الوعظ بالكلمة المنطوقة

الوعظ بالكلمة المنطوقة

 

أ. د. الحاج نصر الدين عمر، ماجستير
(
أستاذ علم التفسير ببرنامج كلية أصول الدين في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بباكارتا،
وزير الشؤون الدينية لجمهورية إندونيسيا)

RM.id  رعايات ميرديكا - في مسار تاريخ الدعوة، تُعرف ثلاثة أشكال من الدعوة، وهي: الدعوة باللسان (الدعوة بلسان المقال)، والدعوة بالعمل والموقف (الدعوة بلسان الحال)، والدعوة بالقوة الباطنية (الدعوة بلسان الاستعداد). وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هذه النماذج الثلاثة كقدوة لنا. وفي أوساط المجتمع، يُعدّ النموذج الأول هو الأكثر شيوعًا وانتشارًا.

الدعوة بلسان المقال هي الدعوة التي يلقيها المبلغ شفهيًا من خلال المواعظ والدروس أمام الأمة. ولهذا النموذج من الدعوة مزايا وعيوب بالتأكيد.

فمن مزاياه، أنه يتيح للحاضرين إمكانية السؤال مباشرة عما لم يفهموه أو تقديم الملاحظات والتعقيبات للمبلغ. فضلاً عن ذلك، فإن الصلة بين المبلغ والجماعة تتوطد وتصبح أكثر قربًا، بحيث لا تقتصر المادة الدعوية على الطرح من طرف واحد، بل يمكن مناقشتها معًا. وتعتمد الخطب والمواعظ في مختلف مجالس التعليم عمومًا على هذا الأسلوب.

وميزة أخرى للدعوة الشفهية هي وجود مساحة للحوار بين المبلغ والجماعة حول الموضوع المراد مناقشته؛ فيمكن لأعضاء مجلس التعليم أن يطلبوا البدء من المستويات الأساسية، أو المتوسطة، أو المتقدمة وفقًا لاحتياجاتهم.

ويكون من الأفضل إذا قام المبلغ منذ البداية بإعداد المادة الدعوية على شكل حزم تعليمية متكاملة. على سبيل المثال، يتم تناول موضوع واحد بشكل عميق على مدى شهر أو شهرين بواسطة المبلغ نفسه. وبعد الانتهاء من حزمة معينة، يمكن الانتقال إلى الحزمة التالية، سواء أكان ذلك بواسطة المبلغ نفسه أم بمبلغ آخر.

وبهذه الطريقة، ستتوسع الآفاق الإسلامية للجماعة بشكل أكثر منهجية وشمولية. كما سيسهل على إداريي مجالس التعليم أو القائمين على المساجد ضبط المواد التي يقدمها كل مبلغ ومراقبتها.

ويزداد الأمر حسناً إذا قام المبلغ بتلخيص مواد تلك الحزمة في مذكرة مختصرة (handout)، وإن أمكن، إرفاقها بستجيل صوتي (voice recording). وبذلك، يستطيع المشاركون الذين تعذر عليهم حضور إحدى الجلسات مراجعة المادة التي أُلقيت، سواء من خلال المذكرة أم عبر إعادة تشغيل التسجيل الصوتي. كما تُسهّل هذه الطريقة على أفراد الجماعة الذين لديهم ضيق في الوقت الاستماع إلى التسجيلات، كأن يكون ذلك أثناء السفر أو في ازدحام المرور. بل إنه إذا نُشرت هذه المواد عبر موقع إلكتروني خاص، فسوف يتسع نطاق الدعوة بشكل أكبر لتصل إلى مختلف أرجاء العالم.

أما من عيوب الدعوة الشفهية، فهي أنها في كثير من الأحيان تلامس الجانب المعرفي فقط، دون أن تصل إلى الواقع الفعلي للمشكلات التي تواجهها الأمة في حياتها اليومية.

إن الذكاء والفطنة لا يتناسبان دائمًا طرديًا مع القدرة على تطبيق التعاليم الدينية في الحياة المجتمعية. بل إن هذا الوضع قد يؤدي إلى ظهور ما يسمى " بالأنا الروحية" (Ego Spiritual)، وهي الميل إلى الاكتفاء بالفهم الفكري للدين دون دافع للمعاينة والمشاركة المباشرة في الواقع الاجتماعي.

فقد يفهم المرء مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه لا يزال غير قادر على تطبيقه في أرض الواقع. ويحدث هذا لكثرة ما يستمع، مع قلة ما يشاهده ويفهمه من الواقع الفعلي الذي يعيشه المجتمع.

ومن العيوب الأخرى لهذا النموذج الدعوي، ميله إلى توليد تقديس العلماء. فالاحترام الذي يكنه الجمهور للعلماء أو المرشدين الروحيين قد يتطور أحيانًا بشكل مفرط، حتى يخيل إليهم أنه لم يعد هناك أستاذ أو عالم آخر يمتلك كفاءة علمية موازية أو أفضل. ونتيجة لذلك، يزداد مستوى اعتماد الجماعة على شخصية ذلك الأستاذ؛ وعندما يتعثر ذلك العالم المعظم في مشكلة أو قضية ما، فإن الوعي الديني الذي بُني في نفوس بعض أفراد الجماعة قد يتهدد ويهتز.

نُشر هذا المقال في جريدة راقيات ميرديكا المطبوعة، الصفحة 1 و6، عدد يوم الأربعاء، 5 أغسطس 2026م، تحت عنوان: "اتجاهات مستقبل الأمة (10) الدعوة بلسان المقال"