أثرُ برنامجِ إعادةِ تأهيلِ المدارسِ على الاقتصادِ المحليّ
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ كرسي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة أساتذة الجامعات الإندونيسية
تُظهر الدراسة الأحدث الصادرة عن معهد LP3ES أن برنامج إحياء المدارس (Revitalisasi Sekolah) أثبت تأثيره الإيجابي على الاقتصاد المحلي، وهو ما يتجلى في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (PDRB) على مستوى الأقاليم. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل المطالب المتزايدة بأن يحقق كل إنفاق من الميزانية العامة للدولة والميزانيات المحلية فوائد مضاعفة، لا تقتصر على البعد الاجتماعي فحسب، بل تشمل أيضًا البعد الاقتصادي.
وفي خضم الجدل الطويل حول فاعلية الإنفاق الحكومي، ولا سيما في قطاع التعليم، يغيب عن النقاش العام في كثير من الأحيان أمرٌ جوهري، وهو أن المدرسة ليست مجرد فضاء للتعلّم، بل يمكن أن تتحول إلى عقدة اقتصادية محلية. فعندما تضخ الحكومة ميزانيات لبناء المدارس، أو ترميمها، أو إعادة تأهيلها، فإن آثار ذلك لا تتوقف عند الجدران التي أُعيد طلاؤها أو الأسقف التي جرى إصلاحها.
بل تمتد هذه الآثار إلى محال بيع مواد البناء، والعمّال والحرفيين، والمقاولين المحليين، وصولًا إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة (UMKM) في محيط المدرسة. وهذه الحالة هي ما يُعرف في علم الاقتصاد بـ أثر المضاعف الاقتصادي.
يسعى هذا المقال إلى قراءة أوسع لمعنى هذه النتائج. فهل يقتصر إحياء المدارس على كونه مشروعًا إنشائيًا؟ أم أنه في حقيقته أداة استراتيجية للسياسة الاقتصادية، ولا سيما على مستوى المناطق؟ وكيف يعمل أثر المضاعف الاقتصادي؟ وما انعكاساته على تصميم السياسات العامة في المستقبل؟
طوال الفترة الماضية، كان إحياء المدارس يُفهم في إطارٍ ضيق بوصفه جهدًا لإصلاح المباني المتضررة، أو إضافة فصول دراسية، أو تحسين المرافق التعليمية. ولا شك أن هذا الفهم صحيح، خصوصًا في ظل وجود العديد من المدارس، ولا سيما في المناطق النائية، التي لا تزال تعاني من أوضاع غير لائقة. غير أن المقاربة التقنية البحتة غالبًا ما تجعلنا نغفل حقيقة أن كل مشروع بنية تحتية تعليمية هو أيضًا مشروع اقتصادي.
فإحياء المدارس ينطوي على سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ من التخطيط، وشراء مواد البناء، وتوظيف الأيدي العاملة، وتوزيع الخدمات اللوجستية، وصولًا إلى الاستهلاك اليومي للعمال. وفي هذا السياق، يتحول الإنفاق الحكومي في قطاع التعليم إلى محفّز مباشر للاقتصاد المحلي.
وقد التقطت دراسة LP3ES هذه الظاهرة بوضوح. فبرنامج إحياء المدارس لا يقتصر على تحسين جودة الخدمات التعليمية، بل يسهم أيضًا في تنشيط الاقتصاد الإقليمي، ولا سيما القطاعات التي تشكّل عماد الاقتصاد الشعبي، مثل متاجر مواد البناء، وخدمات الإنشاءات الصغيرة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الداعمة.
وفي النظرية الاقتصادية، يُشير أثر المضاعف إلى الحالة التي يؤدي فيها إنفاق وحدة واحدة من المال إلى زيادة الدخل القومي أو الإقليمي بمقدار أكبر من قيمة الإنفاق الأصلي. أي أن المال لا يتوقف عند نقطة واحدة، بل يدور ويولّد أنشطة اقتصادية لاحقة.
وفي برنامج إحياء المدارس، يمكن شرح آلية هذا الأثر ببساطة. فعندما تخصص الحكومة ميزانية لتجديد مدرسة، تُصرف هذه الأموال أولًا للمقاولين أو منفذي المشروع. ثم تُستخدم لشراء مواد البناء من المتاجر المحلية، ودفع أجور العمال، واستئجار المعدات، وشراء الخدمات المساندة.
ويقوم العمال الذين يتقاضون الأجور بإنفاق دخولهم على احتياجاتهم اليومية، مثل الغذاء، والنقل، ومتطلبات الأسرة. كما تستفيد المشروعات الصغيرة والمتوسطة في محيط المدرسة من هذا النشاط. وهكذا تتسع دائرة تداول المال، مما يدفع عجلة الاقتصاد المحلي، وينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (PDRB).
وتكمن أهمية نتائج LP3ES في كونها تقدم دليلًا تجريبيًا على صحة هذه النظرية. فقد ثبت أن برنامج إحياء المدارس يرتبط ارتباطًا إيجابيًا بزيادة PDRB على مستوى الأقاليم، ولا سيما في المناطق التي تُشرك الفاعلين الاقتصاديين المحليين والعمالة المحلية في تنفيذ المشاريع.
ولا يعود هذا النمو في PDRB إلى قطاع البناء الرسمي وحده، بل يشمل أيضًا القطاع غير الرسمي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي كثيرًا ما تُهمَّش في حسابات الاقتصاد الكلي. فمتاجر مواد البناء الصغيرة، وصنّاع الأبواب والنوافذ، والحدادون، وباعة الطعام قرب مواقع المشاريع، جميعهم يشكّلون عناصر أساسية في هذا النظام الاقتصادي.
وبعبارة أخرى، يعمل إحياء المدارس بوصفه جسرًا يربط بين السياسة التعليمية والسياسة الاقتصادية الإقليمية. فهو يدمج بين تحسين جودة الموارد البشرية وتعزيز الاقتصاد الشعبي.
وفي العديد من المناطق، لا تمثل المدرسة مركزًا للتعليم فحسب، بل تُعد أيضًا مركزًا للنشاط الاجتماعي والاقتصادي. فوجود المدرسة ينعش محيطها من الباعة، وخدمات النقل، وموردي الأدوات المدرسية، وغيرها من الأنشطة الصغيرة التي تعتمد على الحياة المدرسية.
وعندما تُعاد تأهيل المدارس، يزداد زخم هذه العقدة الاقتصادية. فمرحلة البناء أو الترميم تخلق طلبًا مرتفعًا على السلع والخدمات المحلية، بينما تؤدي جودة المرافق التعليمية بعد اكتمال المشروع إلى تنشيط طويل الأمد، من خلال زيادة أعداد الطلاب والمعلمين وتوسّع الأنشطة المدرسية.
وهذا الأثر طويل الأجل غالبًا ما لا يُؤخذ بالحسبان على نحوٍ جدي، رغم أن المدرسة الجيدة والمريحة لا تعزز جودة التعليم فحسب، بل ترفع أيضًا جاذبية المنطقة كمجال للعيش والنشاط الاقتصادي.
ومن أبرز ما توصلت إليه دراسة LP3ES الأثر الملموس لبرنامج إحياء المدارس على المشروعات الصغيرة والمتوسطة (UMKM). فبدل الاكتفاء بوصفها قطاعًا «متأثرًا إيجابيًا»، تُظهر الدراسة كيف ينعكس هذا الأثر بشكل مباشر.
فمتاجر مواد البناء المحلية تشهد زيادة في مبيعات الإسمنت والرمل والدهانات وغيرها. ويحصل صغار صناع الأثاث على طلبات لتجهيز المقاعد والطاولات. كما تستفيد المطاعم الصغيرة القريبة من مواقع العمل من توافد العمال.
بل حتى خدمات النقل المحلية تشهد ارتفاعًا في الطلب. وبالنسبة للـ UMKM، غالبًا ما يُشكّل مشروع إحياء المدارس مصدر دخل مستقر نسبيًا، خاصة في المناطق ذات النشاط الاقتصادي المحدود. وفي ظل تقلبات الاقتصاد، تعمل هذه البرامج كـ مرساة للاقتصاد المحلي.
ومن الانتقادات الموجّهة لسياسات التنمية في السابق ميلها إلى التمركز في المدن الكبرى، حيث تُبنى بنى تحتية ضخمة دون أن تتوزع فوائدها بشكل عادل. وفي هذا السياق، يتمتع برنامج إحياء المدارس بميزة استراتيجية، إذ إنه ينتشر حتى المناطق النائية. فكل قرية تقريبًا تضم مدرسة، ما يعني أن هذا البرنامج يمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى المناطق التي طالما غابت عن تدفقات الاستثمار. وبالتالي، يصبح أثره المضاعف أكثر شمولًا.
وتعزز نتائج LP3ES الحجة القائلة بأن الإنفاق على البنية التحتية التعليمية يمكن أن يكون أداة فعّالة لتحقيق العدالة الاقتصادية. فهو لا يحسّن جودة التعليم في المناطق المتأخرة فحسب، بل يُحرّك أيضًا عجلة الاقتصاد المحلي.
ومع ذلك، فإن تحقق أثر المضاعف ليس أمرًا تلقائيًا، بل يتطلب توفر عدة شروط. أولها إشراك الفاعلين المحليين؛ إذ إن تنفيذ المشاريع بواسطة مقاولين كبار من خارج المنطقة يؤدي إلى تسرب جزء كبير من الأموال إلى خارجها. وثانيها الشفافية وحسن الحوكمة، حتى لا تتحول البرامج إلى بؤر فساد أو مشاريع رديئة الجودة. أما الشرط الثالث فهو استدامة البرنامج، لأن الأثر الاقتصادي يكون أقوى عندما يتم إحياء المدارس بصورة مخططة ومستدامة، لا متقطعة وردّ فعلية.
وعلى صعيد السياسات الوطنية، ينبغي أن تشكّل نتائج LP3ES مادة مهمة للتأمل. فغالبًا ما يُوضع الإنفاق على التعليم في مواجهة الإنفاق الاقتصادي، وكأنهما مجالان متعارضان، في حين يبيّن إحياء المدارس أن السياسة التعليمية يمكن أن تكون في الوقت نفسه سياسة اقتصادية.
وفي ظل الضغوط المالية ومطالب كفاءة الإنفاق، يصبح من الضروري إعطاء الأولوية للبرامج ذات الفوائد المتعددة. ويُعد إحياء المدارس نموذجًا واضحًا لذلك، إذ يجمع بين تحسين جودة التعليم، وخلق فرص العمل، وتنشيط المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة PDRB الإقليمي.
ومن ثم، لا ينبغي أن تُقاس نجاحات برنامج إحياء المدارس بعدد المباني التي أُعيد تأهيلها فحسب، بل يجب اعتماد مؤشرات أشمل، تشمل الأثر الاقتصادي المحلي ومساهمته في PDRB.
لقد فتحت دراسة LP3ES الطريق أمام هذا التوجه، ويبقى التحدي في كيفية تحويل هذه النتائج إلى أساس عملي لتحسين السياسات العامة. فبالمعطيات والتحليلات الدقيقة، يمكن تصميم إحياء المدارس بوصفه برنامج تنمية متكاملًا، لا مجرد مشروع إنشائي.
ويعلّمنا إحياء المدارس حقيقة أساسية، وهي أن الاستثمار في التعليم لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. فنتائج LP3ES حول تأثير إحياء المدارس على PDRB من خلال نمو الاقتصاد المحلي تؤكد أن المدرسة تمثل أصلًا استراتيجيًا للتنمية.
فعندما تُرمَّم الفصول الدراسية، يتحرك الاقتصاد المحلي. وعندما تتحسن جودة المدارس، تنمو آمال المستقبل. وفي هذا الإطار، لا يقتصر قياس أثر المضاعف لإحياء المدارس على الأرقام والإحصاءات، بل يتعلق بكيفية عمل السياسات العامة بصورة شاملة لتعزيز التعليم وإحياء الاقتصاد الشعبي معًا.
وإذا أُدير هذا البرنامج على نحوٍ سليم، فلن يقتصر أثره على إعداد أجيال متعلمة فحسب، بل سيسهم أيضًا في بناء أساس اقتصادي أكثر عدلًا واستدامة.
