المؤتمر الـ35 والطريق الثالث لمئة عام من الـ NU
فتح الدين كاليماس
(أكاديمي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا، ورئيس منظمة "لاكبسدام" التابعة لجمعية نهضة العلماء في مدينة ديبوك)
مائة عام ليست فترة قصيرة في عمر أي منظمة؛ فهي ليست مجرد رقم، بل هي صورة لقدرة المنظمة على الصمود في وجه تغيرات الزمان. لقد مرت "نهضة العلماء" (NU) بفترات الاستعمار، وثورة الاستقلال، وتغير الأنظمة السياسية، والتحولات الاجتماعية، وصولًا إلى موجة الرقمنة التي غيرت تقريبًا كل جوانب الحياة البشرية. وفي خضم هذه الرحلة الطويلة، لم تكتفِ نهضة العلماء بالبقاء فحسب، بل نمت لتصبح واحدة من أكبر المنظمات الإسلامية وأكثرها تأثيرًا في العالم.
ومع ذلك، ومع دخولها المائة عام، تواجه نهضة العلماء توترات داخلية تستحوذ على اهتمام الجمهور. إن تباين وجهات النظر بين النخب، والاختلاف حول مسار المنظمة، وظهور الاحتكاكات في الفضاء العام، يظهر أن الطريق نحو القرن الثاني لن يكون مفروشًا بالورود كما كان يُتصور. يرى البعض هذه الحالة كعرض لتراجع المنظمة، بينما يعتبرها آخرون ديناميكية طبيعية داخل جسم منظمة كبيرة.
وبغض النظر عن هذه التقييمات، هناك شيء واحد واضح: نهضة العلماء تحتاج إلى طرق جديدة لإدارة النزاعات حتى لا تتحول إلى طريق مسدود طويل الأمد للمنظمة.
اعتبار النزاع واقعًا متأصلًا
من منظور نظرية المنظمات، النزاع ليس في الواقع شيئًا شاذًا. يوضح لويس كوزر في كتابه "وظائف النزاع الاجتماعي" أن النزاع جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية. بل في ظروف معينة، للنزاع وظيفة إيجابية لأنه يسمح للمنظمة بإجراء التصحيحات والتكيف والتجديد. فالمنظمة الخالية تمامًا من النزاعات غالبًا ما تفقد قدرتها النقدية وقدرتها على التحول.
لذلك، فإن وجود النزاع داخل جسد نهضة العلماء لا ينبغي فهمه كعلامة على الفشل. على العكس من ذلك، النزاع هو نتيجة منطقية لحجم نهضة العلماء كمنظمة.
باعتبارها "جمعية" تضم الملايين من المواطنين، وآلاف المعاهد الإسلامية (البيسانترين)، ومجموعات مهنية متنوعة، وشبكات أكاديمية، ونشطاء اجتماعيين، ورجال أعمال، وسياسيين، فإن نهضة العلماء تصبح طبيعيًا مساحة لالتقاء المصالح والتطلعات المختلفة. في منظمة بهذا الحجم، يكاد يكون من المستحيل تجنب تباين وجهات النظر.
علاوة على ذلك، ألم تُبنَ المعاهد الإسلامية منذ البداية على تقاليد غير قائمة على التنميط؟ إن كتب الفقه التي تُدرَّس في بيئة نهضة العلماء تقدم للطلاب آراء متنوعة للعلماء. ولا يُنظر إلى الاختلاف كتهديد للحقيقة، بل كجزء من عملية البحث عن الحقيقة نفسها. لذلك، فإن النزاع الصحي له جذور قوية في التقاليد الفكرية لنهضة العلماء.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في وجود النزاع أو عدمه، بل في كيفية إدارته. عندما يتحول اختلاف الأفكار إلى صراع على الشرعية، أو عندما يُفهم النقد كتهديد، أو عندما يُقاس الولاء للمنظمة بناءً على القرب من مجموعة معينة، يفقد النزاع وظيفته البناءة. عند هذه النقطة، تصبح المنظمة عرضة للجمود.
إن حالة الجمود التي ظهرت في ديناميكيات نهضة العلماء مؤخرًا تظهر ميلًا لرؤية القضايا بشكل ثنائي. فكثيرًا ما يتم اختزال واقع المنظمة في معسكرين متقابلين: المؤيدون والمعارضون، الهيكليون والثقافيون، المركز والأطراف، الكبار والشباب. هذه الطريقة في الرؤية تسهل تحديد المواقع، لكنها في الوقت نفسه تبسط القضايا التي هي في الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
والنتيجة أن مساحة الحوار تضيق ببطء؛ فكل نقد يُعتبر شكلًا من أشكال المقاومة، وكل اختلاف يُقرأ كتهديد للوحدة.
في مثل هذه الحالة، تميل المنظمة إلى الوقوع في منطق "الرابح والخاسر". والطاقة التي كان ينبغي استغلالها لتعزيز خدمة الأمة، وتحسين جودة التعليم، أو صياغة استجابات لتحديات العصر، تُستهلك في الحفاظ على المواقع والهويات الجماعية.
باستعارة مصطلح شانتال موف، تجد نهضة العلماء نفسها في موقف حاسم حيث ينتقل الاختلاف من ساحة "النزاع التنافسي" (Agonistic) إلى ساحة "العداء" (Antagonistic). وعندما يحدث ذلك، لا يعود النزاع وسيلة لإصلاح المنظمة، بل يتحول إلى مصدر للتشظي، وسماد للنخبوية، وتضخم للتعصب الجماعي.
السعي نحو "الطريق الثالث"
هنا تبرز أهمية تقديم "الطريق الثالث". الطريق الثالث لا يعني اتخاذ موقف حيادي سلبي أو تجنب اتخاذ المواقف. كما أنه ليس مجرد تسوية براغماتية تقسم مساحة السلطة لكي يشعر الجميع بالرضا. الطريق الثالث هو محاولة لتحويل تركيز الجدل من سؤال "من على حق؟" إلى سؤال أكثر أهمية، وهو "ما هو الأفضل للمنظمة وللأمة؟".
يدعو الطريق الثالث جميع عناصر نهضة العلماء إلى تجاوز منطق المعسكرات، ويضع مصلحة الجمعية فوق مصلحة المجموعة. في هذا الإطار، لا يُفهم النقد كتهديد، بل كجزء من آلية التصحيح. وعلى العكس، لا يُنظر إلى سلطة المنظمة كأداة لإسكات الاختلاف، بل كأداة للحفاظ على النظام والمسار المشترك.
إن فكرة الطريق الثالث ليست غريبة على نهضة العلماء؛ فتقاليدها الفكرية والدينية بُنيت منذ البداية على مبادئ الاعتدال التي ترفض التطرف.
فـ "التوسط" يعلم المواقف الوسطية المتوازنة، و"التوازن" يؤكد على التوازن في رؤية القضايا، و"التسامح" يعلم احترام الاختلاف، بينما يتطلب "الاعتدال" الالتزام بالعدالة والموضوعية.
هذه القيم ليست مجرد عقائد دينية، بل هي مبادئ تنظيمية. لقد صمدت نهضة العلماء لقرن من الزمان ليس لأنها نجحت في القضاء على النزاع، بل لأنها تمتلك ثقافة تسمح بإدارة النزاع دون تدمير المنظمة.
إن تقاليد التشاور (المشورة)، والبحث المسائل (البحث الفقهي الجماعي)، واحترام الاختلاف، والاعتراف بالسلطة العلمية، هي آليات اجتماعية كانت دائمًا بمثابة الغراء الذي يربط "الجمعية". وهنا تصبح مرونة نهضة العلماء ذات أهمية كبيرة.
تاريخ نهضة العلماء يظهر أيضًا أن المنظمة تجد دائمًا مخرجًا عندما تغلب الحكمة المؤسسية على انتصار المجموعات. فكثير من النقاشات الكبرى التي حدثت في جسد نهضة العلماء تم تجاوزها لأن الأطراف الفاعلة وضعت مستقبل المنظمة كهدف أسمى. إن الوعي بأن نهضة العلماء أكبر من أي فرد أو مجموعة معينة هو الأساس الذي يحافظ على استمرارية المنظمة.
تحديات القرن الثاني تتطلب الحكمة ذاتها. ففي ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة، وتنافس الخطاب المفتوح، وضغوط الجمهور المتزايدة، تحتاج نهضة العلماء إلى مساحة حوار صحية وآليات تنظيمية قادرة على استيعاب الاختلاف دون فقدان البوصلة. فالوحدة لا تعني بالضرورة التنميط، والاختلاف لا يجب أن يؤدي إلى التفكك.
إذًا، كيف يجب السعي نحو هذا الطريق الثالث؟ بالطبع من خلال تقييم الأهمية وعدم الأهمية، والصلة وعدم الصلة في آن واحد. يجب أن تكون هناك شجاعة لبتر الأجزاء الفرعية في جسد المنظمة التي أصبحت عاجزة بشكل موضوعي وعقلاني. كما يجب أن تكون هناك شجاعة لتقديم شخصيات قيادية جديدة تتمتع بالمصداقية والكفاءة، أيديولوجيًا واجتماعيًا وسياسيًا، من خارج المجموعات المتصارعة.
كما أن جوانب أخرى، مثل إعادة "مجلس الشورى" كساحة للمداولات الاستراتيجية، وتوسيع مشاركة جيل الشباب والمهنيين، والحد من شخصنة المنظمة في شخصية معينة، كلها أمور مهمة للنقاش. ويُعد المؤتمر ساحة مناسبة لإعادة حساب هذه القضايا.
بهذه الشجاعة، لن تحتفل نهضة العلماء بمرور مائة عام كإنجاز تاريخي تزييني فحسب، بل كزخم للتأمل الجماعي. لأن المنظمات الكبيرة لا تُقاس بقدرتها على تجنب النزاع، بل بقدرتها على تحويل النزاع إلى طاقة للتجديد.
وفي هذا السياق، يصبح الطريق الثالث مهمًا، ليس كمسار تسوية ضعيف، بل كمسار حكمة يسمح لنهضة العلماء بتجاوز الاستقطاب والعودة للتركيز على مهمتها الأساسية.
في النهاية، قد تحتاج نهضة العلماء إلى العودة للتعلم من حكمة الشيخ وهاب حسب الله: "الشيء المعقد لا يلزم دائمًا قطعه، بل أحيانًا يحتاج إلى فكه بالصبر والوضوح والشجاعة". في هذا السياق، يصبح الطريق الثالث مهمًا، ليس لمحو الاختلاف، بل للتأكد من أن الاختلاف يبقى ضمن رابطة الأخوة والهدف المشترك. لأن أكبر تحدٍ لنهضة العلماء في قرنها الثاني ليس مواجهة الخصوم خارج المنظمة، بل الحفاظ على هذا البيت الكبير ليبقى قادرًا على استيعاب جميع أبنائه.
مبادرة "محو أمية الأمة" هي مسعى لتسهيل وصول الجمهور إلى المعلومات، وحركة مشتركة لنشر المعلومات الصحية للمجتمع؛ فالمعلومات الصحية ستشكل مجتمعًا صحيًا.
(نُشر هذا المقال في جريدة ريبوبليكا يوم الخميس، 9 يوليو 2026)