العرف المؤسس على الشريعة
نصر الدين عمر
(أستاذ بروفيسور في علم التفسير بكلية أصول الدين بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا،
وزير الشؤون الدينية بجمهورية إندونيسيا)
RM.id Rakyat Merdeka - تعود كلمة "العُرف" أو "العادة" في أصلها الاشتقاقي باللغة العربية إلى الجِذر (عَادَ - يَعُودُ)، والذي يعني الرجوع أو التكرار. ومن هذا الجذر اشتق لفظ "العادة" ليعبر عن السلوكيات الإيجابية المستقرة والمألوفة في إقليم جغرافي معين. وتتشابه كلمة "العادة" أو تتداخل غالباً مع مفهوم "العُرف" المشتق من الجِذر (عَرَفَ - يَعْرِفُ؛ أي عَلِمَ وتبيَّن)، وهو التقاليد الحية والشائعة التي يتعارف عليها مجتمع ما.
أما من حيث الفارق الدقيق بينهما، فإن العادة تكتسي طابعاً رسمياً يتجه نحو إرساء القواعد والقوانين الموجهة للسلوك (norm)، في حين أن العُرف يحمل طابعاً موضوعياً يتجه نحو صياغة القيم والمبادئ (values). ومن هنا، أصبحت العادات والتقاليد، أو ما يُصطلح عليه بالـ "القانون العرفي"، بمثابة هيئة أو مؤسسة مجتمعية تمتلك قواعدها الخاصة، وجزاءاتها العقابية، ومكافآتها (reward) لكل من يخالفها أو يمتثل لأحكامها.
أما كلمة "الشرع" فتعود في أصلها العربي إلى الجِذر (شَرَعَ - يَشْرَعُ - شَرْعاً)، وهو الطريق أو المسلك الموصل إلى مورد الماء. ويرتبط مصطلح "الشرع" ارتباطاً وثيقاً بكلمة "الشريعة"، والتي تُشير إلى تعاليم الدين الإسلامي. وبمنظورها الشامل، تضم الشريعة ثلاثة أركان رئيسية هي: العقيدة، والأحكام (الفقه)، والأخلاق.
وتُعنى العقيدة ببيان أركان الإيمان واليقين بالله سبحانه وتعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر (علم الأخرويات)، والقدر خيره وشره، وهي ما تُعرف بأركان الإيمان. بينما تنظم الأحكام الفقهية المعايير والتشريعات التي تحكم علاقة الإنسان بربه، وعلاقات الأفراد بعضهم ببعض في الحياة المجتمعية، كما تتجلى في أركان الإسلام. وتأتي الأخلاق لتبسط التعاليم المتعلقة بآداب وقيم التعامل البشري، فضلاً عن تنظيم علاقة الإنسان بسائر المخلوقات والكائنات التي خلقها الله.
بناءً على ذلك، فإن مبدأ "العرف المستند إلى الشرع" (Adat bersendi syara’) يعني أن العادات السائدة في المجتمع تنهض على ركيزة متينة من الأحكام الشرعية وقيم الشريعة الإسلامية. ومما ينبغي تأكيده هنا، هو أن المقصود بذلك هو القيم الكلية الأصولية للشريعة التي تتسم بالإطلاق والعمومية؛ إلى جانب وجود قيم وأحكام شرعية فرعية غير أصولية، وهي التي تأخذ طابعاً تحسينياً (tahsiniyyah) أو واقعياً سياقياً (waqi’iyyah).
ومن أمثلة الأحكام الأصولية والكلية في الشريعة: صيانة المقاصد الخمسة الضرورية (الضروريات الخمس)، والمتمثلة في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وسبيل تحقيق هذه الغايات والمقاصد يستوجب على الإنسان إقامة العدل، ودفع المفاسد والمضار، وإعلاء قيم المساواة والإنصاف.
وفي المقابل، تتمثل الأحكام والوسائل الفرعية (غير الأصولية) في الأدوات والآليات التي تيسر تطبيق تلك المبادئ والأصول الكلية وتفعيلها بما يواكب متطلبات العصر وتطوراته. وعلى سبيل المثال، أوجبت الشريعة إيتاء الزكاة لتحقيق العدالة الاجتماعية وردم الهوة بين الأغنياء والفقراء؛ ولدعم هذا الواجب وتفعيل أدائه بفاعلية أكبر، أُنشئت "الهيئة الوطنية لإدارة الزكاة" (BAZNAS) للمساعدة في جمع الزكاة وتوزيعها بطرق أكثر كفاءة. ومن ثم، فإن فريضة الزكاة تُعد حكماً أصولياً كلياً، بينما يندرج تأسيس هيئة (BAZNAS) تحت الوسائل والأحكام الفرعية. ورغم تصنيفها ضمن الأمور الفرعية، إلا أن وجودها يظل حيوياً لكونها الوسيلة التي تضمن تحقيق الغايات الأصولية على الوجه الأكمل.
إن المفهوم القائل بأن "العرف مستند إلى الشرع" يلقى قبولاً عالمياً واسعاً في المجتمع الإندونيسي، لأن السند الشرعي والمقصود هنا هو الأصول والقيم الكلية للشريعة، وليس جزئياتها ووسائلها الفرعية.
ولذلك، غدا هذا المبدأ عقيدة فكرية مقبولة على نطاق واسع؛ لأن جوهر تعاليمه يتسق في حقيقته –أو على الأقل لا يبتعد كثيراً– مع القيم الأخلاقية التي دعت إليها الأديان والمعتقدات المحلية المتجذرة في أرجاء الأرخبيل الإندونيسي.
ويشهد التاريخ بأن مفهوم "العرف المستند إلى الشرع" لم يتسبب في أي صدام أو توتر فكري داخل البناء الاجتماعي الإندونيسي؛ ويعزى ذلك إلى أن القيم الشرعية التي اتُّخذت أساساً وركيزة قد مرت بعملية مواءمة وتكيف مع السياق الثقافي للأرخبيل (أو ما يمكن تسميته بـ "توطين الإسلام في إندونيسيا")، مما جعلها قادرة على التعايش بانسجام تام مع تنوع الأعراف والتقاليد التي يزخر بها المجتمع الإندونيسي.
نُشر هذا المقال في عمود صحيفة Rakyat Merdeka يوم الجمعة، 17 يوليو 2026.
