أهمية وجدارة التعليم العالي
أحمد طولابي خَرْلِي
(أستاذ بجامعة UIN جاكرتا وعضو مجلس التعليم العالي)
في المخيال العام الإندونيسي، ظلّت الجامعات الحكومية تُصوَّر منذ زمن طويل بوصفها رمزًا للجدارة (الميريتوقراطية). فهي تمثل ثمرة الاجتهاد، والقدرة الفكرية، والنجاح في اجتياز منافسة أكاديمية صارمة. ويُنظر إلى الالتحاق بهذه الجامعات باعتباره دليلًا على التفوق في نظام يُفترض أنه يقوم على الموضوعية والعدالة.
غير أن الواقع الميداني بدأ يكشف عن ملامح أكثر تعقيدًا. ففي عدد من الحالات، يواجه خريجو الجامعات الحكومية تحديات في الانتقال إلى سوق العمل، في حين ينجح بعض خريجي الجامعات الخاصة في الالتحاق بالشركات متعددة الجنسيات أو القطاعات الاستراتيجية بوتيرة أسرع.
وهنا يبرز التساؤل القديم من جديد: هل يعمل النظام الذي نعدّه قائمًا على الجدارة بشكل متكافئ في توفير الفرص بعد التخرج؟
لم يعد سوق العمل المعاصر يقيّم المعرفة الأكاديمية وحدها، بل أصبح يولي أهمية لمهارات متعددة تشمل القدرة على التكيّف، والتواصل، والقيادة، وبناء الشبكات الاجتماعية. وتؤدي الجامعة دورًا مزدوجًا، فهي فضاء لتشكيل القدرات، وفي الوقت نفسه مجال لتوسيع العلاقات.
وقد استجابت بعض الجامعات الخاصة، خاصة تلك المرتبطة بالصناعة، لهذه التحولات بسرعة نسبية. فمرونة المناهج، والشراكات مع قطاع الأعمال، والتركيز على المهارات الناعمة، جعلت تجربة التعلم أكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل.
وتتوافق هذه الملاحظات مع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (2023) حول مستقبل الوظائف، الذي يشير إلى أن معظم وظائف المستقبل تتطلب مزيجًا من المهارات التقنية والإنسانية. والمؤسسات التي لا تدمج بين هذين البعدين قد تُخرّج طلابًا متفوقين أكاديميًا لكنهم أقل جاهزية من الناحية العملية.
في المقابل، تواجه الجامعات الحكومية تحديات بنيوية معقدة، إذ إن تعديل المناهج غالبًا ما يمر عبر إجراءات بيروقراطية طويلة، ما يبطئ عملية التكيف مع التغيرات.
وفي هذا السياق، يرى جوزيف ستيغليتز (2000) أن المؤسسات العامة تميل إلى حالة من الجمود عند مواجهة ديناميات السوق. وعليه، فإن اتساع الفجوة بين سرعة تطور سوق العمل وبطء استجابة المؤسسات التعليمية يؤدي إلى اتساع المسافة بين التعليم واحتياجات الواقع.
ومن ثم، فإن تفضيلات سوق العمل تجاه خريجي مؤسسات معينة ترتبط بقدرتها على بناء بيئة تعليمية مرنة ومتجاوبة مع متغيرات العصر.
رأس المال الاجتماعي
ترتبط هذه الإشكالية أيضًا ببعد رأس المال الاجتماعي الذي يعمل بشكل بنيوي. ففي إطار نظرية بيير بورديو (1986)، يُنظر إلى التعليم باعتباره مجالًا لإعادة إنتاج رأس المال، ليس فقط من خلال نقل المعرفة، بل أيضًا عبر توزيع الفرص من خلال الشبكات الاجتماعية والثقافية.
وعندما تتحول بعض الجامعات إلى فضاءات تضم فئات اجتماعية متجانسة، كأبناء الطبقة الوسطى العليا، فإنها لا تقتصر على تخريج الطلاب، بل تسهم أيضًا في تشكيل شبكات النفوذ المستقبلية. إذ تتحول علاقات الدراسة إلى شراكات مهنية، وفرص وظيفية، ومنافذ للوصول إلى مواقع استراتيجية.
في هذا السياق، لا يرتبط النجاح بعد التخرج بالقدرات الفردية فقط، بل يتداخل مع البيئة الاجتماعية المحيطة.
وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD، 2019) أن الخلفية الاجتماعية والاقتصادية تظل عاملًا حاسمًا في تحديد فرص العمل ومستويات الدخل، حتى بعد إتمام التعليم العالي. وهذا يشير إلى أن التعليم لم يحقق بعد دوره الكامل كأداة لتحقيق الحراك الاجتماعي العادل.
ولا تقتصر المشكلة على تفاوت الفرص، بل تمتد إلى تفاوت البيئات الحاضنة نفسها. فالمؤسسات التي تمتلك رأس مال اجتماعي مرتفعًا توفر فرصًا أوسع وآليات أسرع لتحقيق النجاح.
وهكذا، تبدو الميريتوقراطية القائمة أقرب إلى “ميريتوقراطية مشروطة بالامتياز”، حيث يظهر النظام عادلًا ظاهريًا، لكنه يعمل داخليًا بصورة غير متكافئة.
وتؤكد تصنيفات QS لقابلية توظيف الخريجين (2022–2024) هذا الاتجاه، إذ تضع مؤشرات مثل سمعة أصحاب العمل، ونجاحات الخريجين، وروابط الصناعة في صميم تقييم جودة الجامعات.
وفي إندونيسيا، تظهر توجهات مماثلة. فقد بيّنت دراسات وزارة التعليم وBPS (2023) أن القطاع العام لا يزال يستوعب نسبة كبيرة من خريجي الجامعات الحكومية، بينما يمنح القطاع الخاص—بما فيه الشركات العالمية والناشئة—وزنًا أكبر للخبرة العملية والجاهزية المهنية.
كما يشير تقرير LinkedIn Economic Graph (2023) إلى أن المسارات المهنية في القطاعات الاستراتيجية تتشكل بشكل متزايد من خلال التدريب العملي، والمشاريع الصناعية، والشبكات المهنية منذ مرحلة الدراسة. ويتوافق ذلك مع طرح أنتوني كارنِفيل (2013) الذي يؤكد أهمية الخبرة العملية في تحديد قيمة التعليم في سوق العمل.
وتُظهر هذه المعطيات نمطًا واضحًا: سوق العمل يميل إلى استقطاب الخريجين الأكثر جاهزية، وهذه الجاهزية تُبنى داخل بيئات تعليمية نشطة ومرتبطة بالواقع.
من التنافس إلى الترابط
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة نموذج التعليم العالي، بحيث ينتقل التركيز من مجرد التنافس بين المؤسسات إلى بناء منظومة أكثر ترابطًا ومرونة وعدالة.
ويُنتظر من الدولة أن تلعب دورًا أكثر فاعلية عبر تبني نموذج “الجامعة الهجينة”، الذي يجمع بين العمق الأكاديمي للجامعات الحكومية ومرونة الجامعات الخاصة المرتبطة بالصناعة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إصلاحات تنظيمية محدودة في المناهج، وتشجيع التدريس المشترك مع الخبراء، وتعزيز برامج التدريب العملي بين الجامعات.
وفي الوقت نفسه، ينبغي توسيع الوصول إلى هذه البيئات التعليمية المتقدمة بشكل أكثر عدالة، بحيث تشمل مختلف الفئات والمناطق. إذ إن غياب هذا التوازن قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التفاوتات بدلًا من معالجتها.
وعلى مستوى المؤسسات، يمكن للجامعات الحكومية تعزيز قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الصناعة دون التفريط في رسالتها الأكاديمية، بينما يتعين على الجامعات الخاصة الحفاظ على التوازن بين التوجه السوقي ودورها في بناء الشخصية والنقد الفكري.
في النهاية، يتحرك التعليم العالي في فضاء يتطلب الجمع بين الكفاءة والعدالة. والتحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا التوازن بما يحفظ للجامعة دورها في بناء الإنسان، إلى جانب إعداد الكفاءات القادرة على الإسهام في سوق العمل.
نُشر هذا المقال في زاوية الرأي بصحيفة ديسواي اليومية، في الصفحة 14، يوم الخميس، أبريل 2026.
الوسم:
أستاذ بجامعة UIN جاكرتا
