النمو الخالي من فرص العمل والحلول الاقتصادية الإسلامية

النمو الخالي من فرص العمل والحلول الاقتصادية الإسلامية

محمد نور ريانتو العريف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين
عضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاديين الإسلاميين (IAEI)
عضو الهيئة الإدارية للجمعية الاقتصادية الإندونيسية (ISEI) فرع جاكرتا
موجه معهد التطوير الاقتصادي للأمة التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)

في خضم الأنباء المتفائلة المتنوعة بشأن الاقتصاد الوطني، تواجه إندونيسيا في الواقع مفارقة لا يمكن تجاهلها. لا يزال النمو الاقتصادي مستقرًا عند حدود 5 في المائة، والتضخم تحت السيطرة نسبيًا، والاستثمارات مستمرة في التدفق، والمشاريع الاستراتيجية الوطنية المختلفة تسير على قدم وساق. على الورق، تعطي هذه المؤشرات الاقتصادية الكلية انطباعًا بأن الاقتصاد يسير في مسار إيجابي.

ومع ذلك، إذا نظرنا بعمق أكبر إلى واقع المجتمع، فإن الصورة التي تظهر تبدو مختلفة تمامًا. فالنمو الاقتصادي لم يتمكن بعد بشكل كامل من خلق فرص عمل عالية الجودة. صحيح أن فرص العمل قد تزايدت، ولكن معظمها يتركز في القطاع غير الرسمي الذي يتميز بإنتاجية منخفضة ومستويات دخل متدنية. هذه الظاهرة هي ما يُعرف بـ النمو بلا وظائف (jobless growth)، وهي الحالة التي لا يتبع فيها النمو الاقتصادي خلق فرص عمل كافية وملائمة.

وتشير بيانات الهيئة المركزية للإحصاء (BPS) إلى أنه في فبراير 2026، بلغ حجم القوة العاملة في إندونيسيا 154.91 مليون شخص. ومن بين هذا العدد، هناك نحو 147.67 مليون شخص يعملون، في حين لا يزال 7.24 مليون شخص عاطلين عن العمل، ليسجل معدل البطالة المفتوحة (TPT) نحو 4.68 في المائة.

وفي الوقت نفسه، بلغ متوسط أجور العمال في إندونيسيا قرابة 3.29 مليون روبية شهريًا فقط. ويظهر هذا الرقم أن مشكلة سوق العمل في إندونيسيا لم تعد تتعلق بمجرد عدد الوظائف المتاحة، بل ترتبط بجودة هذه الوظائف ومستوى الرفاهية التي تحققها.

وما يعزز هذه الظاهرة هو النسبة الكبيرة للعاملين في القطاع غير الرسمي. حيث تشير بيانات الهيئة المركزية للإحصاء إلى أن أكثر من نصف القوة العاملة الإندونيسية لا تزال تعمل في القطاع غير الرسمي، والذي يتسم عمومًا بإنتاجية منخفضة، ودخل غير مستقر، وحماية اجتماعية محدودة، فضلاً عن كونه عرضة للصدمات الاقتصادية.

ولا عجب إذن أن تظهر ظاهرة الفقراء العاملين (working poor)، وهم أفراد يعملون يوميًا بجد، لكن دخلهم لا يكفي لانتشالهم وتوفير حياة أكثر رغدًا ورفاهية لهم.

تظهر هذه المفارقة أن النمو الاقتصادي المحقق لم يكن بالجودة المطلوبة بالكامل. فالنمو لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل توسيع فرص العمل، ورفع إنتاجية القوة العاملة، وتحسين توزيع الدخل. وعندما تتركز ثمار النمو في فئات أو قطاعات معينة فقط، يفقد النمو معناه وقيمته الاجتماعية.

ولا يمكن فصل جذور مشكلة النمو بلا وظائف في إندونيسيا عن التغيرات الهيكلية التي طرأت على الاقتصاد الوطني. ففي السنوات الأخيرة، تدفقت الاستثمارات بشكل أكبر نحو القطاعات الكثيفة رأس المال مثل التعدين، والصناعات التحويلية للمعادن (Hilirisasi)، ومصانع صهر المعادن (Smelter)، ومراكز البيانات (Data Center)، ومختلف القطاعات القائمة على التكنولوجيا المتقدمة. ورغم قدرة هذه القطاعات على زيادة القيمة المضافة للاقتصاد والصادرات، إلا أن قدرتها الاستيعابية للأيدي العاملة تظل محدودة لاعتمادها الكبير على التكنولوجيا والأتمتة.

وفي المقابل، شهد قطاع الصناعات التحويلية (المانيفاكتشر) -الذي ظل لعقود المحرك الأساسي لخلق فرص العمل- تباطؤًا ملحوظًا. حيث استمرت مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي في التراجع مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين من الزمن.

رغم أن تجارب دول شرق آسيا تبين أن التصنيع هو الركيزة الأساسية لخلق وظائف عالية الجودة، ورفع مستوى الإنتاجية، والخروج بالدولة من فخ الدخل المتوسط (middle-income trap).

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في حدوث فجوة المهارات وعدم ملاءمتها لمتطلبات السوق (mismatch skill). فالمنظومة التعليمية لم تتمكن بعد من تأهيل خريجين يلبون احتياجات القطاع الصناعي بشكل كامل. وتواجه العديد من الشركات صعوبة في الحصول على عمالة تتمتع بالمهارات المطلوبة، في الوقت الذي يجد فيه ملايين الخريجين الجدد صعوبة بالغة في دخول سوق العمل. وتتفاقم هذه الأزمة مع تطور الذكاء الاصطناعي والأتمتة التي بدأت تحل محل العديد من الوظائف الروتينية في قطاعي الصناعة والخدمات.

ونتيجة لذلك، لم يعد للنمو الاقتصادي مرونة عالية في توليد فرص عمل جديدة. فأصبح كل ارتفاع بنسبة 1% في النمو الاقتصادي ينتج عنه زيادة أقل بكثير في فرص العمل مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقدين أو ثلاثة عقود.

في منظور الاقتصاد التقليدي، يتم التعامل مع هذه الظروف عادةً عبر زيادة الاستثمارات، أو تحرير سوق العمل، أو تقديم حوافز مالية وضريبية متنوعة. ورغم أهمية هذه الخطوات، إلا أنها غالبًا لا تلامس جوهر المشكلة، المتمثل في كيفية ضمان أن يترجم النمو الاقتصادي إلى منفعة حقيقية وملموسة لعامة المجتمع.

وهنا يقدم الاقتصاد الإسلامي رؤية مغايرة. ففي الاقتصاد الإسلامي، لا يمثل النمو غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ولذلك، لا يُقاس نجاح التنمية فقط بارتفاع أرقام الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بمدى توفر فرص العمل، وتراجع معدلات الفقر، وتقليص الفوارق الطبقية، وتحقيق رفاهية المجتمع.

ينظر الإسلام إلى العمل بوصفه نشاطًا يحمل بعدًا اقتصاديًا وروحيًا في آن واحد. وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده. وبناءً على ذلك، فإن توفير فرص العمل يعد جزءًا لا يتجزأ من الحفاظ على كرامة الإنسان.

ويتمثل الحل الأول الذي يقدمه الاقتصاد الإسلامي في دعم وتعزيز القطاع الحقيقي، ولا سيما المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM). ففي الوقت الحالي، تمثل هذه المشاريع أكثر من 99% من قطاع الأعمال في إندونيسيا، وتستوعب نحو 97% من القوة العاملة الوطنية.

لذا، ينبغي توجيه السياسات الاقتصادية نحو تيسير الحصول على التمويل، ورفع القدرة الإنتاجية، وتعزيز التحول الرقمي، وتوسيع منافذ الوصول إلى الأسواق لهذه المشاريع. إن نمو قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة سيولد أثرًا أكبر بكثير في خلق فرص العمل مقارنة بالاستثمارات التي تركز حصريًا على القطاعات كثيفة رأس المال.

ثانيًا، يتعين على النظام المالي الإسلامي أن يؤدي دورًا أكثر فاعلية من خلال التمويل القائم على مبدأ المشاركة في الأرباح والخسائر، مثل *المضاربة* و*المشاركة*. وتتيح هذه الصيغ للمؤسسات المالية تقاسم المخاطر مع أصحاب المشاريع، مما يحفز نشوء مشاريع إنتاجية قادرة على توليد فرص عمل مستدامة، بحيث لا يقتصر التوجه التمويلي على طلب الضمانات العينية والأصول، بل يركز على جدوى المشروع وإنتاجيته الاقتصادية.

ثالثًا، يجب أن يكون تفعيل أدوات الزكاة، والإنفاق، والصدقة، والأوقاف الإنتاجية جزءًا محوريًا من استراتيجية التنمية. إذ تُقدر الإمكانات الوطنية للزكاة بمئات التريليونات من الروبيات سنويًا، في حين تعد الأصول الوقفية في إندونيسيا من بين الأكبر عالميًا.

ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من هذه الأموال الاجتماعية لا يزال يُوجه للمصارف الاستهلاكية. وإذا ما تمت إدارتها بشكل إنتاجي كأرأس أموال للمشاريع، وبرامج تدريب وتأهيل المهارات، وحاضنات الأعمال، وتمويل المشاريع المتناهية الصغر، فإن هذه الأدوات يمكن أن تتحول إلى محرك قوي للتمكين الاقتصادي للفقراء.

رابعًا، تحتاج إندونيسيا إلى تعزيز بيئة ريادة الأعمال القائمة على الأسس والمبادئ الشريعة. فالإسلام يحث بقوة على إعداد رواد أعمال مبتكرين، ومنتجين، وصادقين، ومهتمين بالمنفعة الاجتماعية. وكلما نمت ريادة الأعمال، اتسعت آفاق خلق فرص عمل جديدة. ولذا، يتوجب دمج تعليم ريادة الأعمال وتعميقه بدءًا من المدارس والجامعات وصولاً إلى المعاهد الإسلامية التقليدية (المدارس الداخلية/الpesantren).

خامسًا، يجب أن تتوجه التنمية الاقتصادية بصورة أكبر نحو تحقيق التوازن الجغرافي والمكاني. فالتركيز المفرط للأنشطة الاقتصادية في المدن الكبرى يؤدي إلى تفاوت في فرص العمل بين المناطق. ويمثل تطوير المناطق الصناعية الإقليمية، وتحديث القطاع الزراعي، وتحويل المنتجات الغذائية وصناعاتها، وتطوير قطاع الحلال، والاقتصاد الإبداعي، ودعم التعاونيات المشتركة المبنية على الشريعة، مصادر جديدة لنمو أكثر شمولاً واتساعًا.

في نهاية المطاف، فإن ظاهرة النمو بلا وظائف هي جرس إنذار يذكرنا بأن مجرد تحقيق النمو الاقتصادي ليس كافيًا. تحتاج إندونيسيا لنمو قادر على خلق وظائف لائقة، ورفع معدلات الإنتاجية، وبسط مظلة الرفاهية للمجتمع كافة. ولا ينبغي قياس نجاح التنمية بقيمة الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل بمدى تمكن أفراد المجتمع من العمل بكرامة والحصول على سبل العيش اللائقة.

يقدم الاقتصاد الإسلامي نموذجًا تنمويًا أكثر إنسانية وعدالة، حيث يسير النمو الاقتصادي جنبًا إلى جنب مع العدالة في التوزيع، والتمكين، وخلق فرص العمل. وعندما تُوجه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية المستوعبة للعمالة، ويُعزز التمويل الإسلامي، وتُستغل الزكاة والأوقاف الإنتاجية على الوجه الأمثل، وتُنمى روح ريادة الأعمال، فلن يصبح النمو الاقتصادي بعد اليوم نموًا بلا وظائف.

بل على العكس، سيكون النمو أداة حقيقية لتحقيق الرفاهية والرخاء الذي يلمسه كافة أفراد المجتمع بجميع فئاته وطبقاته. وتلك هي حقيقة التنمية التي لا تكتفي بإنتاج الأرقام والمؤشرات، بل تجلب العدالة والرخاء والخير للجميع.   

نُشر هذا المقال في قسم الرأي بصحيفة CNBC Indonesia يوم الأحد، 12 يوليو 2026.