المؤسسات التعليمية الدينية الحكومية في مفترق طرق: السعي نحو الجامعات العالمية أم الحفاظ على أمانة الأمة؟

المؤسسات التعليمية الدينية الحكومية في مفترق طرق: السعي نحو الجامعات العالمية أم الحفاظ على أمانة الأمة؟

الأستاذة الدكتورة أويس أماليا، الماجستير
(أستاذة في مجال الاقتصاد الإسلامي بكلية الاقتصاد والأعمال بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، رئيسة لجنة التعليم والتدريس بمجلس الشيوخ في الجامعة نفسها، وخريجة برنامج التعليم في المعهد الوطني للمرونة «ليمهاناس» برنامج P3N دفعة 2025).

تشهد الجامعات الإسلامية الحكومية في إندونيسيا مفارقة واضحة. فمن جهة، يتزايد الضغط لتصبح جامعات ذات مستوى عالمي، ومن جهة أخرى، لا يمكنها التنصل من عبئها التاريخي كمؤسسات تعليمية نشأت من رسالة رعاية المجتمع، الذي ينتمي معظمه إلى الطبقة المتوسطة والدنيا. هذا التوتر يشكّل الإطار الأساسي عند مناقشة تحول عدد من الجامعات الإسلامية الحكومية من وضع «هيئة الخدمات العامة» (BLU) إلى «جامعة حكومية ذات شخصية اعتبارية مستقلة» (PTNBH).

فجوة واضحة
تتجلى هذه الفجوة بوضوح في خريطة الجامعات الحكومية ذات الشخصية الاعتبارية في إندونيسيا. فحتى أغسطس 2024، بلغ عددها 24 جامعة، بعد انضمام جامعتي جاكرتا الحكومية وسريويجايا رسميًا بموجب اللائحتين الحكوميتين رقم 31 و32 لسنة 2024، وجميعها تحت إشراف وزارة التعليم. أما تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية، فلا توجد سوى جامعة إسلامية واحدة تحمل هذا الوضع، وهي الجامعة الإسلامية الدولية الإندونيسية (UIII)، والتي أُنشئت منذ البداية بهذا الشكل بموجب المرسوم الرئاسي رقم 57 لسنة 2016، وليس عبر عملية تحول. وهذا يعني أنه حتى الآن لم تتحول أي جامعة إسلامية حكومية من نظام BLU إلى PTNBH.

فرص حقيقية متاحة
تدفع وزارة الشؤون الدينية حاليًا ثلاث جامعات إسلامية نحو هذا التحول: جامعة شريف هداية الله جاكرتا، وجامعة سونان كاليجاغا يوجياكارتا، وجامعة مولانا مالك إبراهيم مالانغ. يفتح هذا التحول فرصًا هيكلية كبيرة، إذ يمنح الجامعات استقلالية واسعة في إدارة الشؤون المالية والأكاديمية وغير الأكاديمية، بما في ذلك المرونة في عقد الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية. إضافة إلى ذلك، يتيح هذا الوضع الوصول إلى «صندوق الوقف الجامعي» الذي يمكن استخدامه لدعم البحث العلمي والندوات الدولية وتعزيز البيئة الأكاديمية نحو المستوى العالمي. ولا تقتصر هذه الفرصة على الجانب الإداري، بل تمتد إلى الطموح الأكاديمي؛ ففي تصنيف QS العالمي للتخصصات لعام 2025، لم تدخل ضمن فئة الدراسات الدينية سوى ثلاث جامعات إندونيسية: جامعة غادجاه مادا (المرتبة 51–100)، وجامعة شريف هداية الله (101–150)، وجامعة إندونيسيا (101–150). أما في تصنيف QS لآسيا لعام 2026، فقد احتلت جامعة جاكرتا الإسلامية المرتبة 801–850، وكانت الأفضل على مستوى الجامعات الإسلامية الحكومية، مما يدل على توفر رأس المال الأكاديمي، والحاجة فقط إلى بيئة مؤسسية داعمة، وهو ما يمثله نظام PTNBH كعامل تمكين استراتيجي.

تحديات متعددة
مع ذلك، لا يخلو هذا التحول من تحديات، أبرزها اثنان: أولًا، التحدي المالي والإداري؛ إذ يتطلب نظام PTNBH استقلالًا ماليًا ومسؤولية مالية عالية، إلى جانب إعادة تنظيم الأصول، بما في ذلك استعادة الأصول الحكومية التي تديرها أطراف أخرى. ثانيًا، التهديد المحتمل للشمولية والرسالة الاجتماعية؛ فقد أظهرت تجربة الجامعات ذات الشخصية الاعتبارية ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف التعليم، مما قد يحد من وصول الطلاب ذوي الدخل المحدود. وهذا الخطر أكثر حساسية بالنسبة للجامعات الإسلامية، التي لا تُعد مجرد مؤسسات تعليمية، بل رمزًا لالتزام الدولة بالتعليم الإسلامي الشامل. فإذا فقدت القدرة على الوصول، فإنها لا تفقد طلابها فقط، بل تفقد أيضًا مشروعيتها الاجتماعية. وهنا يكمن جوهر المعضلة: بين السعي نحو العالمية والحفاظ على الرسالة المجتمعية.

استراتيجية تحول مستدام
لضمان نجاح هذا التحول، لا بد من خارطة طريق واقعية قائمة على ثمانية محاور: تنويع مصادر الدخل عبر تطوير قطاعات مثل الاقتصاد الحلال، والتعليم الإسلامي الدولي، وأموال الزكاة والوقف، والمنصات الرقمية؛ حماية قوية لرسوم التعليم لضمان وصول 20–30% من الطلاب ذوي الدخل المحدود عبر الدعم والزكاة والوقف؛ تعزيز البحث متعدد التخصصات بدمج العلوم الإسلامية مع العلوم الحديثة والاجتماعية؛ إرساء حوكمة شفافة قائمة على النظم الرقمية؛ بناء خطاب تحولي شامل يضم جميع الأطراف المعنية؛ تعزيز الإطار التنظيمي من قبل وزارة الشؤون الدينية؛ الاستثمار في الموارد البشرية والأنظمة، بما يشمل التدريب والتوظيف والتكنولوجيا؛ وتعزيز التعاون بين الجامعات الإسلامية لتبادل الخبرات والنماذج الناجحة.

الخاتمة: بين الطموح والأمانة
إن تحول الجامعات الإسلامية إلى نظام PTNBH خطوة لا يمكن تأجيلها، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتم بتسرع. فهي تتطلب شجاعة للتغيير، وحكمة للحفاظ على الهوية. وليست الجامعة العالمية بالنسبة لهذه المؤسسات مجرد ترتيب دولي، بل هي قدرتها على إنتاج فكر إسلامي يسهم في الحضارة، مع بقائها منارة أمل لأبناء الوطن من مختلف الفئات.

نُشر هذا المقال في موقع rajamedia.co يوم الثلاثاء (20/4/2026).

العلامات :