الفساد والبيروقراطية و"فخ الدخل المتوسط"

الفساد والبيروقراطية و"فخ الدخل المتوسط"

محمد نور ريانتو آل عارف
أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام لرابطة المحاضرين الإندونيسيين (ADI)
عضو مجلس إدارة IAEI
عضو مجلس إدارة ISEI فرع جاكرتا
موجه في LPEU التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (MUI)

تقف إندونيسيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فمن ناحية، يبدو التفاؤل بمستقبل الأمة كبيراً؛ حيث ينمو الاقتصاد بشكل مستقر نسبياً، والمكافأة الديموغرافية جارية، وبدأت عمليات التصنيع التحويلي تؤتي ثمارها، ومن المتوقع أن تصبح إندونيسيا واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم بحلول منتصف هذا القرن. ولكن من ناحية أخرى، لا تزال هناك قضايا هيكلية تلوح في الأفق، وأكثرها إثارة للقلق هو خطر "فخ الدخل المتوسط" (middle-income trap). يشير هذا المصطلح إلى الحالة التي تنجح فيها الدولة في الخروج من الفقر والوصول إلى وضع دولة ذات دخل متوسط، لكنها تفشل في الارتقاء لتصبح دولة ذات دخل مرتفع لفترة طويلة، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي، وتتوقف الإنتاجية، وتضعف القدرة التنافسية، ولا يسير التحول الاقتصادي كما ينبغي.

السؤال هو: لماذا تفشل العديد من الدول في الخروج من هذا الفخ؟ الإجابات الكلاسيكية عادة ما تدور حول انخفاض جودة الموارد البشرية، ونقص الابتكار، وضعف التكنولوجيا، أو قلة الاستثمارات الإنتاجية. كل هذه العوامل مهمة بالفعل، ولكن هناك عامل واحد غالباً ما يكون جذر العديد من المشكلات الأخرى، وهو الفساد الذي تفاقمه البيروقراطية غير الفعالة. إن الفساد وسوء الإدارة البيروقراطية ليسا مجرد قضية أخلاقية أو قانونية، بل هما عائقان اقتصاديان مكلفان للغاية. وفي كثير من الحالات، يعد الفساد والبيروقراطية غير الفعالة السبب الرئيسي لفشل الدول في زيادة الإنتاجية، مما يؤدي في النهاية إلى الوقوع في فخ الدخل المتوسط.

في المراحل الأولى من التنمية، تعتمد الدول النامية عادةً على الموارد الطبيعية، والعمالة الرخيصة، والاستثمارات المادية. كانت هذه الاستراتيجية فعالة بما يكفي لدفع النمو الاقتصادي والحد من الفقر. ومع ذلك، مع ارتفاع دخل السكان، تبدأ تكاليف العمالة في الزيادة، وتتلاشى الميزة التنافسية القائمة على رخص الأجور. وعند هذه النقطة، يجب أن يتحول الاقتصاد نحو قاعدة أكثر تقدماً من خلال الابتكار والتكنولوجيا والبحث والتصنيع الحديث وزيادة الإنتاجية. المشكلة هي أن هذا التحول ليس سهلاً؛ فالعديد من الدول قادرة على بناء الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، لكن القليل منها نجح في بناء مؤسسات ذات جودة عالية. والحقيقة أن التاريخ يثبت أن الدول التي نجحت في الخروج من فخ الدخل المتوسط، مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وفنلندا، تشترك في سمة واحدة مهمة: مؤسسات حكومية فعالة ونظيفة نسبياً. وعلى العكس من ذلك، تعاني الدول التي تفشل في إجراء إصلاحات مؤسسية من تباطؤ اقتصادي طويل الأمد، واستثمارات غير منتجة، وابتكار منخفض، وتراجع في جودة الخدمات العامة.

وهنا يلعب الفساد والبيروقراطية دوراً محورياً. بعبارات بسيطة، يمكن فهم الفساد كضريبة غير رسمية مفروضة على المجتمع وقطاع الأعمال. فعندما يضطر رجل أعمال لدفع رشوة للحصول على تصريح، ترتفع تكاليف الإنتاج. وعندما تفوز بالمشاريع الحكومية شركات ذات نفوذ سياسي، تنخفض الكفاءة. وعندما تتسرب الأموال العامة بسبب ممارسات الفساد، تصبح جودة البنية التحتية منخفضة. والنتيجة هي انخفاض الإنتاجية الاقتصادية. كما يخلق الفساد تشوهات في تخصيص الموارد؛ ففي الاقتصاد السليم، يجب أن تحصل الشركات الكفؤة والمبتكرة على فرص أكبر للنمو، ولكن في النظم الفاسدة، تستفيد الشركات المقربة من السلطة. هذه الظاهرة تولد ما يسمى "اقتصاد السعي للريع" (rent-seeking economy)، وهو اقتصاد يحقق مكاسب من خلال الوصول السياسي أكثر من الابتكار والإنتاجية. وعلى المدى الطويل، يعد هذا الوضع خطيراً جداً؛ فبدلاً من التنافس على ابتكار تقنيات جديدة، يتسابق الفاعلون الاقتصاديون على التقرب من صناع القرار، وبدلاً من زيادة كفاءة الإنتاج، تُستنزف الطاقة في التعامل مع الإجراءات البيروقراطية وبناء شبكات المحسوبية، مما يجعل الاقتصاد غير تنافسي.

تُظهر أحدث البيانات أن مشكلة الفساد لا تزال تمثل تحدياً كبيراً لإندونيسيا. فوفقاً لمؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصلت إندونيسيا على 37 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 99 عالمياً. ورغم ارتفاعها عن العام السابق الذي كان 34 نقطة، إلا أن هذا المركز لا يزال يشير إلى أن مدركات الفساد في إندونيسيا مرتفعة نسبياً. كما أن هذه الدرجة لا تزال أقل من العديد من دول آسيان، مثل سنغافورة التي حصلت على 84 نقطة وماليزيا التي حصلت على 50 نقطة. إن التحسن في درجة المؤشر يستحق التقدير، لكنه ليس كافياً لإظهار تغير هيكلي جوهري؛ حيث لا تزال قضايا فساد كبيرة تظهر في قطاعات الموارد الطبيعية والمشتريات والخدمات العامة. والأكثر إثارة للقلق هو أن الفساد غالباً ما ينمو في بيئة بيروقراطية معقدة وغير شفافة وتفتقر إلى المساءلة.

في نظريات التنمية الحديثة، تعد البيروقراطية الأداة الرئيسية للدولة لتنفيذ السياسات العامة. فالدول المتقدمة تمتلك بيروقراطية مهنية وسريعة واستجابة وتقوم على الجدارة. وعلى العكس من ذلك، غالباً ما تعاني الدول العالقة في فخ الدخل المتوسط من بيروقراطية بطيئة ومتعثرة وعرضة للتدخل السياسي. تخلق البيروقراطية السيئة تكاليف اقتصادية هائلة؛ فالمستثمر لا ينظر فقط إلى أجور العمالة أو الحوافز الضريبية عند اتخاذ قرار الاستثمار، بل يأخذ في الاعتبار أيضاً طول عملية الحصول على التراخيص، ومدى شفافية اللوائح، وحجم مخاطر عدم اليقين القانوني. وفي كثير من الحالات، يفضل المستثمرون الدول التي لديها ضرائب أعلى قليلاً ولكن مع يقين تنظيمي، على الدول التي تقدم حوافز كبيرة ولكن مع بيروقراطية غير واضحة. لذا، فإن إصلاح البيروقراطية ليس مجرد أجندة إدارية حكومية، بل هو أجندة اقتصادية؛ فالبيروقراطية الفعالة تزيد من الإنتاجية الوطنية لأنها تقلل تكاليف المعاملات، وتسرع الاستثمارات، وتحسن جودة الخدمات العامة.

هناك علاقة وثيقة جداً بين الفساد والبيروقراطية. فالبيروقراطية الطويلة والمعقدة تخلق فرصاً للفساد؛ فكلما زاد عدد المكاتب التي يجب المرور بها، زادت احتمالية حدوث الرشاوى. وعلى العكس، يؤدي الفساد إلى تدهور جودة البيروقراطية؛ فعندما لا تعتمد الترقيات الوظيفية على الكفاءة بل على العلاقات السياسية أو صفقات معينة، تنخفض جودة الموظفين العموميين، وتصبح الخدمة العامة غير مهنية. هذه الحلقة المفرغة تخلق ما يسمى "توازن الجودة المنخفضة" (low-quality equilibrium)، حيث لا يثق المجتمع في البيروقراطية، ولا تثق البيروقراطية في المجتمع، ولا يثق قطاع الأعمال في الحكومة، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف الاقتصادية وركود الإنتاجية الوطنية.

إذا نظرنا بعمق، فإن جوهر فخ الدخل المتوسط هو في الواقع ركود الإنتاجية. لا يمكن للدولة أن تصبح متقدمة بمجرد زيادة الاستثمارات أو توسيع الاستهلاك، فالعامل الحاسم في النهاية هو الإنتاجية. يضر الفساد بالإنتاجية بعدة طرق: أولاً، يخفض الفساد جودة البنية التحتية؛ فالطرق التي يجب أن تدوم لعقود تتلف بسرعة بسبب ممارسات تضخيم الأسعار وتقليل المواصفات. ثانياً، يقلل الفساد من جودة التعليم والصحة؛ فتسرب الميزانية يعني انخفاض جودة الخدمات العامة. ثالثاً، يعيق الفساد الابتكار؛ فالشركات المبتكرة لا يمكنها منافسة الشركات ذات الوصول السياسي. رابعاً، يقلل الفساد من ثقة المستثمرين ويزيد من عدم اليقين في الأعمال. كل هذه العوامل تؤدي إلى نتيجة واحدة: انتاجية وطنية منخفضة. والواقع أن الإنتاجية هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي طويل الأجل. لا توجد دولة متقدمة خالية تماماً من الفساد، ولكن بشكل عام، تتمتع الدول المتقدمة بمستويات فساد أقل مقارنة بالدول النامية، ليس لأن شعوبها أكثر أخلاقاً، بل لأن مؤسساتها أقوى؛ فنظم الرقابة تعمل بفعالية، وإنفاذ القانون ثابت، وشفافية الميزانية عالية، وتوظيف البيروقراطية قائم على الجدارة، ورقمنة الخدمات العامة تقلل من الاتصال المباشر بين المجتمع والمسؤولين. بمعنى آخر، بنت الدول المتقدمة أنظمة تجعل الفساد أكثر صعوبة وأعلى تكلفة من حيث المخاطر.

الدرس المهم هنا هو أن مكافحة الفساد لا تقتصر على الإنفاذ القانوني فقط، بل الأهم من ذلك هو بناء مؤسسات قادرة على منع الفساد منذ البداية. إذا أرادت إندونيسيا الخروج من فخ الدخل المتوسط، فلا ينبغي أن يركز الإصلاح الاقتصادي فقط على النمو، بل الأهم هو تعزيز جودة المؤسسات. أولاً، يجب مواصلة إصلاح البيروقراطية بشكل جوهري، مع توسيع رقمنة الخدمات العامة لتقليل مساحة التفاعل التي قد تؤدي إلى الفساد. ثانياً، يجب تعزيز نظام الجدارة في البيروقراطية، بحيث تُمنح المناصب العامة بناءً على الكفاءة لا المحسوبية السياسية. ثالثاً، يجب تحسين شفافية إدارة الميزانية من خلال استخدام التكنولوجيا الرقمية وفتح البيانات. رابعاً، يجب أن تكون أولوية تعزيز مؤسسات الرقابة وإنفاذ القانون في المقدمة. خامساً، يجب أن يصبح التعليم ضد الفساد جزءاً من بناء شخصية الأمة. سادساً، يجب توجيه الإصلاح التنظيمي لتقليل تكاليف المعاملات وتسريع الاستثمارات الإنتاجية. سابعاً، يجب أن يتجه التنمية الاقتصادية أكثر نحو الابتكار والبحث والتصنيع القائم على التكنولوجيا. وبدون هذه الخطوات، يخاطر النمو الاقتصادي بأن يكون نمواً زائفاً لا يساهم في رفع الإنتاجية بشكل مستدام.

تمتلك إندونيسيا كل المقومات لتكون دولة متقدمة: سكان كثر، موارد طبيعية وفيرة، سوق محلي قوي، وموقع جيوسياسي استراتيجي. ومع ذلك، يظهر التاريخ أن هذه المزايا لا تحول الدولة تلقائياً إلى دولة متقدمة؛ فالعديد من الدول الغنية بالموارد فشلت في التطور لأنها وقعت في شرك الفساد وسوء الإدارة. وعلى العكس من ذلك، تمكنت دول شحيحة الموارد مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية من الانطلاق لأنها نجحت في بناء مؤسسات فعالة. لذا، لا ينبغي النظر إلى جدل الفساد كقضية قانونية فحسب؛ فالفساد هو قضية اقتصادية، وقضية تنموية، وقضية مستقبل الأمة. وبالمثل، لا ينبغي فهم إصلاح البيروقراطية كأجندة إدارية، بل هو شرط أساسي لزيادة الإنتاجية الوطنية. في النهاية، السؤال الأكبر الذي يواجه إندونيسيا ليس هل نحن قادرون على النمو، فقد أثبتت إندونيسيا قدرتها على النمو لعقود. السؤال الأكثر أهمية هو: هل نحن قادرون على بناء مؤسسات قوية بما يكفي لدعم هذا النمو؟ لأن تاريخ التنمية العالمي يقدم درساً واحداً واضحاً، وهو أن الدول لا تقع في فخ الدخل المتوسط بسبب نقص الموارد، بل بسبب الفشل في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى إنتاجية. ومن بين هذه المؤسسات، تظل الحرب ضد الفساد وإصلاح البيروقراطية هي ساحة المعركة الأكثر حسماً. وإذا نجحت إندونيسيا في كسبها، فسيصبح الطريق نحو دولة متقدمة أكثر انفتاحاً. أما إذا فشلت، فإن فخ الدخل المتوسط لن يكون مجرد تهديد، بل واقعاً يجب علينا مواجهته.

نُشر هذا المقال في عمود Kompas يوم الجمعة، 26 يونيو 2026.