمين. ويكتسب هذا النظام أهمية بالغة في بلد كإندونيسيا تتنوع فيه مستويات المدارس بشكل صارخ؛ فهناك مدارس تتمتع بكادر تعليمي مكتمل، وتجهيزات ممتازة، وشبكة إنترنت مستقرة، وفي المقابل، هناك مدارس لا تزال تواجه عجزاً في المعلمين، ومصادر التعلم، والكهرباء، والإنترنت، وفرص التدريب. وفي ظل هذا التباين الجغرافي واللوجستي، يمكن للتكنولوجيا أن تكون جسراً للعبور، بيد أن هذا الجسر لا قيمة له إلا إذا نجح فعلياً في ربط الأجهزة الرقمية بجودة التجربة التعليمية ذاتها.
وعلى سبيل المثال، يمكن لـ "السبورة الرقمية التفاعلية" أن تكون أكثر من مجرد شاشة عرض كبيرة؛ إذ يمكن توظيفها كلوحة كتابة رقمية، ومساحة لتدوين الملاحظات، ووسيط للعروض التقديمية، ومختبر للمحاكاة، وأداة لإجراء الاختبارات القصيرة، وفضاء للعمل المشترك. ويستطيع المعلم من خلالها عرض مقاطع فيديو من "مصادر التعلم"، وفتح الكتب من منصة (SIBI)، وتشجيع الطلاب على قراءة القصص من منصة (BUDI)، واستخدام "التدريبات الاختبارية" كأداة تقييم سريع، أو عرض الخرائط، والرسوم البيانية، والصور، والتجارب الافتراضية. وهنا لن يقتصر دور الطلاب على المشاهدة السلبية، بل يمكنهم لمس الشاشة، وتحريك الكائنات الرقمية، والإجابة عن الأسئلة، والمناقشة، وبناء المعرفة بشكل جماعي.
ولكن، يجب أن ندرك أن حداثة الأجهزة لا تضمن تلقائياً ولادة تعليم جيد؛ فالقوة الكبرى للرقمنة لا تكمن في الأجهزة والعتاد، بل في "البيداغوجيا" (الفلسفة التربوية وطرق التدريس). التكنولوجيا تفتح الآفاق وتوفر الفرص، لكن المعلم هو من يحول تلك الفرص إلى تجارب تعلم حية ومثمرة.
ففي يد معلم مستعد ومؤهل، تحول السبورة الرقمية المفاهيم المجردة إلى واقع ملموس. وفي يد معلم متأمل ومتفكر، يصبح المحتوى الرقمي بوابة لطرح الأسئلة وتنمية التفكير النقدي. وفي يد معلم مستشعر لمتطلبات طلابه، تحول التكنولوجيا الخوف في نفوس الطلاب المتعثرين إلى جسارة على التعلم.
وإن الرؤية التي طرحها الرئيس برابوو بشأن تمكين "أفضل المعلمين" من التدريس رقمياً لتبث دروسهم إلى المدارس الأخرى، تفتح أفقاً حيوياً لتحقيق العدالة في جودة التعليم. فالمعلم المتميز في شرح الكسور الرياضية، أو مهارات القراءة، أو التغير المناخي، أو التجارب العلمية، أو المهارات المهنية، لم يعد حبيس غرفة صفية واحدة؛ بل يمكن لخبرته بفضل التكنولوجيا أن تتسع لتشمل نطاقاً أرحب.
ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نتخيل هذا النموذج على أنه قعود سلبي من الطلاب لمشاهدة معلم يتحدث من مكان بعيد؛ بل إن النموذج الأكثر قوة وتأثيراً هو "التعليم الرقمي المشترك" (Co-teaching). حيث يقوم المعلم الخبير من الاستوديو بشرح المفاهيم الأساسية بوضوح وجلاء، بينما يظل المعلم المحلي (داخل الصف) هو الفاعل الرئيسي؛ فيقوم بتهيئة السياق، وإدارة النقاش، ومساعدة الطلاب المتعثرين، وربط المادة بالحياة اليومية المحيطة، وإجراء التقييمات، ومتابعة مخرجات التعلم. وبهذه الطريقة، لا يتم تهميش المعلم المحلي أو استبداله، بل يجري تمكينه وتعزيز دوره.
ولأجل ذلك، يجب أن يكون المحتوى الرقمي مصحوباً بـ "أدلة توجيهية للمعلم". توضح هذه الأدلة ما يجب فعله قبل بدء العرض، ومتى يتم إيقاف الفيديو مؤقتاً لفتح باب النقاش، وما هي الأسئلة التي ينبغي طرحها، وما هي الأنشطة التي يقوم بها الطلاب، وكيف يقيس المعلم مدى استيعاب الأطفال. وبذلك، يتحول الفصل الرقمي من شاشة للمشاهدة والتسلية إلى تجربة تعلم حقيقية.
ويتسق هذا التوجه تماماً مع فلسفة التعليم "الواعي، والذين معنى، والمبهج" (Mindful, Meaningful, and Joyful). والتعليم الواعي يعني أن يتعلم الطالب بتركيز وتأمل، والتعليم ذو المعنى يعني ربط الدروس بالواقع المعاش للطفل، أما التعليم المبهج فيعني أن تسير العملية التعليمية في بيئة آمنة، نشطة، ومثيرة للشغف.
وتستطيع التكنولوجيا أن تدعم هذه الركائز الثلاث، ولكن بشرط منح المعلمين المساحة، والوقت، والتدريب، والدعم اللازم لتصميم هذه البيئة التعليمية. ومن هنا، يجب أن تنتقل برامج تدريب المعلمين من مجرد الإتقان التقني الصرف للأجهزة إلى تعزيز القدرات البيداغوجية والتربوية.
إن المعلم بحاجة بلا شك إلى فهم كيفية تشغيل الأجهزة والمنصات، ولكن العامل الحاسم يكمن في قدرته على تصميم عملية التعلم: كاستخدام السبورة الرقمية في التقييم التكويني، وتطويع المادة لتناسب مستويات الطلاب، وإدماج السياق المحلي، وحماية الأطفال من الخمول أمام الشاشات، وضمان دمج وتلبية احتياجات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما يجب أن تُقرأ الرقمنة من خلال لغة "البيانات"؛ فالنجاح لا يُقاس بعدد الأجهزة الموزعة.
بل إن المعيار الحقيقي هو مدى تكرار استخدام هذه الأجهزة، وطبيعة الأنشطة التعليمية المقامة من خلالها، ومدى نمو ثقة المعلمين بأنفسهم، ومدى إيجابية وتفاعل الطلاب، وهل تلقت المدارس ذات الوصول المحدود مساعدة حقيقية أم لا. إن بيانات كهذه لا تُجمع لتصيد أخطاء المدارس، بل لتصويب السياسات التعليمية وتطويرها.
وتؤكد تجارب مختلف الدول درساً واحداً مشتركاً: إن التحول الرقمي يكتب له النجاح عندما لا تتحرك التكنولوجيا بمعزل عن بقية العوامل؛ إذ يجب أن تتحرك البنية التحتية، والمحتوى، والمعلم، والقيادة المدرسية، والدعم الإقليمي، وعمليات التقييم معاً ككتلة واحدة متناغمة. التكنولوجيا تفتح الآفاق وتمهد الطريق، لكن الإنسان والنظام البيئي المحيط هما من يحددان بوصلة الوجهة.
إن السبورة الرقمية، و"بيت التعليم"، ومصادر التعلم، والكتب الرقمية، والتدريبات الاختبارية، وبيانات التعلم، يمكن أن تشكل قفزة تاريخية للتعليم في إندونيسيا. ومع ذلك، فإن قيمتها الأكبر لا تكمن في شاشاتها المضيئة، بل في جودة التعلم الذي ينمو ويزدهر حولها. ولن تكتسب رقمنة التعليم معناها الحقيقي إلا عندما تسهم هذه التكنولوجيا في جعل المعلم أكثر تمكناً، والمدرسة أكثر استعداداً، وأطفال إندونيسيا أكثر وعياً وبهجة واستفادة في رحلتهم التعليمية.
ملحوظة: نُشر هذا المقال في صحيفة "كومباس" (Kompas) يوم الأحد، 24 مايو 2026.
