أ. د. نصر الدين عمر
(أستاذ علم التفسير بكلية أصول الدين جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بباكارتا،
وزير الشؤون الدينية لجمهورية إندونيسيا)
RM.id راعيات ميرديكا – لطالما كانت "إسلام الأرخبيل" (Islam Nusantara) تُعلا قيم التسامح منذ البداية؛ فالأرخبيل ذاته تجسيدٌ حي لهذا التسامح، كما أن جوهر التعاليم الإسلامية يُرسخ في أصله منهج التسامح والتعايش.
عندما وقع الخلاف بين علي بن أبي طالب ومواعية بن أبي سفيان، لم يكن أي منهما مستعداً للتنازل. كان علي قد بويع خليفةً رابعاً للمسلمين، لكن معاوية لم يعترف ببحكمه. ونتيجة لعدم تنازل أي طرف، نشبت المعركة الشهيرة بـ "معركة صفين". وكان معاوية مدعوماً من عائشة أم المؤمنين، بينما كان علي مدعوماً بطبيعة الحال من زوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الصدام أمراً لا مفر منه.
وفي خضم تلك الحرب الأهلية، دعا عمرو بن العاص — الذي عُرف بكونه داهيةً وسياسياً بارعاً في معسكر معاوية — إلى وقف إطلاق النار والصلح. واستخدم رمزية رفع نحو 500 مصحف على أطراف الرماح، داعياً الجيشين إلى الاحتكام إلى كتاب الله. ووافق كل من علي ومعاوية على هذا المقترح.
أرسل عليٌّ أبا موسى الأشعري، وهو عالم جليل ومحترم، بينما مثل معاويةَ عمروُ بن العاص. وكان عمرو يعلم تقوى أبي موسى وبساطته، فاقترح عليه — إعزازاً للإسلام ومصلحةً للأمة — أن يعزل عليٌّ ومعاويةُ نفسيهما، ثم يُختار شخصٌ آخر أكثر حياداً.
وبكل حسن نية، قبل أبو موسى الأشعري — بصفته ممثلاً لعلي بن أبي طالب — هذا المقترح. بل وطُولب بأن يتحدث أولاً أمام الجماهير والجيشين، فأعلن في خطبته أنه اعتباراً من تلك اللحظة لا يوجد خليفة، وأن الأمة ستختار خليفةً يرتضيه الجميع.
لكن عندما جاء دور عمرو بن العاص في الحديث، انحرف عن الاتفاق؛ حيث أعلن أنه طالما أنه لا يوجد خليفة الآن، فإن معسكره يثبت معاوية خليفةً شرعياً. وبطبيعة الحال، رفض معسكر علي هذا الإعلان، فاندلعت المعارك من جديد واستمرت حتى قُتل علي رضي الله عنه.
كانت معركة صفين أكبر حرب أهلية في التاريخ الإسلامي المبكر، وغالباً ما تُسمى بـ "الفتنة الكبرى" في تاريخ الأمة. ومن رحم هذا الصراع ولدت الفرق الكلامية والفكرية المختلفة مثل الشيعة والموجئة والخوارج، وتطورت هوية أهل السنة والجماعة.
إن ما قام به عمرو بن العاص هو ما يمكن تسميته بـ "الإسلام السياسي" (Islam politik)؛ حيث خدع خصمه باستخدام رمزية القرآن واللغة الدينية، وأشعل عواطف الأمة عبر الآيات والأحاديث لتحقيق نصر سياسي، وضيق الخناق على خصمه بالأدلة الدينية، بل واستغل النصوص لبناء صورته وتدمير الرمزية السياسية لخصومه.
في المقابل، يمكن اعتبار أبي موسى الأشعري رمزاً لـ "السياسة الإسلامية" (politik Islam)، بينما يمثل عمرو بن العاص رمزاً لـ "الإسلام السياسي". ويكمن الفرق بينهما في التوجه والهدف: فالسياسة الإسلامية تجعل من القيم الإسلامية ركيزةً للعمل السياسي، بينما يجعل الإسلام السياسي من الدين أداةً ووسيلةً للوصول إلى المآرب السياسية.
وعبر مسار التاريخ الإسلامي، استمر الصراع بين "السياسة الإسلامية" و"الإسلام السياسي"، وإندونيسيا ليست استثناءً من ذلك. فبعض الأطراف تشدد على أهمية "السياسة الإسلامية"، بينما يرى آخرون أن ذلك غير كافٍ ولا بد من تحقيقه عبر "الإسلام السياسي".
لكن من الناحية العملية، لم يجعل "إسلام الأرخبيل" شكل الدولة هدفه الرئيسي في النضال قط. وعلى الرغم من أن غالبية سكان إندونيسيا يعتنقون الإسلام، إلا أنهم لم يطالبوا مطلقاً بإقامة دولة إسلامية كشرط مطلق. والدليل على ذلك أنه في مختلف المسارات الديمقراطية، لم يحقق دعاة الدولة الإسلامية أي فوز في الانتخابات العامة.
إن عامة المسلمين في إندونيسيا يغلبون المضمون والجوهر على الشكل والشكليات في التعاليم الإسلامية. فضلاً عن أن الانسجام والتوافق والتكافؤ والعدالة تُعد اعتبارات أساسية في الحياة الوطنية. إن التكلفة الاجتماعية (social cost) yang harus ditanggung ستكون باهظة للغاية إذا اقتصر النضال على الجوانب المؤسسية الشكلية فقط.
وعلى العكس من ذلك، يُعد من التوفيق والفضل الإلهي العظيم أن يكون جميع أبناء الوطن مستعدين لتنحية الشعارات الشكلية جانباً من أجل إعلاء جوهر القيم التي تحقق المصلحة العامة للجميع.
نُشر هذا المقال في جريدة رعيات ميرديكا (Rakyat Merdeka) الورقية، الصفحة 1 و6، عدد يوم الاثنين 20 يوليو 2026 تحت عنوان: "التعرف على الإسلام ذي الصبغة الإندونيسية (16) إعلاء قيم التسامح"
