إعادة تفسير اتجاه تحول PTKI

إعادة تفسير اتجاه تحول PTKI

أحمد ثولابي شارلي
(أستاذ جامعي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية)

يمكن فهم رسالة الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية، كمارودين أمين، خلال اجتماع عمل جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية (13/2/2026) على أنها إشارة معرفية واستراتيجية حول تحول كبير في توجهات إدارة الجامعات الإسلامية الحكومية (PTKI).

في عرض موجز، تحمل الرسالة رؤية لإعادة تحديد موقع PTKI التاريخي ضمن مشهد التعليم العالي المتحرك نحو عصر المنافسة العالمية المبني على المعرفة والأثر الاجتماعي.

تتضمن أبرز النقاط، على سبيل المثال، التحول نحو جامعات مؤثرة اجتماعياً، تعزيز الخصوصية الإسلامية، وتوظيف شبكة الخريجين العالمية، ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب موقع PTKI حتى لا يُحصر في المنطق الإداري البحت.

وأكد أمين أن مستقبل الجامعات لم يعد يُقاس فقط بمؤشرات الأداء التقليدية، بل بقدرتها على تقديم حلول واقعية للمجتمع.

تأتي هذه الرسالة في سياق تحول طويل للـ PTKI على مدى عقدين. تشير بيانات وزارة الشؤون الدينية إلى أنه منذ أوائل الألفينات وحتى اليوم، تحولت أكثر من 20 IAIN إلى UIN مع طيف معرفي متعدد التخصصات.

فتح كليات العلوم، التكنولوجيا، الاقتصاد، الطب، والعلوم الاجتماعية الحديثة وسّع قاعدة الطلاب وزاد القدرة التنافسية الوطنية. ويبلغ عدد طلاب PTKI أكثر من مليون طالب على المستوى الوطني، مما يجعل النظام أحد أكبر أنظمة التعليم العالي في إندونيسيا.

ومع ذلك، يثير هذا النجاح المؤسسي مفارقة هوية، إذ أن التحول الذي عزز الاعتراف الوطني أوجد مخاوف من تآكل الأساس المعرفي الإسلامي.

في هذا الإطار، يمكن قراءة رسالة الأمين العام على أنها دعوة لإعادة تعريف مسار التحول، وليس مجرد استمرار في التوسع الهيكلي.


من المؤشرات إلى الأثر الاجتماعي

تأكيده على ضرورة انتقال PTKI من "جامعة متميزة" إلى "جامعة مؤثرة" يمثل انتقادًا ضمنيًا للقياس التقليدي لأداء التعليم العالي الذي يعتمد على المؤشرات الكمية.

فحتى الآن، ارتبط نجاح الجامعات بالاعتماد الأكاديمي، المنشورات العلمية، الاستشهادات، والمراكز في التصنيفات العالمية. كل هذه المؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف بالضرورة عن مساهمات الجامعة الحقيقية في حياة المجتمع.

نظريًا، يتوافق هذا التوجه مع مفهوم الجامعة المنخرطة (Engaged University) الذي وضعه إرنست بوير (1996)، ومفهوم الجامعة المدنية (Civic University) الموسع بواسطة جون جودارد (2013). في هذا الإطار، يُنظر إلى الجامعة كمؤسسة عامة مرتبطة باحتياجات المجتمع، وليست مجرد مركز لإنتاج المعرفة بعيدًا عن الواقع. وقد أكد بوير أن:
"المنحة الأكاديمية الحقيقية هي التي تربط المعرفة باحتياجات المجتمع."

في السياق الإندونيسي، تتضح أهمية هذا النموذج أكثر، إذ تُظهر بيانات BPS استمرار الفجوات التعليمية بين المناطق، وتصاعد التحديات الاجتماعية مثل الفقر الهيكلي، النزاعات الهوية، والتعطيل الرقمي. وبأساس مجتمعي متين حتى المستوى المحلي، تمتلك PTKI موقعًا استراتيجيًا كجسر بين المعرفة الأكاديمية والواقع الاجتماعي.

ولكن التحول إلى جامعات مؤثرة اجتماعياً يتطلب تغييرًا في التفكير الداخلي: البحث العلمي لا يمكن أن يتوقف عند النشر، بل يجب أن يكون قائمًا على احتياجات المجتمع. ولا يجوز أن يكون خدمة المجتمع مجرد شكل إداري، بل يجب أن تكون مختبرًا اجتماعيًا لإنتاج حلول مستدامة.

كما يجب دمج القضايا الواقعية في المناهج، حتى يتعلم الطلاب تطبيق المعرفة في الواقع الاجتماعي وليس مجرد فهم النظريات.

وبالتالي، الجامعة المؤثرة اجتماعيًا ليست مضادة للتفوق الأكاديمي العالمي، بل تمثل تكامل الجودة العلمية مع الفائدة المجتمعية.


الحفاظ على الجوهر الإسلامي

كما ذكر كمارودين أهمية تعزيز الخصوصية الإسلامية، وهو ما يمس هوية PTKI المعرفية. فبينما يزيد التحول إلى جامعة متعددة التخصصات من جاذبية المؤسسة، يظهر القلق بشأن تهميش الدراسات الإسلامية. ففي بعض PTKI، يلاحظ انخفاض اهتمام الطلاب بالدراسات الإسلامية بينما تنمو الكليات العامة بسرعة.

إن لم يتم التعامل مع ذلك، فقد يفقد PTKI شخصيته الأساسية ويتحول إلى جامعة عامة تحمل رمزية دينية فقط. بينما تكمن القوة التاريخية لـ PTKI في دمج التراث المعرفي الإسلامي مع المعرفة الحديثة.

وقد ذكر فزلور رحمن (1982) أن دراسة الإسلام يجب أن تتحرك من المنهج النصي إلى المنهج السياقي المستجيب لقضايا العصر. ويؤكد عبد الله أحمد النعيم (2008) أن التراث الفكري الإسلامي لديه قدرة كبيرة على تقديم إرشادات أخلاقية عالمية لمواجهة تحديات الحداثة.

لذلك، لا يكفي الحفاظ على المناهج التقليدية، بل يجب تطوير الدراسات الإسلامية لمواكبة القضايا المعاصرة مثل الأخلاقيات البيولوجية، الذكاء الاصطناعي، تغير المناخ، والاقتصاد العالمي.

وفي هذا الإطار، يصبح الإسلام مصدر قيمة وأخلاقيات لمعالجة القضايا الإنسانية الحديثة، وليس مجرد موضوع دراسي.

وسط تصاعد الاستقطاب الاجتماعي والتطرف العالمي، يصبح هذا الدور أكثر استراتيجية، حيث تتحمل PTKI مسؤولية تاريخية كقلعة للفكر المعتدل ومنتج للمعرفة الإسلامية الشاملة والحلولية.


توظيف شبكة الخريجين

كما أشار كمارودين إلى جانب غالبًا ما يُغفل، وهو ضعف استغلال الخريجين. العديد من PTKI لديهم خريجون في قطاعات استراتيجية متعددة: الإدارة العامة، التعليم، الأعمال، والمنظمات الدولية، لكن إمكاناتهم لم تُستثمر بشكل منهجي.

في الجامعات العالمية، يعتبر الخريجون موردًا استراتيجيًا. أظهرت دراسة CASE Global Alumni Engagement Metrics (2020) أن شبكات الخريجين تؤثر على السمعة، تمويل البحث، والتنقل العالمي للطلاب.

لذلك، يتطلب استثمار شبكة الخريجين استراتيجية مؤسسية مخططة: بناء قاعدة بيانات عالمية، تعزيز الشبكات المهنية، تطوير منصات التعاون البحثي، وإشراك الخريجين في تطوير المناهج والابتكار. في عصر العولمة المعرفية، تصبح قوة الشبكات عاملاً حاسمًا في تنافسية الجامعات.


الخلاصة

تركز هذه الرسائل على إعادة تحديد موقع PTKI استراتيجيًا في النظام التعليمي الوطني والعالمي. فالجامعات الإسلامية، بجانب كونها مراكز تعليمية، يجب أن تكون وكلاء تحول اجتماعي يدمجون الهوية الإسلامية مع الكفاءة العالمية.

يتطلب هذا قيادة أكاديمية ذات رؤية، إدارة مرنة، وثقافة مؤسسية تعاونية. يجب أن تنتقل PTKI من التوجه الإداري إلى توجه الأثر الاجتماعي، ومن النهج القطاعي إلى المقاربة متعددة التخصصات، ومن المنافسة الداخلية إلى الشبكات العالمية.

إذا نجح هذا التحول، ستكون PTKI مؤسسة تعليمية متميزة ومركز حضارة ينتج القيم والحلول والأمل للمجتمع.

في هذا السياق، تصبح رسالة الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية نداءً تاريخيًا لعودة PTKI إلى جوهرها كمؤسسة علمية تثقف العقل وتكرم الحياة.


تم نشر هذا المقال في موقع وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية يوم الإثنين، 16 فبراير 2026.